أرشيف دنيا

الاتحاد

السينما عندما تعيد صياغة الحياة

الفنانة كاجول البطلة

الفنانة كاجول البطلة

“اسمي خان.. وأنا لست إرهابياً”. تمثِّل العبارة عنواناً معبِّراً للفيلم الهندي الذي أنتج بتمويل من “إيماجنايشون”، التابعة لشركة “أبوظبي للإعلام”، والذي تعاون كاران جوهر وشيباني باثيجا على اخراجه وكتابة تفاصيله، في حين تألق نجما بوليوود شاروخ خان، وكاجول ديفغان، ومعهما مجموعة من الممثلين، خلال تجسيداً أحداثه التي كانت فائقة التعقيد بالرغم من بساطتها الظاهرة، بل ربَّما بسبب من ذلك الحرص الفائق على توخي البساطة..

لعلَّ أول ما يلفت الانتباه في العمل السينمائي أنَّ بطله، ريزفان خان، لا ينتمي إلى سلالة الأبطال التقليديين المتصفين عادة بمتانة البنية، واستثنائية الوسامة، والأهم أنَّه لا يمتلك تلك الكاريزما المتفوقة التي تمنحه مكانة متقدمة بين شركائه في الفيلم، حيث يبدو دونهم جميعاً لجهة براعة الأداء الحياتي، ومواجهة تفاصيل العيش المعقدة جراء اصابته بمتلازمة أسبرجير، وهي أحد أعراض مرض التوحد. الحالة النفسية والصحية لخان تمنحه تفوقاً في بعض العمليات الذهنية على الأسوياء من الناس، لكنها بالمقابل تدفعه لتصديق كل ما يصدر عنهم مهما كان خارجاً عن المألوف، وبعيداً عن المنطق السليم. الرجل يعاني الخوف من الأماكن الجديدة، ومن الناس الجدد، والأهم من اللون الأصفر، أمَّا الأخطر من كلِّ ذلك فهو اضطراره للهجرة إلى الولايات المتحدة تحصيلاً لسبل العيش، حيث سيجد نفسه ملزماً بمواجهة مصادر خوفه الثلاثة، إضافة إلى مصاعب أخرى لم تكن لتخطر بباله، عندما كان يقيم في بلدته الهندية الوادعة، حيث كان بوسعه إثارة اهتمام جيرانه ببعض الابتكارات المدهشة بالرغم من تواضعها.
موعد مع الرعب
على امتداد ساعتين ونصف من الأحداث المشوقة، يروي خان، وهو يحرص على مناداته بهذا الاسم، بحرف “الخاء” الذي يطلع من الحنجرة حصراً، تجربته مع الهجرة، حيث لا يجد ما يصف به مدينة سان فرنسيسكو التي شكلت معبره إلى أميركا، أكثر، أو أقل، من القول إنَّها مدينة مرعبة. وهو سيكون على موعد مع مزيد من الرعب عندما يجد نفسه يعيش تداعيات أحداث 11 سبتمبر، وما نجم عنها من إعادة تشكيل للبنى السلوكية والاجتماعية في بلاد كانت تصنف بوصفها مصدر الثروة والرفاه، وتحولت بفعل انهيار برجي التجارة العالمية إلى معقل للخوف الذي لا يجد صعوبة في تبرير نفسه، وفي تصديرها إلى الآخرين أيضاً..
ما كاد الهندي القادم إلى بلاد الصخب يوطن نفسه على التأقلم مع تداعيات صخبها المتعددة، حتى خطرت له مانديرا (كاجول ديفغان) في احد صالونات التزيين التي قصدها لبيع منتوجات شركة أخيه الأصغر (زغير) المختصة بطب الأعشاب، وكان زغير قد سبق خان إلى بلاد الأحلام، وأسَّس مشروعه التجاري الذي سيتباهى به أمام أخيه، قائلاً: “هذه هي أميركا”.
المستحيل الممكن
المهم أنَّ خان وجد نفسه منجذباً نحو مانديرا، ولن يطول به الوقت قبل أن يصرخ في وجهها، كما لو أنه يقترح عليها مشاركته وجبة الغداء، “تزوجيني مانديرا”. كانت المرأة ترد على الدعوة بافتعال نفاذ الصبر، وإن لم تكن قادرة على اخفاء ابتسامتها المشيرة إلى شيء من التمني المضمر، وفي النهاية طرحت على شريكها شرطاً أقرب إلى أن يكون تعجيرياً: إذا تمكنتَّ من إرشادي إلى مكان في المدينة لم أره من قبل، فلسوف أوافق على الزواج منك! قالت ذلك وهي تدرك أن الأمر يمثل استحالة بالنسبة لذاك القادم حديثاً، وهي التي مضى على وجودها في الغربة زمناً طويلاً، منذ أن أتت بفعل زيجة مدبرة، أثمرت عن ولد أسمته سامي، وعن انفصال جعل ابنها لا يعرف أباه، كما ستسر لخان في لحظة تخل عن قناع السعادة التي حرصت على ارتدائه طويلاً.
متعة الضباب
طفولية المتوحد جعلته يصدق الشرط، ويسعى إلى تنفيذه، ولن يطول بنا وبه الوقت قبل أن نراه يطرق باب مانديرا ذات صباح مبكر ليجذبها من يدها بإصرار محب، ويسير بها نحو مرتفع يطل على المدينة طالباً منها إغماض عينيها، لم تجد مانديرا بداً من الاستجابة، وعندما أعادها إلى الواقع وجدت نفسها أمام الضباب الكثيف وهو يرخي قبضته عن الأزقة الفارغة معلناً نهضتها من النوم، المشهد بدا غير مألوف، وكان لروعته أن دفعت مانديرا للصراخ بنبرة المتوحد ذاتها: “تزوجني خان”!!
ببساطة تميز نمط العيش في أرض الأحلام تزوج خان ومانديرا.
وفي إشارة ستكون لها دلالة مفصلية لاحقاً، رفض زغير حضور عرس أخيه، معترضاً على إقترانه، وهو المسلم، بفتاة من طائفة الهندوس، لكن العاشق لم يتوقف عند اعتراض شقيقه، رد عليه كما لو أنه يتكلم مع نفسه: “ليس من فرق بين أبناء دين وآخر.. فقط بين الصالحين والطالحين”.. ثم أردف بهمس واثق: “هكذا أخبرتني أمي”..
الصاعقة
ستخبرنا احداث الفيلم لاحقاً أن خان رجل متدين يلتزم بآداء الفروض الدينية، لكنه لن يبدي أي اعتراض على الطقوس الهندوسية التي تمارسها زوجته، وذلك في تطبيق عملي لمقولة التسامح التي ورثها عن والدته.
تزوج العاشقان، وأضيفت عائلة جديدة إلى المجتمع الأميركي الذي كان يزخر آنذاك بحراك لافت، حملت العائلة اسم خان، وبقدر ما بدا الأمر بديهياً ومحايداً في البداية، فإنه سيتحول لاحقاً إلى خيار مكلف، إذ بينما كانت تفاصيل الحياة تنساب هادئة بين الزوجين، ومعهما الطفل الفرح باكتشاف والد لم يعرفه، أيقظ رنين الهاتف مانديرا من النوم، ليطالعها صوت صديقة تطلب منها فتح جهاز التلفزيون، وهناك كان الجميع على موعد مع الحدث الصدمة: برجا التجارة العالمية في نيويورك يتحولان ركاماً بفعل تعرضهما لهجوم بطائرات مدنية خطط له زعيم منظمة القاعدة أسامة بن لادن.. معلناً انقسام العالم إلى فسطاطين، على حد تعبيره..
هوية للموت
كان المشهد الدموي أكبر من طاقة الجميع على الاحتمال، وكانت أحاسيس الذعر والرعب تلقي بكواهلها على الجميع، خوف أسطوري سيجد طريقه عما قريب ليتحول إلى كراهية وحقد ورغبة جامحة في الانتقام، لا تقتصر على المخططين والمنفذين وحدهم، بل تطال كل من يشاركهم الشبه في الملامح والانتماءات الدينية والجغرافية، حتى الأسماء لم تكن بمنأى عن الاستهداف، هكذا تحول اسم خان، ذو الدلالة المسلمة، إلى وبال على حامليه، وتعين على الطفل سامي المتباهي بهوية طال انتظاره لها، أن يدفع حياته ثمناً لما يعتبر حقاً بديهياً للكائن الإنساني.. إذ بينما كان يلعب الكرة مع بعض رفاقه تذكر هؤلاء فجأة أنه من الفسطاط الآخر، فانقضوا عليه ضرباً وركلاً.. مات سام وفي عينيه سؤال ودهشة عن سبب هذه القسوة غير المبررة، والعصية على التفسير..
الرحيل
كما هو متوقع، كانت الصدمة مدوية في وجدان مانديرا التي بحثت في أعماقها عن سبب لما حصل، وفي النهاية خلصت إلى الاستنتاج أنها مسؤولة عن موت وحيدها بفعل إعطائه اسم زوجها المسلم، فكان خيارها الانفصال عن خان الذي لم يجد بدا من الانصياع لرغبة زوجته، وهي تطلب منه الرحيل، فقط سمح لنفسه بالسؤال: سأغادر مانديرا.. ولكن متى يمكنني أن أعود؟! بعصبية ردت الأم المفجوعة: عندما تقنع الجميع أنك لست إرهابياً.. وأن اسمك لا يشير إلى كونك كذلك، الجميع بمن فيهم الرئيس القابع في البيت الأبيض..
لعنة الاسم
مرة جديدة تحكمت متلازمة اسبرجير بسلوك الهندي الذي صار لديه ما يبرر ويعزز مشاعر خوفه المتراكمة، وها هو يسير على غير هدى في شوارع أميركا ومفازاتها، بحثاً عن رئيسها، ليقنعه، نزولاً عند رغبة زوجته، بأنه ليس إرهابياً، وإن كانت الحياة قد منحته، دون أن تعطيه فرصة الاختيار، اسماً يطلق غرائز الانتقام من مكامنها..
أثناء رحلته الشاقة تعرض خان لمواقف شتى، كانت بمثابة رسائل إلى المتلقي تدفعه للتساؤل عما إذا كانت أحداث 11 سبتمبر، على فداحة بعدها المأسوي فيها، تبرر هذا النمط العشوائي من الانتقام، كان يبحث عن غرفة في أحد الفنادق المتواضعة التي يديرها أحد الهنود الهندوس، عندما تعرض الفندق لاعتداء ظناً من المعتدين أن صاحبه مسلمٌ، لم يجد الأخير سوى المسلمين لينحو عليهم باللائمة، حصل ذلك بحضور خان الذي أخبر مضيفه، وهو يبتعد مذعوراً: “اسمي خان.. وأنا لستُ إرهابياً”!
مسلم في الكنيسة
ثمة حادثة أشد وضوحاً واجهت صاحبنا بينما كان يؤدي الصلاة في أحد المساجد، حيث أصغى، دون قصد منه، إلى أحد الأشخاص ويدعى الدكتور عبد الرحمن يدعو مجموعة من مجالسيه إلى ما يعتبره جهاداً في سبيل الله، دون استئذان تدخل في الحديث، ناعتاً الرجل بالكذب، ومثيراً حفيظة بعض مستمعيه وإعجاب آخرين، هو لم يكتف بذلك، بل اتصل برجال الأمن يخبرهم عن نوايا عبدالرحمن..
أيضاً حادثة أخرى كانت ضرورية لإثبات أن سلوك الرجل المتوحد كان أكثر صوابية من مثيله للأصحاء، تمثلت بمساعدته أحد الصبية الذي تعثر بدراجته، حيث حمله على كتفيه إلى المنزل، ليصادف هناك أماً محبة، كشأن الأمهات دوماً، تدعى جيني، هي تعاني ألم فقدان إبنها الأكبر في حرب العراق، وفي كنيسة البلدة الصغيرة، حيث تجمَّع الأهالي متذكرين موتاهم، سيقف الهندي المسلم ليتلو سورة الفاتحة، وينشد مع مسيحيين، شركاء له في فجيعة الفقدان، أغنية مفادها أن الخير لا بد له ينتصر في النهاية، وأنَّ ليس للخير من دين محدد، بل هو جوهر الأديان جميعها..
المشوار الطويل
بعد ذلك يتابع خان مسيرته بحثاً عن الرئيس، هو يبذل الكثير من الجهد لتحقيق هدفه، سنشاهده يدفع مبلغ 500 دولار للمشاركة في عشاء يحضره الرئيس دعماً لجياع افريقيا، وعندما تخبره السيدة المكلفة ببيع التذاكر أن الدعوة محصورة بالمسحيين وحدهم، يغادر طالباً منها تحويل المبلغ إلى الأفارقة من الأديان الأخرى.
لاحقاً سيشارك خان في تجمع شعبي أقيم إحتفاءً بالرئيس الأميركي السابق جورج بوش في إحدى الجامعات، وسيصرخ من مكانه بين الجمهور: “سيدي الرئيس.. اسمي خان وأنا لستُ إرهابياً”.. كان للكلمة وقع صادم في أجهزة التنصت المتصلة بآذان رجال الأمن، الذين سرعان ما انقضوا على ريزفان، واقتادوه إلى التحقيق، وهناك لن يسمعوا منه أكثر من عبارة واحدة: أريد مقابلة الرئيس بناء على طلب زوجتي!!
بلوغ الهدف
بعد خروجه من السـجن بفعل مساعدة أحد الصحافيين له، يعرف خان من وسائل الإعلام أن بلدة الأم جيني تتعرض لغضب الطبيعة على شكل سيول مدمرة، فيعود لمساعدة أهلها.
وهناك تسلط عليه أضواء الإعلام، ويعرف بأمره الجميع بمن فيهم الرئيس الأميركي الجديد باراك أوباما، الذي يستدعيه لمقابلته، مثنياً على نزعته الإنسانية..
رؤية أخرى
أجواء ساحرة، ورؤى فائقة العذوبة يطرحها الفيلم متصدياً لقضية من أشد قضايا العصر تعقيداً، هو، في بعض استهدافاته الدلالية، أحد أشكال الرد المقنعة على الكثير من الأخطاء الشائعة التي يتحرك عالمنا المعاصر بوحي منها، تاركاً لها أن تقوده، ونحن على متنه، نحو هاوية لا منجاة له ولنا منها، إلا بأعمال العقل البريء، العقل غير الخاضع للاهواء والمصالح الملتبسـة، عقل رجل متوحد يماثل الأطفال في نقائهم وعذوبة المقصد.
وإن كان منفذ عمليات 11 سبتمبر قد أقر تقسيم العالم إلى فسطاطين، على أساس الانتماء الديني، فإنَّ لريزفان خان رأياً آخر أكثر قدرة على الإقناع وجذب الاهتمام: فسطاطان نعم.. ولكن بين الصالحين وسواهم..

اقرأ أيضا