تقارير

الاتحاد

فاعلية الأمة ضد إيديولوجية «الدولة الإسلامية»!

إيزابيل دانا
كاتبة في مجال الدراسات الإسلامية

لاشك أن إيديولوجية "الدولة الإسلامية" التي تتبناها الحركات الأصولية الإسلامية تعتبر قضية مثيرة للقلق في الغرب، وقد سجل ذلك في وقائع كثيرة مؤخراً. ففي أكتوبر الماضي، قُتِل إمام واعتَقَل مكتب التحقيقات الفيدرالي ستة أشخاص في مدينة ديترويت لأنهم تآمروا حسب الادعاء للعمل من أجل إنشاء "دولة إسلامية" في الولايات المتحدة. وفي المملكة المتحدة يشعر المسؤولون الحكوميون هناك دائماً بالقلق لأن مجموعات متطرفة مثل "حزب التحرير" تسللت إلى المدارس الإسلامية للترويج لرؤاها فيما يتعلق بما تسميه "الدولة الإسلامية".
وفي هذه الأثناء تنتاب الرأي العام في الغرب مخاوف من أن المتطرفين الأصوليين الإسلاميين يحاولون فرض قيمهم على بقية العالم. إلا أن مقولة أو بكلمة أدق إيديولوجية "الدولة الإسلامية" اليوم لا تشكّل مصدر قلق للعالم الغربي وحده، وإنما هي بالدرجة الأولى مسألة خلافيّة كذلك داخل العالم الإسلامي نفسه.
وتمثّل إيديولوجية "الدولة الإسلامية" المتشددة في الواقع بالنسبة للعديد من علماء الدين المسلمين المعتدلين عائقاً أمام انتشار الأخلاقيات والقيم الإسلامية الوسطية المعتدلة. ففي إيران مثلاً يؤكد العالِم عبدالكريم سوروس، وهو أيضاً شخصية سياسية مهمة، على صعوبة إدامة الحقوق المدنية والسياسية والدينية في ظل الإيديولوجيات الدينية. ويؤكد حتى بعض الإسلاميين في مصر أن مفهوم "الدولة الإسلامية" غير عملي في عالم اليوم.
وينادي معظم العلماء المسلمين في كافة أنحاء العالم وبشكل متزايد بأنظمة بديلة تستطيع تجسيد رؤية إسلامية للمجتمع، وفي الوقت نفسه تسهل تقبّل مجتمعاتنا التعددية المعاصرة بشكل متزايد. فهم يؤكدون أن ثقافة التعددية وترسيخ الديمقراطية وحقوق الإنسان عالمياً هي أمور تكمن أصلاً في جوهر أسس الإسلام، وتوجد لها مؤيدات كثيرة في القرآن الكريم.
وهناك آراء متنوعة حول طبيعة وشكل وهدف إيديولوجية "الدولة الإسلامية". ومثلما أن بعض الدول الإسلامية فشلت إلى حد بعيد في إيجاد أنظمة سياسية تحترم مبادئ الديمقراطية والتعددية، فإن متشددي تلك الإيديولوجية فشلوا أيضاً على المستوى النظري في تقديم طرح مقنع أو متماسك.
ونتيجة لذلك، يناشد محمد طالبي، وهو كاتب ومفكر تونسي، المجتمعات الإسلامية بالتخلي عن نموذج أو إيديولوجية "الدولة الإسلامية"، كما تقدمها إيديولوجية الأصولية الإسلامية، والسعي بدلاً منه لإنشاء أُمّة عالمية، هي مجتمع عالمي يتشارك في القيم الجوهرية كالحرية والعدالة.
ويتجسّد الإسلام بالنسبة له في مفهوم "الاختلافات ضمن الوحدة"، أي بمعنى آخر، التعددية الإيجابية. وعن ذلك يكتب هذا المفكر التونسي: "أنا ذرة مسلمة داخل جُزيء إنساني. أُمّتي هي البشرية جمعاء، وأنا لا أميّز بين القسمات أو الآراء أو اللون أو العرق. جميع أبناء البشر هم إخوتي وأخواتي". ويؤكد في موضع آخر أن عهد العولمة الراهن يمثل بالنسبة له فرصة نادرة للعمل وفق هذا المفهوم المثالي لوحدة الإنسانية جمعاء.
ومن جانبه يؤكد فريد إسحاق، وهو عالم مسلم آخر من جنوب إفريقيا، وقوفه ضد إيديولوجية "الدولة الإسلامية" في عالم اليوم، إذا كان معناها الانغلاق وتفويت فرص التعايش والتسامح. وقد وصل فريد إسحاق إلى هذا نتيجة تجاربه الشخصية، أولاً كطالب في باكستان عندما شهد اضطهاد المجتمعات الفقيرة والمهّمشة غير المسلمة، وبعد ذلك كناشط في جنوب إفريقيا عندما شهد التضامن بين أناس من كافة الديانات والعقائد ضد نظام الفصل العنصري.
ويقترح إسحاق كذلك، وهو حليف قريب من رئيس جنوب إفريقيا السابق نيلسون منديلا، شكلاً مختلفاً من التأثير والفعل الإسلامي الإيجابي المنفتح يتجسّد في "أمة عالمية" لا تتحمّل ببساطة الخلافات وإنما توحّد كذلك البشرية متعالية على فروق العرق والدين، وذلك لتحقيق هدف الأهداف: العدالة.
ويؤمن فريد إسحاق بأن الأمة لا يمكن أن تحددها علاقات القربى وإنما أعمال الإيمان. فالأمة الحقيقية هي كفاح إنساني جامع وجهد متّحد عبر الأديان للعمل ضد الظلم والقهر بكافة أشكالهما.
أما عبد الهادي نعيم، وهو مفكّر سوداني مسلم اضطرّ للهرب من الخرطوم لأنه اعتنق تعاليم دينية منفتحة، وهو أيضاً شخصية إصلاحية سياسية، فقد طالب هو أيضاً بترسيخ الإصلاحات السياسية والدينية الليبرالية، فهو مقتنع بأن إيديولوجية "الدولة الإسلامية" محكوم عليها بالفشل، وأن العلمانية، المتأصّلة في الحرية الدينية والأخلاق والمثل والحقوق والواجبات، ربما تكون هي النظام الأفضل الآن للتعايش في كافة أنحاء العالم، نظراً لاختلافات الأديان والثقافات. ويتعين على هذا الشكل من العلمانية أن يكون شمولياً لوجهات النظر العالمية المختلفة، ولا يمكن بناؤه إلا من خلال الحوار والتبادل في مجتمع مدني عالمي.
وبهذا المعنى تثبت أهمية فاعلية الأمة في التاريخ، عكس إيديولوجية "الدولة الإسلامية"، لأن الأمة تعني كافة الأفراد والمجتمعات الذين سيصبحون أطرافاً ناشطين من أجل تطبيق المُثُل الإسلامية السامية كالتسامح وقبول الآخر والحوار بالحكمة والموعظة الحسنة في مجتمعاتهم التعددية.
ويمكن لهذا الطرح المثير للاهتمام والأصيل في نظرته الإسلامية العالمية أن يشكّل إطاراً أكثر سلاسة وملاءمة لفاعلية الأمة الإسلامية في عالم العولمة الراهن.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«كومون جراوند»

اقرأ أيضا