صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الاقتصاد الأميركي يقاوم نزيــف الحروب وتقلبات الأعاصير



إعداد - محمد عبدالرحيم:

منذ أن تقلد منصبه رئيساً للولايات المتحدة الأميركية، عمد الرئيس جورج دبليو بوش إلى زيادة الإنفاق السنوي على الدفاع بمعدل بلغ 50 في المئة - بما في ذلك مبلغ 500 مليار دولار على الحرب في العراق وأفغانستان في غضون خمس سنوات· وضاعف حجم الإنفاق على الأمن القومي في الوقت نفسه الذي لجأ فيه كذلك إلى خفض الضرائب ومدد مظلة الرعاية الصحية لكي تشمل جميع الأدوية الموصوفة·
وصادق بوش على صرف مبلغ 100 مليار دولار أخرى من أجل إعادة إعمار ما دمرته الأعاصير في ساحل خليج المكسيك· هذا بالإضافة على توقيعه على فواتير أخرى لإنفاق المزيد من الأموال سنوياً على عدد من البرامج والمشاريع المحلية·
وظل منتقدو الرئيس الأميركي يشيرون إلى أن هذه السياسات لابد لها أن تنتهي إلى فشل ذريع وهم يستندون إلى بعض السوابق التاريخية خاصة عندما أنحى الجميع باللائمة على الرئيس الأسبق ليندون جونسون في حقبة السبعينات عندما بلغ التضخم الأميركي أعلى مستوى له منذ الكساد العظيم بسبب إنفاقه الباذخ ''على المدفع والزبدة'' على حد سواء·
ولكن في هذه المرة فإن الحالة تبدو مختلفة، إذ أن التضخم ما زال تحت السيطرة كما أن عجز الميزانية لا يزال أقل من مستوى الذورة الذي بلغه في عام 2004 بعد أن بدأ يستقر قريباً من متوسطه التاريخي بنسبة 2 في المئة من اجمالي الناتج المحلي تماماً كما أن أسعار الفائدة ظلت نسبياً في أدنى مستوياتها·

ويمضي التحليل الذي أوردته ''وول ستريت جورنال'' مؤخراً في تعداد الأسباب التي رافقت هذه الحالة الاستثنائية إلى الاقتراب من بر الأمان·
ويتمثل أول هذه الأسباب في حدوث نمو قوي في الإيرادات بدعم من اقتصاد استمر يغرق بين طفرة الأرباح وارتفاع المداخيل في أعلى الهرم عبر فرض ضرائب اشد قسوة مما يتم فرضه على المداخيل في الأسفل·
وثانياً فإن خفض الضرائب والزيادة في الإنفاق جاءا في الوقت الذي يحتاج فيه الاقتصاد الأميركي إلى الدعم والإسناد· أما السبب الثالث وربما الأكثر أهمية من غيره فيتمثل في رغبة الأجانب المتزايدة في إقراض الولايات المتحدة التي استمرت تمول عجز الميزانية من دون اللجوء إلى رفع أسعار الفائدة في وقت لا يميل فيه الأميركيون لادخار الأموال·
وفيما يبدو فإن لا أحد يعلم الوقت الذي ستنتهي فيه حمى الإنفاق إذا كان لابد لها أن تنتهي وبالنسبة للعام المقبل فقد بات من المتوقع أن يعمد بوش إلى تقليل تكاليف البرامج والوكالات غير المتعلقة بالدفاع·
وفي المستقبل فإن التدفقات النقدية من المقرضين الأجانب يمكن أن تجف أو تنصب في الوقت نفسه الذي تطغى فيه تكاليف الرعاية الصحية والأمن القومي على الميزانية الاتحادية·
وعلى المدى القصير فإن كلاً من الإنفاق العسكري وخفض الضرائب يمكن أن يصطدم بأولويات الإنفاق التي يخطط لها القادمون الجدد من الديمقراطيين المتنفذين·
وحالياً فإن الميزانية التي عرضها الرئيس مؤخراً تعول بشكل أساسي على مجرد وقوف الحظ وحسن الطالع إلى جانبه، فالرئيس والكونجرس يدركان تماماً أن تكاليف الحرب في العراق والانفاق على الأمن القومي لن يتوقفا قريبا بل إن كلا الجانبين بات يتحدث عن الحاجة إلى جيش أكبر حجماً في تناقض واضح مع ذلك الانخفاض الكبير في الإنفاق الدفاعي في فترة ما بعد الحرب الباردة الذي ساعد إدارة بيل كلينتون لأن تشهد فائضاً هائلاً في الميزانية·
وإلى ذلك فإن ميزانية الرئيس بوش تقدر أن الحرب على العراق وأفغانستان سوف تكلف وحدها حوالي 300 مليار دولار خلال العامين المقبلين بينما يشير المحللون إلى أن الكلفة خلال السنوات الخمس المقبلة يمكن أن تصل إلى مستوى 500 مليار دولار·
إلا أن الديمقراطيين من جانبهم لديهم أيضاً قائمة طويلة من الأولويات المحلية التي تحتاج إلى التمويل والتي تتضمن خفض الفوائد في القروض التي تمنح للطلاب في المدارس والجامعات وإنفاق المزيد من الأموال على البحوث في مجال العلم والرعاية الصحية·
توازن مطلوب
وقد تعهد الديمقراطيون بإحداث التوازن المطلوب في الميزانية مع الالتزام بالقوانين التي تقضي بضرورة خفض الضرائب وزيادة المزايا والمكاسب من أجل إحداث نوع من التعويض· وكما يقول جون سبرات رئيس لجنة الميزانية والنائب الديمقراطي عن ولاية ساوث كارولينا: ''من الصعوبة بمكان تحقيق هذه الأهداف بسبب الضغط الذي تمارسه الميزانية الدفاعية، خاصة تكلفة الحرب على العراق، على عاتقنا· وأعتقد أن هذه النفقات وبهذا المستوى سوف تتمخض عن آثار سالبة ويجب التخلص منها''· وفيما يتعلق بميزانية العام المالي 2008 التي بدأت في الأول من أكتوبر الماضي وبلغ حجمها 2,9 تريليون دولار، ذكر الرئيس بوش بأنه سيعمد إلى طريقة سوف تمكنه من إزالة العجز تماماً بحلول عام 2012 من دون اللجوء إلى زيادة الضرائب·
وبالنسبة للعام المالي 2008 فقد طلبت الإدارة تخصيص مبلغ 481,4 مليار دولار لوزارة الدفاع بزيادة قدرها 49 مليار دولار أو بمعدل 11 في المئة من دون احتساب مطالب إضافية أخرى للعراق وشن حرب عالمية أكبر حجماً على الإرهاب، وعند تضمين هذه النفقات فإن الرئيس يطلب مبلغاً إجمالياً يصل إلى 716 مليار دولار للإنفاق على الجيش في الفترة إلى 30 سبتمبر ·2008
إلا أن العجوزات المترتبة على الميزانية سوف تستمر مرتفعة بمقدار 239 مليار دولار في عام 2008 و187 مليار دولار في عام ،2009 إلا أنه وعلى افتراض استمرار النمو السنوي القوي في الإيرادات فإن الإدارة تعتقد أن بامكانها أن تخفض هذا العجز إلى حوالي 94 مليار دولار فقط في عام 2010 قبل أن تحقق الميزانية أول فائض لها في عام 2012 منذ العام المالي ·2001
لكن المشكلة الأكبر على كل حال سوف تتمثل في البرامج والاستحقاقات التي تعهدت بها الحكومة إذ يقول هنري بولتن، وزير الخزانة الأميركي ''إن العجز في الميزانية ما زال أقل مما كان متوقعاً له قبل سنوات عديدة من الآن''، وعلى الرغم من تكاليف الحرب على العراق والأعاصير فقد عزا الوزير هذا الأمر إلى قوة الاقتصاد الأميركي والسجل القياسي في الحصيلة الضرائبية·
لكنه حذر مما سماه ''امكانية حدوث اصطدام في الالتزامات الحكومية''وقال: ''لا أشك في إمكانية نجاحنا في التعامل مع هذا الاصطدام لكن كلما انتظرنا لوقت أطول كلما سيصبح الأمر مكلفاً وأكثر إيلاماً في التنفيذ''·
كذلك فإن أكاديميين اقتصاديين سرعان ما بدأوا يحسبون ما كان يمكن أن تحققه الأموال التي أنفقت في العراق في ترقية وتحسين مشاريع أخرى مثل الرعاية الصحية على سبيل المثال، وكان جوريف ستيجليتز، الحاصل على جائزة نوبل، قد تنبأ بأن العراق سوف يكلف الميزانية تريليون دولار على الأقل على افتراض انسحاب القوات بحلول عام ·2010
ومضى البعض في عقد المقارنات مع فيتنام في حين أن العراق حتى هذه اللحظة على الأقل لم يكلف مبالغ كتلك التي أنفقت على فيتنام فيما يتعلق بالاقتصاد الكلي فالحرب الدائرة الآن تمضي بتكلفة بحوالي 100 مليار دولار سنوياً أي بحوالي 1 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وبحلول الوقت الذي وضعت فيه أوزارها فإن تكلفة فيتنام كانت تساوي ما يعادل 660 ملياراً بمستوى الدولار الحالي، أما اجمالي الإنفاق الدفاعي الحالي فأكبر مما كان عليه أثناء حرب فيتنام عند احتسابه وفق التضخم لكنه لا يزيد على حوالي 4 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، وهو بلا شك يمثل زيادة كبيرة مقارنة بالوقت الذي تقلد فيه بوش منصبه ولكنه ما زال أقل بكثير من نسبة الذروة التي بلغتها فيتنام بنسبة 9,5 في المئة من إجمالي الناتج المحلي في عام ·1968
بيد أن الإنفاق الدفاعي في فترة فيتنام جاء ليضيف المزيد من الوقود لإشعال اقتصاد كان يمضي أصلا بمعزل عن البطالة وبقوة كاملة للاستخدام وينتج بالكامل السعة المتوافرة، وعلى الرغم من أن الحكومة بكثافة في حقبة الستينات فإن معظم هذه الأموال جاءت من داخل الولايات المتحدة مما نجم عنه ارتفاع في أسعار الفائدة التي بدأت في مستوى 4,72 في المئة في أوائل الستينات لتنهي ذلك العقد في مستوى 7,65 في المئة إلا أن القطاع الخاص تمكن من ادخار أموال تكفي لتعويض الديون الحكومية قبل أن يصبح الاقتصاد الأميركي أكبر جهة مقرضة للأموال في العالم آنذاك· أما في هذه الجولة فإن أسعار الفائدة لم تشهد ارتفاعاً بذلك المستوى بسبب أن الأجانب وبخاصة من آسيا أصبحوا أكثر حرصاً على إقراض الاقتصاد الأميركي وبمعدلات فائدة متدنية وعادلة·
وبذلك أصبح الاقتصاد في مجمله أكبر المستدينين كذلك من جميع أنحاء العالم الأخرى، وفي الحقيقة فإن الحكومة الأميركية تعتمد بشكل خاص على رغبة الأجانب في إقراض أموالهم فحتى نوفمبر من عام 2006 تملك الأجانب سندات للخزانة الأميركية بقيمة بحوالي 2,2 تريليون دولار - أي حوالي 52 في المئة من الدين العام غير الملزمة بإدانة الحكومة الأميركية مقارنة بمعدل 20 في المئة فقط في أوائل حقبة التسعينات·
لذا فإن مقدرة بوش على الاستمرار في الإنفاق وخفض الضريبة باتت تعتمد بشكل كبير على رغبة المستثمرين الأجانب في الاستمرار في اقراض الأموال للحكومة الأميركية، إلا أن مينزي شين، الاقتصادي في جامعة ويسكونسين أشار من جانبه إلى أنه في نقطة ما فإن المستثمرين الدوليين سوف يفتقدون إلى الشهية في تقديم أموال كبيرة لاقتصاد يعاني من كبر حجم الديون، وهو الأمر الذي سينجم عنه تراجع في قيمة الدولار الأميركي وبالتالي الزيادة في أسعار الفائدة· ومضى يقول ''إن هذا الأمر لا يمثل مشكلة حتى الآن بسبب أن الأجانب لديهم الرغبة في الإقراض لكن عليك أن تتوقع أن نصل إلى وقت يقول فيه بقية العالم: لقد تعبنا من الرهان على ورقة خضراء تفتقد إلى قيمتها بهذه السرعة''·
بيد أن زيادة الإنفاق الهائل على الدفاع والأمن القومي في عصر بوش لم تأت أثناء فترة الازدهار التي شهدتها حقبة الستينات بل في فترة خمول في الاقتصاد الأميركي استمر يعاني منها حتى قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 وهذا يعني أن الاقتصاد يتسم بالكثير من البطء بحيث لا يستطيع امتصاص الانفاق الحكومي المتزايد من دون أن يتمخض عن تضخم·
وكما يقول لي برايس، الاقتصادي الليبرالي الذي كان يعمل حتى وقت قريب مديراً للبحوث في معهد السياسات الأميركية في واشنطن: فقد تمكن الإنفاق الدفاعي من استحداث وخلق 1,3 مليون وظيفة في القطاع الخاص ما بين العامين 2001 و2005 بينما تراجعت أعداد المستخدمين في جميع شركات القطاع الخاص الأخرى بمقدار 1,2 مليون وظيفة·
خفض الضرائب
وفي الوقت نفسه، عمدت إدارة بوش إلى خفض الضرائب في عامي 2001 و2003 بالنسبة للأفراد وعلى عائدات الأسهم وعلى المكاسب الرأسمالية والعقارات ومجالات أخرى، وكانت الإدارة وبعض الاقتصاديين قد أشادوا بهذه التخفيضات الضريبية على أساس أنها تحفز النمو الاقتصادي وتوفر الحوافز المطلوبة للشركات والأعمال التجارية من أجل الاستثمار وبالتالي زيادة إنفاق المستهلك، إلا أن الحرب لديها تبعاتها وتكاليفها الأخرى إذ أن بعض الشركات أصبحت تناضل من أجل الحفاظ على الوظائف مفتوحة أمام أفراد الاحتياطي في الجيش·
وكان تقرير صدر من مكتب الميزانية في الكونجرس في عام 2005 قد خلص إلى أن ''بعض الشركات والأعمال التجارية ربما تمكن من امتصاص الخسائر في الأفراد بأقل تكلفة ممكنة إلا أن البعض الآخر ربما يشهد تباطؤاً في الإنتاج وخسائر في حجم المبيعات أو دفع نفقات إضافية من أجل تعويض غياب الاحتياطيين في الجيش''· لكن المشاكل سوف تصبح أكثر حدة بالنسبة للشركات الصغيرة الحجم أو تلك التي توظف عمالة عالية التخصص والمهارة كما يقول التقرير·
وعود
ويبقى في النهاية أن الحكومة قد توسعت بشكل كبير منذ حقبة الستينات كما أنها بذلت كل أنواع الوعود لدفع المزايا والفوائد خاصة إلى كبار السن من الأميركيين، وفي الوقت الذي تمثل فيه تكاليف الحرب هاجساً لواشنطن الرسمية فإن تقاعد جيل فترة ازدهار المواليد أصبح يقترب كثيراً من موعده بعد أن بلغ أكبرهم سن الستين في العام الماضي·
والآن فإن برنامج الضمان الاجتماعي والرعاية الصحية والمساعدات الصحية يستهلك 36 سنتاً من كل دولار تنفقه الحكومة وبحوالي 1,2 تريليون دولار في هذا العام كما أن هذا الإنفاق يمضي بسرعة أكبر من السرعة التي يسير بها الاقتصاد بأكمله· أما الدفاع فيستحوذ على 20 في المئة من كل دولار مقارنة بمقدار 16 سنتاً عندما تقلد بوش منصبه في عام 2001 أي بمقدار أكبر مما تنفقه الحكومة على التعليم والنقل والبحوث العلمية ومساعدات الاسكان مجتمعة، وكما يقول شارلس شولتز، الاقتصادي في معهد بروكينز والذي كان ضمن فريق مستشاري الرئيس الأسبق جيمي كارتر: ''بامكاننا الاستمرار في هذه السياسات طالما توافرت رغبة الأجانب في التمويل ولكن الأمر في نهاية المطاف سوف يتمخض عن نتائج مؤلمة لأن الرعاية الصحية والضمان الاجتماعي سوف يتطلعان بالنصيب الأكبر من الميزانية''·
ويراقب الاحتياطي الفيدرالي ''البنك المركزي الأميركي''، عن كثب الدروس المستفادة من حقبة الستينات التي لم تفارق أذهان المحللين وواضعي السياسات المالية إذ يقول ايدوارد جرامليش، المحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي: ''هنالك العديد من المؤشرات التي سادت في فترة الستينات وتدل على تسارع وتيرة قدوم التضخم إلا أن السياسات المالية ما زالت لم تتغير بشكل جوهري، والآن فقد أصبح يتعين على الاحتياطي الفيدرالي أن يتسلح بأكبر قدر من الحذر وأن يتجاوب بقوة مع أي مؤشرات تدل على اقتراب التضخم''·