صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

فيشر: لا خيار سوى التعاون شئنا أم أبينا


حسن ولد المختار:

اعتبر وزير الخارجية الألماني السابق يوشكا فيشر أنه لا حل لطوق الأزمات المحتدمة والمشتعلة في حالة ''توتير متزامن'' على امتداد منطقة الشرق الأوسط إلا بإعلاء لغة الحوار والتفاهم والتعاون بين دول الفضاء الإقليمي أولاً، وبينها وبين الاتحاد الأوروبي وبقية الأسرة الدولية ثانياً· وفي حديثه التحليلي استعرض فيشر طوق الأزمات هذا مبرزاً رؤيته لآفاق التسوية في كل من أزمة النووي الإيراني، والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، والحالتين العراقية واللبنانية· كما استعرض الخطوط العامة للمشهد الدولي من منظور عالمي أشمل، في ضوء عنوان محاضرته: ''النظام العالمي الجديد في القرن الحادي والعشرين''، وهي المحاضرة التي ألقاها مساء الأحد بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية· تساءل فيشر في سياق محاضرته: هل يمكن تغيير العالم فعلاً، مما هو كائن، إلى ما ينبغي أن يكون؟ مجيباً بأن العولمة غيرت العالم فعلاً، وفي مختلف الاتجاهات السلبية والإيجابية معاً، وهنا يمكن الوقوف عند هجمات 11 سبتمبر باعتبارها حدثاً غيَّر وجه عالمنا، وأجرى مياهاً كثيرة تحت الجسر بعد إطلاق مقولة ''النظام العالمي الجديد''· فحين وقعت تلك الهجمات كانت تعد في حد ذاتها سابقة تاريخية، إذ لم يسبق لعاصمة إمبراطورية كونية بالغة القوة بهذا الشكل، أن تعرضت لضربة على أيدي عناصر مناوئة لها· صحيح أن مقاومات سجلت أيام الإمبراطورية البريطانية العظمى، ولكن لم تصل الأمور إلى مثل هذا التحدي، وبهذا الحجم في العاصمة المتروبوليتانية نفسها· لقد أثبتت تلك الهجمات أن ترابط عالمنا اليوم يجعل افتراض إمكانية عيش الدول المتقدمة منعزلة وفي مأمن بعيداً عن أخطار الفقراء ومناطق الظل المنسية أمراً متعذراً، بل مستحيلاً· لقد اكتشف الغرب، وأوروبا خاصة أن أمنه مرتبط بأمن المنطقة، وأن استقراره مشروط باستقرارها أيضاً·
طوق الأزمات
لقد وجد الغرب نفسه بعد تلك الهجمات في مواجهة كل تعقيدات منطقة الشرق الأوسط، وأزماتها المنسية والمزمنة، وصراعاتها المستعصية على الحل، وفي المقدمة طبعاً الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي· وفي الوقت الذي كان يتعين على أميركا والمجتمع الدولي إلقاء كامل الثقل وراء الفرص الذهبية التي أتيحت لإنهاء هذا الصراع، ظلت العُقد تتعاظم مع مرور الوقت في طريق قطار التسوية، وظلت القرارات تسير في اتجاه آخر غير مرغوب، والنتيجة هي ما نراه الآن للأسف من طرق أمل مسدودة، وأسباب احتدام للصراع متعاظمة، وعودة للمربع الأول في كل مرة· ومع أن الأمل ما زال قائماً بألا تكون فرص التسوية قد ضاعت جميعها فعلاً، إلا أنه لا أمل في سيادة ثقافة التعاون وأجواء الاستقرار إقليمياً، وبالتالي دولياً، من دون إنهاء هذا الصراع المزمن· ومن مصلحة أوروبا تحديداً، وهي المتطلعة لترسيخ التعاون وأجواء السلام مع فضاءيها المجاورين في جنوب وشرق المتوسط، أن يصل هذا الصراع إلى نهاية مقبولة، خاصة أن علاقات تعاون من هذا القبيل كانت وستبقى حافلة بالوعود حقاً في ضوء ما تمتلكه المنطقة الشرق أوسطية من إمكانات بشرية وثروات هائلة·
وفي حديثه عن الحالتين العراقية والإيرانية اعتبر يوشكا فيشر أن الخطوات الخاطئة التي اتبعتها أميركا في العراق هي التي زادت من تفشي عدم الاستقرار فيه، داعياً إلى إنتاج مقاربة سياسية مختلفة تسمح بإخراج بلاد الرافدين من الوضع المتردي الحالي وتنتهي في الأخير باحتواء عوامل الاحتقان وعدم الاستقرار الإقليمي الخطيرة، مع العمل بشكل خاص على تجنب اندلاع حرب جديدة، إن أمكن مع إيران على خلفية برنامجها النووي· وفي حال اندلاع مواجهة من هذا القبيل فإن المنطقة سترتمي في واحدة من أشد حالات عدم الاستقرار، خاصة أن أزمة النووي الإيراني لا يمكن حلها بالقوة وحدها· وإذا تأملنا خلفية المشهد في هذه الأزمة، وعدنا بها إلى عناصرها الأولية، نجد أنها قامت أصلاً لسببين: مساعي إيران لفرض نفسها كلاعب إقليمي مهيمن، ومساعيها المثيرة للشكوك في برامجها النووية، وهي المساعي التي أخفقت طهران في إقناع المجتمع الدولي بأنها للأغراض السلمية فقط،وهي عموما وصفة لعدم الاستقرار والدمار، وستدفع ايران ثمنها غالياً إذا لم تتراجع· ورأى فيشر أن القوة الأنجع في لجم اندفاع إيران في برنامجها النووي، ليست بالضرورة قوة السلاح، وإنما قوة الاقتصاد، وهنا رحب المحاضر بشكل خاص بالعقوبات الدولية والأوروبية الأخيرة ضد طهران·
نهاية التاريخ··· أم بدايته؟
قبل سنة 9891، كان الاستقطاب مستمراً بين المعسكرين الشرقي والغربي، وكان حجم المجتمعات المتعولمة محدوداً، وكان دور وتأثير مناطق عديدة من العالم شبه غائب، أما الآن فإن 5,2 مليار من البشر هم في قلب الصورة ضمن النظام العالمي، وبقية المليارات الستة من سكان العالم يلحقون بهم يوماً بعد يوم· بل لقد أصبح العالم في الحقيقة، ولأول مرة، عالماً واحداً، لا عوالم متصارعة أو متنابذة، وقد ساعدت على ذلك السماوات المفتوحة وعولمة الصورة والإعلام، وتوحد الثقافات على الرغم من تعددها وكثرتها، بحيث غدا المعيش يومياً من أحداث واحداً ومتواتراً وعالمياً، وأصبح حلم البشر موحداً أيضاً في عصر العولمة هذا· إنها إذن بداية التاريخ وليست نهايته بأي شكل·
تحديات عالمية
إن الدول العظمى والأمم القوية ليست أبداً قوية بما فيه الكفاية لمواجهة التحديات العالمية لوحدها· ومن هنا فإن العالم في أمسِّ الحاجة إلى نظام اقتصادي وسياسي عالمي، للتعامل مع التحديات الجسام التي تواجهنا معاً· وهنا لا خيار آخر سوى التفاهم والتعاون، بيننا نحن البشر جميعاً، شئنا أم أبينا· صحيح أن كثيرين لا يريدون هذا التفاهم والتعاون، ولكنْ لا خيار آخر سواه·
إن أي كيان سياسي مهما كان عظيماً غدا اليوم مرتبطاً في أشد مصالحه القومية بكيانات أخرى، ربما تبعد عنه بآلاف الأميال· وعلى سبيل المثال، لو كنتُ تحدثتُ من على هذا المنبر سنة 9991 وطُلب مني أن أتنبأ بالأمة الأقوى بعد سنة 6002، فلعلي كنتُ سأقول من دون تردد: إنها أميركا· ولكنْ، هل تعلمون أن أميركا نفسها تعتمد الآن على كثير من قرارات البنك المركزي الصيني، في تحديد خياراتها الاقتصادية الخاصة· لو كنتُ قلتُ مثل هذا الكلام ساعتها، فلعل أقل ما كنتُ سأوصف به هو الشطط في الاستنتاجات وعدم الجدية· وليست الصين فقط هي من ينافس أميركا على حلبة الاقتصاد العالمي اليوم، بل هنالك قوى اقتصادية بازغة أخرى كثيرة كالهند وغيرها من عمالقة اقتصاديين لم يكن أحد يضعهم في الحساب قبل عقد من الزمن لا غير· ومفهومٌ أن تحولاً كهذا في موازين القوى الاقتصادية الدولية، يعتبر تحدياً هو الآخر، وله آثاره الكثيرة الحميدة كتقلص نسبة الفقر عالمياً، وله أيضاً آثاره غير الحميدة من صراعات وتنافس غير شريف، واحتقانات وأسباب توتر على صعيد عالمي·
قواعد اللعبة الدولية
إن مثل هذه التطورات يجب أن تدفعنا جميعاً إلى التعاون، لأن نهاية الحرب الباردة كانت بالفعل فرصة كبيرة، لبداية عصر جديد من تاريخ البشرية، يعبر عن نفسه بمظاهر جديدة وتقاليد في العلاقات الدولية جديدة، هي ما أساء التعبير عنه فوكوياما بمقولة ''نهاية التاريخ''، كما رأينا· وهو تاريخ يقتضي أن تكون قواعد اللعبة واضحة، ومكعباتها غير مزورة· وهنا لابد لمنظمة الأمم المتحدة أن تلعب دورها كاملاً كإطار ناظم لمختلف الأطراف الإقليمية ذات المصالح والرؤى المختلفة، والمرغمة عملياً وموضوعياً على التعامل والتعاون في عالم اليوم المتعولم إلى هذه الدرجة التي تحدثنا عنها· إن على المنظمة الدولية أن توجد الآليات الكفيلة بتأطير التحولات السياسية الدولية البازغة، بحيث تبقى على تماس حقيقي مع تحديات القرن الحادي والعشرين، وقادرة على رفع هذه التحديات، وبحيث يكون المنتظم الأممي هو من يضع قواعد اللعبة في ''النظام العالمي الجديد''· ودور مجلس الأمن هنا محوري، ورئيسي، بشكل واضح· وآخر ما أريد أن يفهم من هذا الكلام هو أنني أكني أو ألمـِّـح إلى المطالبة الألمانية بمقعد دائم في مجلس الأمن، لأن سياق الكلام هنا عام· ومع ذلك فالمطالبة بمقعد في مجلس الأمن في محلها، تماماً كما أنه من حق أفريقيا وأميركا اللاتينية وآسيا، وخاصة غرب آسيا، أن تطالب بتمثيل من هذا القبيل في المجلس·
توازن القوى ضروري
ولإبراز ضرورة إيجاد توازن للقوى داخل المنظومة الدولية، نحتاج نحن الأوروبيين إلى دعم إقليمي من قبل جيراننا· صحيح أن أوروبا الموحدة في النهاية ستكون ممثلة على كل حال، ولكنَّ إيجاد توازن قوى لا غنى عنه بأي حال، لتسهيل حل النزاعات، لأن التنمية والتعاون مستحيلان، مع استمرار بؤر التوتر وأسباب النزاع على صعيد عالمي· ولعل لدى أوروبا هنا من الدروس التاريخية البليغة ما يستحق حقاً أن نتحول إليه· فقد عرفت القارة الأوروبية تاريخاً مروعاً من الحروب والنزاعات، ولكنْ عندما وصلنا في أوروبا إلى قناعة تامة بضرورة التعاون تغير تاريخ أوروبا الغربية بشكل جذري، كما يرى الجميع الآن·
مَن كان يتصور مثلاً أن ألمانيا وفرنسا اللتين تقاتلتا طيلة 003 سنة، وأوشكت كل منهما على إفناء الأخرى، وكانتا وقود حربين عالميتين مدمرتين بالأمس القريب، نراهما تعيشان اليوم في وئام وسلام وتعاون، تحت سقف بيت أوروبي واحد· لقد طوى التاريخ بالنسبة لنا، مرة واحدة وإلى الأبد، كل تلك المذابح والفظاعات· أما نتيجة ذلك فواضحة هي أيضاً حيث انفتحت آفاق التعاون والتعـــايش والسلام المُشرعة بالباب العــــريض على قصص النجاح·
صحيح أن نجاحنا في بناء بيت أوروبي ما زالت تشوبه عوائق وتعقيدات تشريعية وإجرائية بهذه الدرجة أو تلك، ولكننا سنتجاوز ذلك، وسنتغلب عليه، لوجود إرادة راسخة ووسائل مناسبة لتجاوز العثرات التي تعنُّ على جنبات الطريق، لأن المشروع الأوروبي يحمل في طياته كل أسباب النجاح·
غير أننا كأوروبيين نعيش في عالم متعولم مترابط، ولا يمكن أن نعيش نحن، ولا أي طرف دولي آخر في جزيرة سياسية لا تتأثر ببؤر التوتر والاحتقان المنتشرة من حولنا· ولا معنى للقول إن جوهر النجاح في أوروبا هو تكريس واقع السلام، إذا كان هذا السلام ما زال متعذراً في مناطق ذات تماسٍّ مباشر معنا كالشرق الأوسط· وهذا التماس بين الشرق الأوسط وأوروبا، ليس فقط أمنياً وإنما يجب أن يكون شاملاً، وأن يكون التعاون بين الطرفين شاملاً· وعلى سبيل المثال فإن أمماً أوروبية كبيرة كألمانيا وبريطانيا وفرنسا، تعد مع ذلك محدودة الإمكانات من منظور دولي·
هذا يحتم تعاوننا مع جيراننا، في جنوب وشرق المتوسط· وللتعاون تحدياته بطبيعة الحال، وأستسمح هنا أن أضرب مثالاً من واقع عشته شخصياً، في منتصف الثمانينات كنتُ في قرارة نفسي بعيداً عن توقع عودة وحدة ألمانيا، ولكن في سنة 9891 بعد سقوط جدار برلين، تحققت الوحدة الألمانية، وكان نصف العائلة مغيباً في ألمانيا الشرقية السابقة، وعندما عادوا ضاق بنا البيت، وتكثف الضغط وتقلصت قدرته على استقطاب عدد أفراد العائلة المتضاعف، وكان لابد، في هذه الأحوال، من التحمل والتعاون والتفاهم· ومثل هذه الحالة الشخصية، أو لنقلْ العائلية، تصدق أيضاً على الدول والمنظومات الإقليمية كأوروبا الموحدة· وأنا على يقين أن قصة النجاح الأوروبية ستتكرر في اتجاهين، هما جنوب وشرق المتوسط·
أما صعود القوى الاقتصادية العالمية البازغة كالصين والهند فيفرض على الأسرة الدولية اليوم أن تخلق نظاماً عالمياً مرناً، بحيث لا يؤدي ظهور هذه القوى إلى تعزيز أسباب مواجهات وصراعات، الجميع فيها خاسرون سلفاً·