صحيفة الاتحاد

الإمارات

البرتو مانجيل: الكتب وحدها تحمينا من الأشباح


الاتحاد ـــ خاص :

عاشق للكتب ويحثكم على أن تحذوا حذوه لأن هذا أفضل علاج لآلام العصر، الوصفة مستحيلة في زمن ''ثقافة الفاست فود'' التي يحمل عليها الباحث الكندي، الأرجنتيني الأصل، ''ألبرتو مانجيل''··
بعد سلسلة من الكتب، من بينها ''تاريخ القراءة'' وقاموس ''الأمكنة الخيالية''، كان آخر كتبه ''المكتبة، الليل'' الذي يضيء فيه تاريخ المكتبات، من مكتبة الاسكندرية وحتى زمننا الحالي، ولكن مع لمسات شخصية تظهر شغفه بالمكتبة، وإلى حد القول: ''لا مجتمع من دون مكتبة''·
التالي استخلاص لسلسلة من الآراء التي أطلقها مانجيل مع صدور كتابه:
الكتاب
هذا الأرجنتيني الذي حطّ الرحال، مع 30 ألف كتاب، فوق الأرض الفرنسية، يحمل على ثقافة الفاست فود ''لأن العالم امتلأ بالرؤوس الفارغة''!
''البرتو مانجيل'' كان قد انتقل إلى كندا، مع كتبه، لم يجد مكاناً لها ''دون أن يكون باستطاعتي الانفصال عنها، لأن ذلك كان يعني أن أشياء من روحي تذهب هباء، لقد حدثت تلك التوأمة السحرية بيني وبين الكتاب'' ويصل إلى حد القول: ''يخيل إليّ أحياناً أن الكتاب هو الإنسان· لنرجع إلى البعيد، ماذا حدث للكائن البشري حين صنع الكتاب ؟ انفصل نوعياً عن الكائنات الأخرى، يقال، في الديانات السماوية، انه··· صورة الله ؟''·
لكن الكتاب يبدو وكأنه ينقرض، عدد القرّاء يتراجع على نحو كارثي، إذا كان التلفزيون هو المعيار لثقافتنا الراهنة، فالثابت أن الأولوية هي للبرامج السياسية أو الترفيهية، بالكاد تجد الثقافة إعلاناً واحداً، أصحاب الشبكات التلفزيونية يفكرون بطريقة أخرى، مَنْ الأكثر أهمية في الوقت الحاضر'' بريتني سبيرز'' أم ''أريسطو'' ؟
في كتابه ''المكتبة، الليل'' يروي مانجيل تاريخ المكتبات منذ مكتبة الاسكندرية الشهيرة التي أعيد أحياؤها في تلك المدينة المصرية على المتوسط: ''بالتأكيد زرت متاحف كثيرة وأطلعت، باهتمام شديد، على الأجنحة المخصّصة لتاريخ الكتابة· كان هناك بدائيون يصبغون كفوفهم ثم يلصقون بجدران الكهف لكي تظهر الكفّ· لا ريب أن البدائي كان يعبّر عن حالة ما· وجد الطريقة الوحيدة المتوفرة لديه· الكفّ، في هذه الحال، تعكس مستوى معيناً من المعاناة· قد تكون معاناة ميتافيزيقية أو معاناة حسّية· المسألة تحتاج إلى تحليل انتروبولوجي دقيق· ولكن، بالتأكيد، حين ظهرت الكتابة لم يعد الإنسان داخل المساحة الجغرافية للإنسان، ولم يعد حبيس قدميه· بدأ العقل يصنع ذلك الامتداد الذي لا بد منه للذهاب بعيداً في إدارة الصراع من المجهول· ألسنا حتى الآن، وغداً، نتولى إدارة ذلك الصراع الذي نحن جزء منه على كل حال؟''·
القراءة والجنون
أجداد ''ألبرتو مانجيل'' وفدوا إلى الأرجنتين من النمسا، أما أمّه فهي روسيّة· كانت تشبه الروسيّات القديمات اللواتي يجلسن إلى الموقد، وفي أيديهن كتاب لـ''تولستوي'' أو ''غوركي'' أو ''ديستوفسكي''· لا مجال للتوقف إلى أن ينتهي الكتاب: ''وفي وقت متأخر كنت أسأل: ألا يصبح المرء مجنوناً حين يقرأ كل تلك الكتب؟''·
الباحث الأرجنتيني يعتبر أنّ حالة انعدام الوزن التي يعيشها العالم تعود إلى التهميش الوحشي للمثقفين الذين لم يعودوا، في أيامنا هذه، أكثر من طفيليات برّاقة· حين ينال أحدهم جائزة نوبل، تبدو كلمة التقييم وكأنها مرثية، لأنّ مّنْ يفوز بالجائزة، غالباً، ما يحفر، بأظافره، في هذا العالم ليرتطم أخيراً بجدار· يقول إنه التقى، كثيراً، مواطنه ''خورخي بورخيس'' الذي كان يقول له إن الكتابة تشبه، أحياناً، محاولة القفز فوق زمن ما· القفز إلى أين؟ إلى الزمن نفسه· هناك حلقة عبثية يفترض أن تكتمل··
لكن لا مناص من الكتاب· ليس من الضروري الانتهاء من قراءته في يوم أو في أسبوع· المهم هو الارتباط به· في نظر ''مانغيل'' انّ ما يفعله الكتاب هو ملء الفراغات الكئيبة، بل والعقيمة، في داخلنا لتنشأ اللحظة الخلاقة، ناصحاً بالتنويع: ''المشكلة أن هتلر قرأ نيتشه فقط· لو قرأ هيغل لذهب إلى أحد الأديرة، أو لربما أصبح أستاذاً للفلسفة''·
فتنة الكتب
إنه مفتون جداً بالرئيس الفرنسي السابق ''فرنسوا ميتران'' الذي كان يعتبر ''انّ القراءة حياة''· قاوم السرطان بالقراءة، فقد كان بحاجة إلى ردم تلك الهوة التي يحدثها مرض ما حين تكون مهمته أن يفتح الباب أمام الموت·
''مانجيل'' أجرى عدة لقاءات، لدى صدور كتابه· قال: ''المكتبة هي أنا''، وقال أيضاً: ''أشعر بالامتلاء· لا أعود ظلاً، ولا رهينة''· وفي إحدى المقابلات قال: ''إننا نعيش داخل ثقافة الأشباح، أشياء كثيرة تحاول أن تضع أيديها علينا، الكتب وحدها هي التي تحمينا من وطأة الأشباح لأنها تشكل تلك الكثاقة الداخلية الضرورية جداً في توفير المناعة ضد التبعثر الداخلي· يقول إنه التقى مسؤولا غربياً بارزاً، وراحا يتناقشان، حول الكتب· كانت حجّة المسؤول أن الكتب تربك الإنسان، وقد تشتت امكاناته لأنها تضعه أمام أفكار تفغر أفواهها كما الوحوش: ''أثار ذهولي، هل حقاً انّ الكتب تشبه الضباع؟''· لكن المسؤول الغربي ما لبث أن استدرك: ''أود أن أؤكد لك انني قرأت، حتى الآن، ما لا يقل عن ثلاثة آلاف كتاب· لولا هذه الكتب لكنت لا أساوي ضفدعة''·
سوداوية ''كافكا''
كثيرون في هذا العالم التقى بهم ''ألبرتو مانغيل''· ولقد تمكن من إقناع كل مَنْ يلتقيه بألا يذهب إلى طبيب نفساني إذا كان يشعر بالاكتئاب أو الانقباض، حتى عندما تصدمك سوداوية ''رانز كافكا'' (الكاتب التشيكي الشهير)، فإنك تجد داخل ذلك الظلام ممراً لضوء الشموع·
الليل هو مكان القراءة· التفاصيل تنهش جلدنا (وخيالنا) عادة· عندما يهبط الليل، تتراجع التفاصيل أو تضمحل· تتسع عينا الكائن البشري· يتسع خياله: ''الذي أفعله انني لا أجلس القرفصاء داخل الخيال، بل انني ألعب دون كلل· إنه لشيء رائع أن تشعر، في لحظة من اللحظات، ان الخيال يطبق عليك''·
بدل الصواريخ العابرة للقارات، الكتب العابرة للقارات· ذاك التردي الذي تشهده الكرة الأرضية يعود إلى كوننا نستهلك كل شيء فينا بواسطة اللهاث· إننا نركض، ونحن نأكل، ونحن نقرأ، ونحن ننام· هذا فهم آخر للزمان، قد يكون فهماً خلاقاً، لكنه يحتاج إلى توازن داخلي، حتى لا يسقط المرء في قاع ذاته· يقول ''مانغيل'' إن علينا أن نشبه البحيرات· لاحظوا كيف أن الماء يحاول أن يلحق بالطيور التي تحط فوقه ثم تنطلق··
الكتب، في نظره، تجعلنا نشعر أننا ننتمي إلى كل مكان في هذا العالم: ''حين تقرأ ''نورمان مايلر''، أو ''غابرييل غاراسيا ماركيز''، أو ''غانتر غراس''، أو ''نجيب محفوظ''، تشعر أن منزل أيّ منهم ملاصق لمنزلك· إنه ابن الحيّ الذي تقيم فيه· الكتاب ثورة الاتصالات، من صنع··· القرية الكونية''·
حين يموت أفريقي
نظرية تقول إنه من دون مكتبة لا يوجد مجتمع، ليضيف انه في أفريقيا حين كان يموت شخص كانوا يقولون: ''لقد احترقت مكتبة''· هذه ملاحظة مذهلة، ليشير إلى أنه ''في مجتمعاتنا، المكتبة ليست في المركز بل المصرف· الفارق بين الاثنين انّ المكتبة تحتوي على ذاكرة مجتمع، أي على الكتب· المصرف لا يحتوي على شيء· فقط أرقام على الشاشات· ربما أوراق نقدية، وحتى هذه الأوراق ليست سوى رموز· انّ ثقة الناس المطلقة في الأوراق المصرفية أذهلتني دائماً، فيما أناس كثيرون يرون في الكتب شيئاً ما عبثياً أو مجازياً أو غير واقعي''· لكن الباحث الأرجنتيني يلاحظ انّ كتاباً قد يغيّرك· ورقة المائة يورو لا تفعل الشيء نفسه بطبيعة الحال·
(أورينت برس)