صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

جوزيف مسعد·· حفريات دؤوبة في الخطاب المعاكس




عمّان ـ يوسف عبد العزيز:

بدعوة من منتدى الفكر العربي زار عمّان مؤخّراً المفكّر الفلسطيني د· جوزيف مسعد، وهو أستاذ السّياسة وتاريخ الفكر العربي الحديث في جامعة كولومبيا في الولايات المتحدة الأميركية· وقد أحيا خلال هذه الزّيارة عدداً من الندوات·
تدور كتابة مسعد حول محوري الهوية والثقافة، كما أنّها تبحث في المسألة الفلسطينية، وتحاول أن تقاربها في بعديها: الوطني الفلسطيني، والاستيطاني الكولونيالي· كما ترصد كتاباته أيضاً طبيعة التّحوّلات الكبيرة التي عصفت بالواقع الفلسطيني نتيجة اتّفاقيّات السلام مع الكيان الصهيوني، والآثار المدمِّرة التي تركتها هذه الاتّفاقيّات· الجديد في دراسات مسعد يتمثّل بحفريّاته التي يقدّمها على صعيد الخطاب الفلسطيني ونقيضه الخطاب الصهيوني· على هامش ندواته التقت الاتحاد د· مسعد وأجرت معه هذا الحوار الخاص:
مركزيّة الذّكورة
؟ من الأفكار الجريئة التي يطرحها أحد كتبك (ديمومة المسألة الفلسطينية) ما يتعلّق بمركزية الذّكورة، وعلاقتها بالصراع العربي الصهيوني· تُرى إلى أيّ حدّ أثّرت هذه المركزية في تشكّل الوعي السياسي الفلسطيني؟
؟؟ في دراستي للفكر الوطني الفلسطيني قمت بتحليل (الميثاق) الذي وضعته منظّمة التّحرير الفلسطينية، ووثائقَ وطنية أخرى أُنتِجت منذ سّتينات القرن الماضي وحتّى الانتفاضة الأولى· لقد بيّنتُ كيف عرّف الفكر الوطني الفلسطيني نكبة 1948 على أنّها اغتصاب للوطن - الأم· بناء على هذه المنظومة التعريفية يرى الميثاق الوطني أنّ هويّة الفلسطيني مرتكزة على شقّين مختلفين· فالميثاق يعتبر أنّ كلّ فلسطيني ولد في فلسطين قبل عام ،1948 أيّ قبل الاغتصاب على أنّه فلسطيني الهويّة· ولكن بعد عام 1948 يُعَرِّف الميثاق الإنسان الفلسطيني على أنّه من ولد لأب فلسطيني فقط· بمعنى أنّ الأم بعد اغتصابها لم يعد أحد يثق بها لاستمرارية النّوع الفلسطيني، والذي يجري التّأكّد منه يتمّ عن طريق الأبوّة التي حلّت مكان الأرض ـ الأم كمنتج للهوية الفلسطينية·
؟ ماذا عن تأثير هذه المركزية على صعيد الفكر الصهيوني؟
؟؟ بالنسبة للفكر القومي اليهودي فقد ارتكز على محاربة الفكرة (اللاسامية) النّمطية القائلة بتخنّث الرّجال اليهود· فقبلت الصهيونية بهذه الفكرة في البداية حتى تغيّرها، وقرّرت أن تقيم نوادي رياضية أواخر القرن التاسع عشر في أوروبا، لإعادة إنتاج أجساد الرجال اليهود كأجساد ذكورية قويّة· لقد اعتبرت الصهيونية أنّ الشّتات هو مصدر التّخنّث عند الرّجال اليهود، وأنّ الوطن هو ما سيجعلهم ذكوراً على المستويين الجسدي والفكري· من هنا أسّس الفكر الصّهيوني لمشروعه عبر طرحه العمل الزّراعي والعمل العسكري، على أنّهما الوظيفتان الرّئيستان المعروضتان على الرجال اليهود بعد وصولهم إلى فلسطين، كوظيفتين ستحوّلان يهود الشّتات المخنّثين إلى مزارعين وجنود أشاوس· فالصّهيونية إذن طرحت نفسها ومشروعها الوطني على أنّه مشروع لاستعادة ذكورة الرجال اليهود التي ضيّعها شرط الشّتات·
مناقشة المصطلح
؟ تحدّثت في إحدى دراساتك عن الجهود الكبيرة التي بذلها الفكر الصهيوني في سبيل تحويل اليهود الأوروبيين إلى جغرافيا لا ساميّة مُزاحَة· تُرى كيف وظّفت الحركة الصهيونية مثل هذا التّحويل؟
؟؟ أراد الاستعمار الأوروبي بعد أن صنع النهضة الحديثة أن يعمّمَ نموذجه المسيحي المُعَلْمَن كنموذج يُحتذى به لدى عدد كبير من الشعوب والثقافات· بالنسبة لليهود فقد تبنّت حركة النهضة اليهودية في أوروبا (الهاسكالا) هذا النموذج كبديل عن السمات الثقافية اليهودية· الصهيونية بدورها تبنّت الفكر التنويري الغربي، ولكنّها اختلفت مع الهاسكالا حول طبيعة المكان، حيث إنّ أوروبا لا تمثّل المكان الملائم لليهود كي يثبتوا أنّهم أوروبيون، وذلك بسبب المضايقات الكثيرة التي يمكن أن يصادفوها هناك· كان على الصهيونية عندها أن تتوجّه إلى اليهود وتطالبهم من أجل أن يشاركوا في إقامة ذلك النموذج الأوروبي (المُزاح) خارج أوروبا، فحتى يصبح اليهود أوروبيين فلا بد لهم من أن يغادروا أوروبا· وبواسطة ذلك فقط يمكنهم العودة إليها ومحاكاة ثقافتها، ولكن عن بعد· لقد عملت الصهيونية على تحويل اليهودي ليس فقط إلى أوروبي ولكن إلى أوروبي لا سامي كإثبات على أوروبيتها·
؟ في محاضرتك (عكس الإرهاب) أشرت إلى أنّ الإرهاب مصطلح خالٍ من المضمون، وأنّه مليء بالخطاب الكولونيالي· ما المبرّرات الموضوعية وراء نقدك لهذا المصطلح؟
؟؟ مصطلح الإرهاب مصطلح مزيّف مثل مصطلح الحرية الذي روّجت له الولايات المتحدة الأميركية بعد الحرب العالمية الثانية، فكلاهما بلا قيمة تُذكَر إلاّ بما يفيدان به الجهة التي تروّج لهما· الذي يُعرّف الإرهابي باستمرار ليس الإرهابي نفسه، وإنّما هو الآخر العدوّ· علينا أن نسأل هنا عن عكس الإرهابي، بماذا يوصّف نفسه؟ هل هو آخَرُ الإرهابي؟ في الحالة الفلسطينية نجد أنّ الصهاينة يقومون بكل أعمال القتل والدمار، فهل هم آخر للإرهابي المدَّعَى، وهو هنا الفلسطيني صاحب الأرض الذي يدفع الظلم عن نفسه؟؟
مثقّفو أوسلو
؟ أنت تنتقد باستمرار دور المثقّفين الفلسطينيين والعرب في الصراع الدائر مع الصهاينة، ما الذي فعله المثقّف حتى ينصبّ عليه كلّ هذا النّقد؟
؟؟ طبعاً أنا أفرّق بين المثقّفين المقاوِمين للشرط الاستعماري، والمثقّفين الكومبرادوريين الذين استدخلوا المنظومة الاستعمارية عبر عملية أوسلو، وبدأوا بالتّرويج لها· فإن كان شعار بعض المثقّفين الفلسطينيين والعرب قبل أوسلو (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، فقد أصبح مشروع المثقّفين الكومبرادوريين (لا صوت يعلو فوق صوت السّلام)· الكثير منهم والذين حاربوا الاحتلال الإسرائيلي قبل أوسلو بدأوا بالترويج لأوسلو على أنّها عمليّة تحريرية· فصاروا يُصدّرون إلى البلاد الغربية والكيان الصهيوني استطلاعات الرّأي الفلسطيني حول السّلام، إلى جانب سِيَرِهم الذاتية، وكتبهم التي تشيد بعصر السلام المجيد! لقد أصبحوا يصدّرون أنفسهم أيضاً كمتحدّثين باسم هذه المنظومة السّلاميّة، وأنشأ الكثير منهم منظّمات غير حكومية مرتبطة هيكلياً مع ما أصبح يُسمّى بعمليّة السّلام·