الاتحاد

دنيا

مشيئة القدر

كان ضيفا مميزا، باسم الوجه، وسيم الملامح، طلق اللسان، رحب به والدي ترحيبا شديدا وحلف عليه أن يبقى في ضيافتنا ولا يسكن في الفندق لأن في ذلك إهانة كبيرة له، فهو ابن صديق العمر الذي كان والدي يقدره ويحبه حبا شديدا·
بقي الشاب في بيتنا شهرا كاملا، حيث جاء من بلده الخليجي لمتابعة بعض شؤون التجارة العائدة لوالده، فتوطدت علاقته بأخي الأكبر وأصبحا صديقين حقيقيين· وصلت السيرة الطيبة لهذا الشاب المليء بالحيوية والحماسة إلى جميع أفراد الأسرة، فتملكنا الفضول أنا وشقيقتي التي تكبرني لرؤيته· حانت الفرصة المناسبة عندما كان هو وأخي يجلسان في المجلس، وكنا نتلصص أنا وهي من وراء الستائر فاقتنعنا بأن ذلك الشاب هو فارس الأحلام الذي تتمناه أي فتاة، وقد سمحنا لأحلامنا الصغيرة بتخيله زوجاً لإحدانا· كان الأمر كله شيء من المداعبة والضحك لا يخالطه الجد في شيء·
شاءت إرادة الله أن تقع عينا الشاب عليّ بالصدفة أثناء خروجي من المنزل إلى السيّارة التي أوقفها السائق عند الباب، ولم أكن أدري أن الشاب كان في السيّارة مع السائق وقد أوصله إلى البيت، فالتقت العيون بغير موعد وخفق القلب بلا مقدمات فشعرت بأن عهدا جديدا ينتظرني·
كتمت مشاعري التي لم أكن أعهدها من قبل وانتظرت ما سيكتبه الله لي، فما حدث لم يكن بيدي، ومشاعري ليست ملكا لي لأن القلوب بيد الله يحركها كيف يشاء، شعرت أن هذا الشعور هو بداية لقصة جديدة في حياتي وكان ظنّي في محله، فلم تمر سوى أيام قلائل حتى أخبرني والدي بأن الشاب طلب يدي للزواج، فظهرت على وجهي ملامح الحياء مختلطة بإشارات القبول فعرف والدي بأنني راضية· تمت الخطبة والزواج بسرعة وانتقلت إلى بلد زوجي للاستقرار هناك·
عذاب يومي
مع أول أيام الزواج بدأت أشعر بأن زوجي إنسان غير طبيعي· كان قلقا باستمرار، لا ينام نوما هادئا وهو مضطرب المشاعر لا يدري ما يريد، يحاول أن يشرح لي أفكاره فلا أفهمها فيعرض عنّي ويتهمني بالغباء· يبحث في أرجاء الغرفة، بين الأغطية، خلف الستائر، بين الملابس، تحت السجاد، طوال الوقت يبحث عن أشياء مبهمة، وكلما حاول أن ينام تنتابه الكوابيس فيصرخ وينهض مذعورا وهو يردد: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم·
أصابني السهد والتعب الشديد بسبب الليالي المقلقة وعدم النوم والخوف من كل ما تخبئه تصرفات زوجي الغير طبيعية· وما أعيشه من واقع غريب متناقض مع إنسان يملك شخصيتين متناقضتين، فهو في النهار يكون على أحسن حال من الهدوء والرصانة والكمال، أما في الليل فيتحول إلى طفل مفزوع لا يهدأ ولا ينام، تنتابه الهواجس والكوابيس فيتقلب على فراشه وكأنه نائم على موقد من الجمر· لا يهدأ ولا يرتاح حتى أذان الفجر، وبمجرد سماعه للأذان يستكين وينام نوما عميقا لساعات قليلة ينهض بعدها وكأنه مخلوق آخر، فيعتذر لي عن كل شيء ويعاملني بمنتهى الود والحب والاهتمام·
لم أكن منسجمة مع أفراد عائلته بشكل جيد، لأن زوجات إخوته لم يحاولن كسب ودي بأي شكل وبقيت كل واحدة منهن تعاملني على أنني غريبة ولا أصلح لنسب هذه العائلة· أما أمه فلم تحاول أن تتحدث معي بشكل حميمي يشجعني على سؤالها عمّا يحدث لولدها، فبقيت الأمور كلها غامضة من حولي· وقد ملأني الشعور بالوحدة لأنني كنت منعزلة في بيتي لا ألتقي بأحد ولا أعرف أحدا، ولولا الهاتف الذي أصبح وسيلتي الوحيدة للاتصال بأهلي وبصديقاتي لما تحملت تلك العزلة المفروضة عليّ· خصوصا وأن زوجي مشغول طوال اليوم بأعماله التجارية ولا وقت لديه لمجاملتي أو محادثتي·
الشيء الوحيد الذي كان يسليني هو تفرغي للاهتمام بمنزلي حيث قمت بوضع لمسات جمالية على الأثاث والديكور، وصرت أعد بنفسي بعض الأطعمة الجديدة لمحاولة إدخال السرور إلى قلب زوجي وكسبه في الوقت القصير الذي يقضيه معي قبل حلول الظلام وبدء مسرحية الرعب الليلية·
بعد أشهر قليلة من الزواج حدث الحمل، وقد سعدت كثيرا لهذا الأمر، وقررت أن أشغل نفسي بطفلي وأن أتحمل وضع زوجي وأتكيف معه فهو في النهاية إنسان مريض نفسيا وربما سيشفيه الله مع الأيام·
كنت في الشهر السابع من الحمل وكالعادة مررت بليلة صاخبة، وانتظرت أذان الفجر بصبر شديد لأنني كنت متعبة ومرهقة، وبمجرد أن نام زوجي نمت أنا أيضا نوما عميقا· ولم تطل المدة حتى نهضت مفزوعة على صراخه·
ماذا حدث؟ سألته باستغراب فأجابني والدموع تبلل وجهه: شاهدت نفسي وحيدا في قبري المظلم والثعابين تحيط بي من كل جانب·
طمأنته إلى أنه مجرد كابوس وطلبت منه أن يلتزم بالصلاة وأن نذهب سويا لأداء مناسك العمرة عسى الله أن يساعده على الشفاء·
استجاب لي وسافرنا سويا إلى مكة، وهناك لاحظت بكاءه ونحيبه عند البيت الحرام بشكل لفت انتباه الناس لنا فشعرت بحرج شديد وتمنيت أن أعرف الجريمة التي ارتكبها زوجي ليشعر بالذنب بهذا الشكل الغريب·
بعد عودتنا هدأت نفسه بعض الشيء ولكنه أصبح يحب العزلة، ويقضي ساعات طويلة وهو يصلي ويقرأ القرآن الكريم ويبكي·
عندما حان موعد ولادتي طلبت منه أن يأخذني إلى أهلي لألد طفلي تحت رعاية والدتي· ففعل ما أردت ولم يمكث معنا إلا يوما واحدا واعتذر وعاد إلى بلده، وقد استغرب أهلي كثيرا لتبدل هيئة زوجي ومظهره·
رزقت بطفل ذكر يشبه والده إلى حد كبير، وقد جاء زوجي ووالديه لرؤية الطفل وتأدية كل ما يلزم من واجبات ومجاملات ثم عادوا بعدها إلى بلدهم، وبقيت أنا لقضاء أربعين النفاس عند أهلي·
بشكل مفاجئ جاءني خبر وفاة زوجي إثر إصابته بأزمة قلبية، فذهلت من شدة الصدمة وأصابني الحزن الشديد على ابني الذي سيتربى يتيما· مرت الشهور وكان كل همّي هو العناية بولدي الذي نوّر حياتي وجعل لها طعما مميزا بعد كل الجفاف الذي عشته خلال فترة زواجي·
السرّ الخفي
بعد أن بلغ ابني عامه الأول عرفت قصة زوجي وما كان يخفيه عليّ من أسرار فتكشفت لي كل الحقائق بعد زيارة أم زوجي بصحبة طفل في السادسة من عمره·
جاءت المرأة على غير موعد فرحبنا بها ترحيبا كبيرا، وقد استغربت لهذا الطفل الصغير الذي كان ملتصقا بها وكأنها أمه· الشيء الغريب هو أن الطفل أسمر البشرة مما يدل على عدم وجود صلة قرابة بينها وبينه، فقلت في نفسي ربما هو طفل يتيم تكفلت عمتي بتربيته ولم أحرجها بالسؤال عنه، ولكنها هي التي بادرتني قائلة: أتعرفين من هذا الصغير؟ قلت لها: والله لا أعرف، فأنا لم أره عندكم من قبل، قالت: إنه حفيدي·· إنه شقيق ولدك·
ماذا تقول هذه المرأة؟ هل هذا يعقل؟ بقيت أنظر إليها بذهول شديد· فتابعت قائلة: سأحكي لك الحكاية لأن ولدي رحمه الله قد أخفاها عنك ولابد أنه سيرتاح في تربته إن عرفت الحقيقة التي لابد من كشفها لك·
بقيت ساكتة وقد عقدت المفاجأة لساني، فأكملت كلامها قائلة: قبل تسع سنين سافر ابني إلى دولة أفريقية لعقد بعض الصفقات التجارية نيابة عن والده· كان رحمه الله حديث العهد بالتجارة وليست له خبرة قوية في كشف الناس، ولكنه كان لحوحا وراغبا في تعلم مجاهل عالم التجارة· وقد شجعه والده على هذا التوجه وأرسله لتلك الرحلة المشئومة والتي تعرف خلالها على امرأة أفريقية، هي داهية، بل هي شيطان حقيقي بثوب امرأة، أغوته وسيطرت على مشاعره فجعلته ينسى كل شيء ولا يفكر إلا بالبقاء إلى جانبها· أخذت تجرجر أمواله وساقته إلى عالم شيطاني غريب، وقد كان من النوع الشغوف بمعرفة أسرار العوالم الخفية، فعلمته كيفية التعامل بالسحر والشعوذة، وقد بهره كل شيء في ذلك العالم فقرر أن يأتي بها لبلدنا كي يعملا سويا في مجال التجارة، ويجرب تلك الخدعة البصرية العجيبة التي تعلمها في مضاعفة الأموال· ولم يكترث لنا أنا ووالده وإخوته وضرب بكل نصائحنا عرض الحائط، ولم يطل الأمر حتى انكشف أمرهما وأودعا السجن·
كانت فترة بقاءه في السجن قصيرة ولكنها كانت كافية ليعود لرشده وقد تم تسفير المرأة بعد خروجها من السجن فاعتقدنا أن الأمر انتهى إلى هذا الحد، فعاد ولدي للعمل مع والده وكان يحاول أن يصلح نفسه قدر الإمكان، ولم تمر سوى أشهر قليلة حتى عادت تلك المرأة وحاولت أن تؤثر عليه وقد أخبرته بأنها حامل· وعندما رفض الانصياع لإرادتها قامت بعمل أمور شنيعة لأذيته ففعلنا المستحيل حتى استطعنا إبعادها عن البلد والتخلص منها، وقد بقي ولدنا في أسوأ حال من التعب والقلق فأرسله والده إلى إحدى الدول الغربية ليتلقى العلاج النفسي اللازم فتحسنت حالته نسبيا وفكرنا بأن الزواج ربما سيساعده على نسيان الأمر كله، فقام والده بإرساله إليكم وقد اتفق ضمنيا مع والدك على خطبة إحدى بناته فوقع اختياره عليك، وقد حاولنا إخفاء الأمر عنك حتى لا يؤثر ذلك على حياتكما معا، ولكن الآن وقد اختاره الله إلى جواره، فلا بأس أن تعرفي الحقيقة، خصوصا وأن تلك المرأة قد أحضرت هذا الولد وتركته عند بابنا متخلية عن حضانته، ولا أدري كيف دخلت البلد، فقررت أن أعتني به خصوصا بعد أن وجدت ملامحه التي تشبه ابني إلى حد كبير مع اختلاف لون البشرة·
أكملت عمتي حكايتها وتركتني في دوامة شديدة لا أستطيع استيعاب الأمور ولا تفسيرها، لا أستطيع التصديق أو التكذيب، وبعد تفكير عميق قلت في نفسي: قدر الله وما شاء فعل·

سعاد جواد
Suad-jawad@hotmail.com

اقرأ أيضا