صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

موجة تصحيح قوية للأسهم الأميركية

شاشة لعرض الأسعار في بورصة نيويورك (ا ف ب )

شاشة لعرض الأسعار في بورصة نيويورك (ا ف ب )

شريف عادل (نيويورك)

خسر مؤشر داو جونز الصناعي 1033 نقطة، أي 4.2% من قيمته، ليغلق تعاملات يوم الخميس على مستوى 23860.46، في ثاني أكبر خسارة نقاط في تاريخ احتسابه الممتد لمئة واثنتين وعشرين سنة في موجة تصحيح يعتقد أنها ستكون قوية.
وكانت أكبر خسارة نقاط على الإطلاق قد حققها المؤشر يوم الاثنين الماضي، ليكون الأسبوع الحالي وقبل إغلاقه بيوم، أسوأ أسبوع للمؤشر الأهم في وول ستريت (حي البورصة في نيويورك) منذ الأزمة المالية في عام 2008.
وخسر مؤشر أس آند بي 500، لأكبر خمسمئة شركة أميركية نحو مئة نقطة، أو 3.75% من قيمته، ليضاعف خسائره للأسبوع الجاري، ويمسح كل المكاسب التي حققها منذ بداية العام الحالي 2018.
ولم يختلف الحال كثيراً مع مؤشر ناسداك، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، حيث فقد نحو 275 نقطة، أو 3.90% من قيمته في واحد من أسوأ الأيام على أهم مؤشرات الأسهم الأميركية.
وتجدر الإشارة إلى أن إغلاق الأسواق يوم الخميس كان عند أقل نقطة للمؤشرات الثلاثة، وهو ما أعطى المستثمرين انطباعاً باستكمال مسلسل الهبوط في بداية تعاملات يوم امس.
وتسببت الإشارات المتزايدة لارتفاع معدل التضخم في الولايات المتحدة الأميركية في الأيام القليلة السابقة، في تزايد احتمالات رفع معدلات الفائدة خلال العام الحالي، بوتيرة أسرع مما كان متوقعاً.
وزاد من حالة عدم اليقين في الأسواق عدم فهم الكثيرين لما يمكن أن يفعله الرئيس الجديد للبنك الفيدرالي، جيرومي باول الذي تسلم مهامه في بداية الأسبوع، في معدلات الفائدة، مع التوقعات المستقبلية للتضخم ولمعدلات البطالة.
ووقع الرئيس الأميركي دونالد ترامب في خطأ اعتاد الرؤساء السابقون للولايات المتحدة اجتنابه، حيث حاول أن ينسب لنفسه الفضل في الارتفاعات المتتالية في سوق الأسهم الأميركية خلال العام الماضي 2017، حين ارتفع مؤشر أس اند بي 500 بعد وصوله للبيت الأبيض بنحو 27%، إلا أنه فقد منها أكثر من عشرة بالمئة بعد الخسائر الأخيرة.ولم يعلق ترامب على خسائر سوق الأسهم حتى كتابة هذه السطور، وحاول صرف الانتباه بقصر تغريداته على موقع التواصل الاجتماعي تويتر على تغريدات ذات نكهة دينية، بعد أن حضر إفطار الصلاة الوطني صباح الخميس.واكتفى البيت الأبيض قبل يومين بالإعراب عن قلقه، على لسان أحد متحدثيه الرسميين، «من أي خسائر تحدث في سوق الأسهم»، مؤكداً ثقة البيت الأبيض والرئيس في الاقتصاد الأميركي.
وباستثناء تزايد قلق مستثمري الأسهم من تسارع وتيرة رفع معدلات الفائدة، لم يحدث يوم الاثنين ما يبرر السقوط المدوي للأسهم.
وظهرت علامات عدم ثقة المستثمرين في الأسواق بصورة واضحة منذ بداية الجلسة، حيث بدا أن المستثمرين يحاولون التخلص مما لديهم من أسهم في أسرع وقت ممكن.
وقال ريتش جوريني، الرئيس التنفيذي لشركة بي إن سي إنفستمينتس: «هذه ليست نهاية العالم، ولكنها غير مريحة»، وشهدت أسعار الأسهم ارتفاعات قياسية، في أوقات قياسية، منذ إعلان فوز ترامب في انتخابات الرئاسة الأميركية في تشرين الثاني من عام 2016، لدرجة أن مكاسب مؤشر داو جونز وصلت 45% عند أعلى مستوى له، والذي بلغه في يوم السادس والعشرين من يناير من العام الجاري 2018.
وشهدت نفس الفترة صعوداً جنونياً للعملة الافتراضية الأشهر «البيتكوين»، من أقل من ألف دولار إلى نحو عشرين ألف دولار، وبنسبة أرباح تزيد على 1900%، قبل أن تفقد أكثر من 60% من قيمتها في أسابيع قليلة.
وعالمياً، شهدت أغلب الأسواق الرئيسية انتعاشات كبيرة خلال نفس الفترة، وإن كانت بنسب أقل بعض الشيء، مما حدا بالكثيرين إلى زيادة استثماراتهم بالأسهم.
وتشير بيانات بنك أوف أميركا – ميريل لينش إلى أن نحو مئة مليار دولار قد دخلت سوق الأسهم العالمية منذ بداية العام الحالي 2018.لكن كيث بليس، نائب أول الرئيس، في شركة كوتون آند كومباني للوساطة في الأوراق المالية، ومقرها نيويورك، كانت له وجهة نظر أخرى، حيث قال:«إنها ظاهرة طبيعية، بل ومفيدة، أن نرى مثل هذا الاندفاع نحو البيع من وقت لآخر»، وأضاف أن «فقدان التذبذب في أسعار الأسهم خلال الشهور الماضية سبب العديد من المشاكل».
وابتهج المستثمرون بإصلاحات ترامب الضريبية، لكنهم فوجئوا بالزيادات الكبيرة التي طلبها الجمهوريون في الإنفاق الحكومي، وخاصة الإنفاق العسكري، وهو ما وافق عليه بالفعل مجلس الشيوخ الأربعاء الماضي، وسيوافق عليه في الأغلب مجلس النواب. وعادة ما ينصح الاقتصاديون الحكومات بزيادة الإنفاق، والسماح بعجز كبير في موازنة الدولة في أوقات الركود، من أجل المساعدة في تحفيز الاقتصاد.
لكن الاقتصاد الأميركي يشهد حالياً حالة من القوة، تنعكس في معدلات نمو مرتفعة، ومستويات منخفضة من البطالة، وهو ما جعل البعض يقول إن التخفيضات الضريبية، المقدرة بتريليون ونصف من الدولارات، هي في الواقع تحفيز غير مطلوب للاقتصاد.
فالأموال الإضافية ستزيد من سخونة الاقتصاد، وهو ما قد يؤدي لارتفاعات كبيرة في مستويات التضخم.
ويقول ريك ريدر، الذي يدير ما يقرب من 1.7 تريليون دولار من الأصول، كمدير استثمار عالمي لعمليات الدخل الثابت لدى شركة بلاك روك العملاقة لإدارة الأصول:«نحن نصب كميات هائلة من الوقود على النار»، وارتفع العائد على سندات الخزانة لمدة 10 سنوات لأعلى مستوى له في أربع سنوات، ليصل إلى 2.88%، وهو ما اعتبره المستثمرون مؤشراً إضافياً على زيادة المخاوف من ارتفاع التضخم.
وتساءل ريان ديتريك، كبير استراتيجيي السوق في ال بي ال فينانشيال، ثاني أكبر متعامل وسيط في السوق الأميركية:«لقد أثر سوق السندات بالتأكيد على سوق الأسهم، فهل يخبرنا سوق السندات شيئاً لا نعرفه؟ هل هناك المزيد من التضخم أكثر مما نتوقعه؟».
واعتادت الأسواق العربية والخليجية أن تتبع السوق الأميركي، خاصةً في حالات الانخفاضات الكبيرة، وهو ما حدث بالفعل خلال تعاملات الأسبوع الجاري، لكن من حسن الحظ أنها مغلقة يوم الجمعة، بما يسمح بفرصة لتحسن الأسواق الأميركية قبل أن تبدأ الأسواق العربية تعاملات الأسبوع المقبل.