صحيفة الاتحاد

دنيا

المُنجِّد يؤثث بهجة العرسان بالورد والسنابل


دمشق ـ فاطمة شعبان:
ارتبطت مهنة التنجيد بالأفراح أكثر ما ارتبطت، وكانت تجهيزات العروس لا تتم دون الفرش الذي يبدأ العروسان حياتهما المشتركة عليه· ولأنه البداية كان يستحق الاهتمام به لأن كل الناس تتفاءل بالبدايات· ولأن الفرش ضروري للبيوت أيضاً كانت مهنة المنجد من المهن الضرورية التي لا غنى عنها، والتي جلبت إلى العديد من العائلات في سوريا اسماهم، فالكثير من العائلات التي عملت في هذه المهنة أصبحت كنيتها المنجد، وهو مؤشر على المكانة الاجتماعية لمهنة المنجد قديماً·
ورغم قدم المهنة، إلا أنها لم تنقرض مثل مهنة صناعة الطرابيش، صحيح أنها تراجعت، ولكن ما زال لها محبوها الكثر، وهي مهنة يروى عنها الكثير من القصص، فالمنجد واحد من مهنيين قلائل يدخلون بيوت الناس من أجل ممارسة مهنتهم·
حول المهنة ومتاعبها وفنونها كان لنا الحوار التالي مع المنجد محمد هاشم بركات·
؟ كيف دخلت هذه المهنة؟
؟؟ ورثتها عن والدي، هذه المهنة تمارس في هذا المحل منذ أكثر من مئة عام، عمل فيها جد والدي، ثم خال والدي الذي علمها لوالدي، ووالدي علمنا إياها أنا وأخوتي الثلاثة· فقد كان رحمه الله كلما أنهى أحدنا المرحلة الابتدائية ودخل سن الثالثة عشر، يبدأ بتعليمه أصول المهنة، حتى تعلمناها وأتقناها كلنا، لم نعرف مهنة غيرها، ولم نحاول تعلم غيرها حفاظاً عليها من الزوال كرامة للمرحوم والدي·
؟ لماذا يفضل الدخول إلى هذه المهنة وتعلم أصولها في سن مبكرة؟
؟؟ من الضروري الدخول إلى هذه المهنة في سن مبكرة، لأن الطفل أكثر قدرة على التعلم بسرعة، ويملك الإمكانيات والقدرة على الحفظ بسهولة أكبر من الشخص البالغ، وفي مهنتنا التعليم العالي غير ضروري، تكفي الابتدائية ومعرفة القراءة والكتابة لتسجيل المقاسات المطلوبة، التركيز الأكبر على تعلم أصول المهنة، ولا يتم ذلك إلا عندما يجلس من يريد تعلم هذه المهنة بجانب المعلم ويتشرب أصول المهنة عملياً·
الأساليب القديمة ذاتها
؟ هل ما زلتم تستخدمون نفس الأساليب والأدوات القديمة، أم أن هناك تقنيات جديدة دخلت المهنة؟
؟؟ ما زلنا نستخدم نفس الأساليب والأدوات التي استخدمها من سبقونا من المنجدين، أدواتنا الرئيسية الخيوط والإبر والمسلات المتعددة المقاسات للخياطة والتنجيد، وقضيب معدني من الفولاذ لندف الصوف· الجديد في مهنتا دخول الندافة الآلية المخصصة لندف القطن عوضاً عن القوس الخشبي اليدوي الذي كان يستخدم قديماً، فقد أصبحت عملية ندف القطن اكثر سهولة وأسرع من السابق· وما زلنا نقوم بتنجيد اللحف والفرش بالأساليب والطرق القديمة نفسها التي اتبعها الأقدمون، حتى إننا ننفذ نفس الرسوم القديمة يدوياً، والتي لا تستطيع أي ماكينة في العالم تنفيذها بنفس الدقة والجودة والمتانة التي ينفذها المنجد·
مهنة بدون كتالوج
؟ هل يوجد كتالوج خاص بهذه الرسوم يختار منه الزبون، أو تختارون منه رسوم معينة؟
؟؟ لا يوجد أبداً أي كتالوج لهذه الرسوم، كلها محفوظة في ذاكرة المنجد الذي حفظ تفاصيلها مع الوقت منذ دخوله المهنة صغيراً· ويمكن اعتبار هذه الرسوم من الموروث الشعبي الذي ينتقل من جيل إلى جيل بالخبرة العملية، ولم يكن تعلمها وحفظها بالذاكرة بالأمر اليسير· أذكر أن والدي كان يراقب عملنا والعصا في يده، وكان عقوبة أي خطأ في قطبة إبرة أو غرزة مسلة ضربة من العصا على أصابعنا، لا مجال للخطأ أبداً والدقة أساس عملنا، إذا نظرنا إلى الرسمة على سطح اللحاف نجدها مكونة من نصفين متناظرين يجب أن يتطابقا تماماً، أي خلل في قطبة واحدة أو خطأ في المسافة بين قطبتين سيختل هذا التناظر وتظهر العيوب في رسمة اللحاف·
؟ بالنسبة لهذه الرسوم ما هي أسماؤها وأصولها؟
؟؟ تأخذ هذه الرسوم أسماء الأشكال المكونة لها، مثل رسمة ذيل الطاووس، البحرة، المروحة، صحن الفواكهة، صحن البقلاوة، طير الحمام، عرق الورد، عرق الليمون، ورسمة السنابل· ومعظم هذه الرسومات بالأصل مستوحى من البيئة المحلية في الشام، وهناك رسوم قليلة تعود بأصولها إلى تركيا أو مصر·
تفضيلات الزبائن
؟ ما هي نوعيات الأقمشة المستخدمة في التنجيد؟
؟؟ يحتاج تنجيد اللحاف إلى طبقتين من القماش، طبقة سفلية ويفضل استخدام القماش الخام القطني الأبيض اللون، والطبقة العلوية تكون من الساتان الملون، وهناك عدة ألوان منها الأصفر والأزرق والتفاحي والزهري وغيرها من الألوان، والساتان أنواع متعددة منها الساتان الحرير وهو الأفضل والأطول عمراً، والساتان الممزوج بخيوط البوليستر وهو أرخص وأقل جودة، والزبون هو الذي يختار ويشتري نوعية القماش المستخدم حسب إمكاناته المادية· بالنسبة للفرش يستخدم القماش حسب نوعها، إذا كانت الفرشة مخصصة لتمد على الأرض تنجد بقماش خام أبيض، ويخاط لها كيس قماشي ملون يغلفها بالكامل لحمايتها والحفاظ على نظافتها، ويمكن فكه بسهولة وغسله كلما اتسخ وإعادة تغليف الفرشة به· أما الفرشة المخصصة للسرير يمكن استخدام القماش القطني الأبيض أو الملون حسب طلب الزبون، ولا تحتاج إلى كيس قماشي لتغليفها·
؟ هل هناك علاقة بين اختيار المواد المستخدمة في حشوات اللحف والفرشات والمنطقة التي يسكنها الزبون؟
؟؟ أكيد، سكان المدينة يفضلون أن تكون الحشوة من القطن البلدي، لأن أغلب البيوت أصبحت مغلقة وأكثر دفئاً من قبل، وفرشات القطن تكون أرطب من فرشات الصوف صيفاً· أما سكان الريف والبادية يفضلون أن تكون الحشوة من الصوف لأنه متوفر لديهم بحكم ملكيتهم للأغنام من جهة، ولأن مناطقهم تكون أبرد في الشتاء· كما أن الفلاحين والبدو يتباهون بامتلاك أكبر عدد من اللحف والفرشات المحشوة بالصوف، ويعتبرونها ثروة كبيرة وإرث مهم يتوارثونه، وما تزال العروس عندهم حتى يومنا هذا تخرج مع جهازها ثلاث فرشات وثلاثة لحف من الصوف وعدد من الوسائد المحشوة بالقطن·
تراجع المهنة
؟ منذ سنوات بدأت عدد من المعامل والشركات بإنتاج الفرشات واللحف والأغطية الجاهزة بأشكال ونوعيات مختلفة، هل أدى ذلك إلى تراجع مهنة التنجيد اليدوية؟
؟؟ في السنوات الماضية حصل تراجعاً كبيراً في عملنا خصوصاً في المدن بسبب اتجاه الناس إلى شراء الفرش واللحف المصنعة في هذه المعامل، حتى أن بعض العاملين في هذه المهنة اتجهوا للعمل بمهن أخرى، ولكن منذ الصيف الماضي اختلف الوضع، وبدأ الازدهار يعود إلى مهنتنا من جديد، لأن الناس اكتشفوا أن اللحف والفرش المحشوة بالكامل من القطن والصوف الطبيعيين أفضل من الناحية الصحية من تلك المشغولة بالمعامل من مواد صناعية مختلفة· وعاد الكثير من الزبائن إلى تنجيد الفرش واللحف يدوياً، حتى أن بعض السياح الغربيين الذين يزورون المدينة القديمة يشترون من هذه اللحف ويأخذوها معهم، لأنهم اكتشفوا أنها مصنوعة من مواد طبيعية وصحية مئة في المئة، وفوق ذلك ألوانها جميلة ومطرزة برسوم تراثية بديعة·
مواصفات المنجد
؟ ما هي المواصفات التي يجب أن يتمتع بها المنجد؟
؟؟ من الناحية الجسدية يجب أن يتمتع بالبنية الجسدية القوية لأنها ضرورية في عملنا، وألا يكون مصاب بأي نوع من أمراض الحساسية أو الربو، فطبيعة هذه المهنة تقضي مبكراً على العاملين فيها، لأنها تسبب الكثير من الأمراض الخطيرة والمزمنة التي لها علاقة بالجهاز التنفسي والعصبي، وأمراض المفاصل والعظام· أما من الناحية النفسية عليه أن يتمتع بالصبر والتأني وألا يشغل تفكيره أو انتباهه إلا عمله، وأهم الصفات الذي يجب أن يتمتع بها المنجد هي الأمانة وغض البصر·