الاتحاد

دنيا

بلا رجعة

نظرت الطبيبة بتمعن لتلك الدائرة الزرقاء التي تحيط بعيني اليمنى، مدت يدها وهي تحاول فتح تلك العين المتورمة فواجهت صعوبة وألم حتى ظهرت العين وكان لونها أحمر بلون الدم· كانت الطبيبة مستغربة طوال الوقت، سألتني: هل يعقل أن يحدث كل هذا بلا سبب؟ إنه كلام غير معقول ولا أصدقه فأخبريني ماذا حدث لك؟ قلت لها: صدقيني لم أتعرض لأي حادث، ولم يؤذني أحد، فقط استيقظت من نومي فوجدت أن عيني متورمة فطلبت من سيدي أن يأخذني إلى الطبيب ففعل ما أردت، هذا هو كل شيء·
خرجت الطبيبة بعد أن أمرتني بالانتظار ثم عادت وبصحبتها طبيبة أخرى، يا ألهي لمَ كل هذا التعقيد؟! فقط أعطوني الدواء واتركوني لمصيري الأسود، فأنا خائفة جداً مما ينتظرني·
الطبيبة الثانية أمرتني بخلع قميصي ترددت·· لماذا تصران على كشف المستور؟ ألا تعلمان بأن في ذلك أذاً كبيرا لا طاقة لي على تحمله؟
لم يكن أمامي سوى الاستجابة فخلعت قميصي فظهرت آثار التعذيب الوحشية على رقبتي وظهري وساعدي·
شهقت الطبيبتان وهما مرعوبتان: ما كل هذا؟ من فعل بك كل هذا؟ سكت ولم أجب ثم بدأت بالبكاء، عندها تحدثت معي الطبيبة الأولى وطمأنتني ووعدتني بأنها ستساعدني إن اعترفت بالحقيقة، أشارت إلى تلك الخطوط الحمراء الموجودة على رقبتي وسألتني: ما هذا؟ قلت لها: إنها آثار أظافر سيدتي، فهي عندما اقترف خطأ تغرس أظافرها في أي مكان في جسدي·
اتسعت عينا الطبيبة ونظرت إلى زميلتها التي فتحت فمها من الدهشة، ثم عادت للنظر إلى ساعدي وسألت: وما هذه الخطوط التي على ساعدك؟ قلت لها: أحرقت بعض الملابس أثناء الكي فقامت سيدتي بكيي بواسطة المكواة عقابا لي · هل هذا معقول؟ تساءلت الطبيبة وهي تنظر لزميلتها ثم سألتني: وما هذه العلامات التي على ظهرك؟ أجبتها: إنها آثار الضرب بالعصي التي تستعملها سيدتي لمعاقبتي بسبب غبائي لأنني لا أستوعب بسرعة ما تطلبه مني فأتأخر عن تلبية طلبها بالسرعة التي تريدها·
تشاورت الطبيبتان ثم أخبرتني الأولى بأنها ستحولني إلى قسم الطوارئ لوجود مكتب خاص بالشرطة هناك، خفت كثيراً وتوسلت إليها أن لا تفعل ولكنها طمأنتني إلى أنني لن أتعرض للمزيد من الأذى وأنني سأتخلص من خدمة هذه السيدة المتوحشة إلى الأبد·
كان سيدي واقفاً عند باب العيادة بانتظاري فأخبرته الطبيبة بأنني بحاجة لكشف الطبيب المختص بأمراض العيون، وبما أن العيادة الخارجية ليس فيها مثل هذا الاختصاصي، لذلك سيتم تحويلي إلى قسم الطوارئ في المستشفى حيث يستدعى طبيب العيون لتقدير الحالة·
طريقة ممتازة لإقناع سيدي بفكرة نقلي للطوارئ، ولكني فكرت بأنه ربما لن يأخذني إلى الطوارئ وسيأخذني إلى المنزل، ولكن الطبيبة كانت حريصة على نقلي بواسطة سيارة الإسعاف، ولم تكترث لاعتراضات سيدي وأشرفت بنفسها على إدخالي في الإسعاف التي انطلقت بي إلى عالم الحرية·
أخيراً تخلصت من ذلك الكابوس المرعب الذي عشته مع تلك المرأة المجنونة·
قبل العمل لدى هذه المرأة عملت لمدة سنتين عند أختها، وقد كانت تلك الإنسانة غاية في الإنسانية والرحمة مما شجعني على الموافقة للعمل لدى أختها، فقد قررت العودة لبلدها نتيجة لظروف عائلية لا أعلمها، فسألتني وقتها إن كنت أرغب بالعمل لدى أختها فأخبرتها بأنه لا مانع لديّ في ذلك، فلم أكن أتصور أبداً بأن هذه الأخت هي مخلوقة مرعبة ومعقدة نفسياً، ذقت على يديها ألوان العذاب لسنة كاملة، بلا رحمة، حتى صرت أخاف من ظلي·
لم تسمح لي بالخروج من المنزل وكانت تغلق الباب بالمفتاح عند خروجها، وقد منعتني من الاتصال الهاتفي حتى بأهلي، لأنها لم تضع هاتفاً في المنزل ولم تسمح لي باستخدام الهاتف النقال لأي من أفراد العائلة، وقد قامت بتعذيبي وأذاقتني أشد أنواع العقوبات بسبب أو بلا سبب لمجرد أنني إنسانة ضعيفة ولا أستطيع الدفاع عن نفسي أمام بنيتها القوية المرعبة·
ولم يستطع زوجها أو أولادها منعها من أذيتي على الرغم من تعاطفهم معي لأنهم يخافونها فهي امرأة جبارة لا ترحم أحداً·
وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى وكأن الشرطة على علم بالموضوع كله، فبمجرد نزولي من السيارة أخذوني إلى مكتب الشرطة وقاموا بالتحقيق معي فأخبرتهم بالحقيقة كلها·
لأول مرة منذ سنة كاملة أشعر بالقوة تعود إليّ وأنني إنسانة حرة لا يملكني أحد، أخبرتهم أيضاً بأنني لم اتسلم مستحقاتي طوال فترة عملي لأن سيدتي أخبرتني بأنها ستسلمها لي عند موعد سفري·
بعد انتظار طويل جاء سيدي وكان مرعوباً جداً فاعترف بأن زوجته كانت تعاقبني على أخطائي، ثم جاءت المرأة أخيراً وقد أسعدني جداً أن أجدها مصفرة من الخوف ترتجف وكأنها سعفة·
تحدث سيدي معي وطلب مني التنازل عن القضية مقابل تعويضي بدفع راتبي لسنتين كاملتين فوافقت على الفور وأخذت المال وسأعود إلى بلدي وفي نيتي عدم العودة للعمل في خدمة البيوت للخوف الكبير الذي زرعته تلك المرأة بداخلي·

اقرأ أيضا