صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

القطاع الخاص العربي يغزو الصناعات العسكرية

تحقيق : عبد الحي محمد:

خطفت معروضات شركات التسليح العربية الخاصة في معرض ''آيديكس''2007 أنظار الزائرين خلال اليومين الماضيين، ولأول مرة تشارك العشرات من تلك الشركات في المعرض بمعروضات متنوعة تشمل طائرات ودبابات وآليات ثقيلة وخفيفة ومدافع وأنظمة اتصالات إلكترونية معقدة ومدافع ورشاشات وملابس عسكرية·
وعلى الرغم من التقدم الكبير الذي حققه القطاع الخاص العربي في الصناعات العسكرية، إلا أن تلك الصناعة تواجه تحديات كثيرة تهدد استقرارها ونموها ومستقبلها، الأمر الذي يشكل خطورة كبيرة على الأمن القومي العربي·
وخلال لقاءات مع العديد من الخبراء والمختصين العرب المشاركين في المعرض رصدت ''الاتحاد'' العديد من التحديات التى تواجه الصناعات العسكرية العربية الخاصة ومطالب أصحابها ورؤيتهم لآفاق المستقبل·
وتتنوع التحديات بين قلة رؤوس الأموال التى يتم ضخها في تلك النوعية من الصناعة، مقارنة بما تحتاجه من أموال ضخمة، خاصة وأن بعض الشركات في الدول العربية نشأت على يد فرد واحد كهواية، فضلا عن عدم حصول تلك الشركات على أسرار التكنولوجيا العسكرية بسهولة، حيث تفرض عليها الشركات متعدية الجنسيات سرية كبيرة للحفاظ على أرباحها الخيالية المتحققة من سوق الشرق الأوسط باعتباره أكثر الأسواق استخداما للأسلحة، كما تخوض الصناعة العربية العسكرية الخاصة مواجهة شرسة مع الشركات العالمية في الأسواق الأجنبية بعد أن أغلقت أمامها المصالح السياسية بين الحكومات أسواق الدول النامية، الأمر الذي يفرض عليها تقديم نوعية من الصناعات ذات جودة عالية وبتكلفة أقل، ورغم ذلك تتوافق مع أحدث تكنولوجيا التسليح في العالم·
وتضطر غالبية الشركات الخاصة العربية إلى استثمار أرباحها في صناعة التجميع العسكري لتجنب الخسائر المالية الضخمة في حالة عدم ملاحقتها تكنولوجيا التسليح، كما أن غالبية الدول العربية لا تقدم دعما لها خاصة في مناقصات تسليح جيوشها، وهناك القليل من الحكومات العربية التى قبلت بالدعم المعنوي فقط، وتركت تلك الشركات تسبح لوحدها في سوق السلاح العالمي وتتعرض للطماته·
منتجات الشركات
والتقت ''الاتحاد'' مع مسؤولي كبريات الشركات العربية الخاصة المشاركة في ''آيدكس''، حيث استعرضوا تاريخ صناعتهم والجديد الذي عرضوه ورصدوا التحديات التى تواجههم وطرحوا مطالبهم التى تتمثل في دعم الحكومات لهم بتوقيع اتفاقيات مع الشركات العالمية تتيح لهم الحصول على تكنولوجيا التسليح المعقدة ومنحهم أولوية في المناقصات المحلية وتكثيف الحملات الإعلامية عن معروضاتها بحيث تحوذ ثقة المواطنين العرب والأجانب، إضافة إلى مساعدتها في فتح أسواق أمامها خاصة الأسواق الأوربية·
واشتمل جناح دولة الإمارات في المعرض على عدد كبير من الشركات الخاصة التى نجحت في تصنيع طائرات وعربات ومدافع وملابس في الإمارات بنسبة 100%· وعرضت شركة ''أدكوم'' الإمارتية طائرة استطلاع ''يبهون آر'' تم تصنيعها بالكامل داخل الدولة وينضوي تحت لواء الشركة عدة شركات متخصصة في تصميم أنظمة الأهداف المتقدمة للطائرات ويملكها المواطن علي الظاهري·
ويؤكد أسامة هادي علي مدير أنظمة المعلومات في الشركة أن الصناعة العسكرية الخاصة المحلية تطورت بشكل كبير، والدليل على ذلك تواجد عشرات الشركات الوطنية في المعرض، قائلا: لو قارنا اليوم بالأمس لوجدنا نموا كبيرا للغاية لم يكن يصدقه أحد· ويرى أن الصناعات العسكرية العربية الخاصة تواجه تحديات كبيرة على رأسها تحدي الخبرة، مشيرا إلى أن شركة ''أدكوم'' استغرقت أكثر من عشرين سنة لتصنيع طائرة استطلاع كاملة، وبدأنا عملها بصناعة الأهداف الجوية وتتطورت تدريجيا لتصنيع الطائرات، ومن المؤكد أن الخبرات الفنية في مجال الطائرات شحيحة للغاية، وهذه الصناعة تحتاج إلى كوادرعالية الكفاءة، وهذا غير متوفر في غالبية المصانع العربية وهذه هي المشكلة الأكبر·
ويرى أن التحدي الثاني يتمثل في فقدان ثقة بعض المواطنين والحكومات العربية في الصناعة العسكرية الخاصة العربية، مما يلقي أعباءً أكبر على تلك الصناعة، ويضطرها للتواجد في أغلب المعارض العالمية والإقليمية المتخصصة· ويقول: عندما قلنا إننا صنعنا طائرة لم يصدقنا أحد، ولكن عندما شاهدوا الطائرة ذهلوا، ولابد أن تتغير ثقافة المواطن العربي والحكومات العربية تجاه تلك الصناعة·
ويشير هادي إلى أن نجاح الصناعات العسكرية الخاصة يتطلب توافر الأموال الكبيرة، وهذا ما لا يتوفر لها حاليا، وعلى سبيل المثال فإن الطائرة التى صنعتها الشركة بدأت بجهد شخصى لمالكها من منطلق الهواية ووجه أموالا كثيرة في التصنيع والتطوير، لكن مع مضي الأيام قويت، وقال: الآن يوجد لنا مصنع ضخم في مدينة أبوظبي الصناعية قادرعلى إنتاج العديد من الصناعات العسكرية، لكن المهم توفر الدعم المعنوي لنا خاصة من أجهزة الإعلام والتي تفضل عامة الحديث عن الشركات الأجنبية التي تحقق أرباحا بالمليارات ولا تهتم بنا رغم أننا الأصل·
ويؤكد أنه ليس صحيحا أن الصناعة العسكرية العربية الخاصة ضعيفة أو هزيلة، موضحا أنها تنافس بقوة في الأسواق الأجنبية، ويقول: على سبيل المثال فإن طائرتنا تعد من أحدث طائرات الاستطلاع في العالم، حيث تطير في حدود 30 ساعة على ارتفاعات عالية جدا ومجهزة بكاميرات تصوير متعددة حرارية ونهارية وليلية تمكن المستخدم لها من مراقبة الحدود والمناطق النائية التى يصعب الوصول إليها·
على الجانب الآخر شاركت المملكة العربية السعودية في المعرض بشركتين تنتميان للقطاع الخاص وهما شركة ''إيراف'' الصناعية المتخصصة في صناعة الزوارق وصيانة القطع العسكرية وشركة ''الإلكترونيات المتقدمة'' التي اخترقت مؤخرا قطاع الصناعة العسكرية بشبكات أنظمة الاتصالات العسكرية بسبب خبرتها الكبيرة في مجال الإلكترونيات·
ويذكر صالح بن سليمان العواجي مدير التشغيل في الشركة أن القطاع الخاص دخل مجال الصناعات العسكرية في المملكة مؤخرا، مشيرا إلى أن شركته تأسست العام قبل الماضي كشركة تعمل في مجال إعادة التصنيع للمكونات الكهربائية والميكانيكية للآليات العسكرية والمعدات الصناعية، ويوجد حاليا لديها خط إنتاج لصيانة القطع العسكرية الكبيرة والصغيرة وإعادة التصنيع باستخدام قطع أصلية·
ويوضح أن أبرز الصعوبات التى تعيق انطلاقة أقوى للصناعة العسكرية الخاصة في العالم العربي تتمثل في قلة رؤوس الأموال، مدللا على ذلك بأن تصنيع دبابة أو طائرة بمواصفات تنافس الشركات العالمية يحتاج إلى مليارات الدولارات وعدة مصانع وكوادر بشرية في غاية الكفاءة، وهي متطلبات يصعب توافرها بسهولة في العالم العربي دون دعم الحكومات، ومن ثم فهي كلها معوقات حقيقية تضطر أصحاب الشركات للعمل في صناعات عسكرية ليست كبيرة خاصة أن أرباحها مضمونة، وفي الغالب فإن وزارات الدفاع العربية تشتري منا تلك المعدات بأسعار أقل عن مثيلاتها الأجنبية·
عائق التقنية
ويؤكد العواجي أن الصناعة العسكرية العربية الخاصة لن تقوى إلا بدعم الحكومات، خاصة في جلب التقنية المتطورة ومساعدتها لتلك الشركات في توطين التقنيات وإيجاد معاهد متخصصة في الصناعة العسكرية، مشيرا إلى أن جلب التقنية أبرز تحدٍ تواجهه الشركات العربية الخاصة·
ويضيف: من المستحيل على أي شركة خاصة أن تعقد اتفاقيات بمفردها مع شركات عالمية، وفي الغالب فإن نجاح اتفاقيات التسليح والصناعات العسكرية يتوقف على مدى قوة أو ضعف العلاقات بين الدول التي تنتمي إليها الشركات، وليس صحيحا أن الشركات الأجنبية شركات خاصة وتعمل للربح فقط، بل تنسق كافة اتفاقياتها وأعمالها مع حكوماتها حتى لو كان رأس مالها مملوكا لشخص واحد أو عدة أشخاص، وإذا لم تدعم حكوماتنا تلك الصناعة الوليدة فإنها ستموت في المهد، وإذا كانت الحكومات تدعم صناعات الملابس والأغذية، فمن باب أولى دعم الصناعات العسكرية، خاصة وأن نمو هذه الصناعة له أبعاد أمنية وقومية على المستوى القريب والبعيد·
ويشير صالح العواجي إلى أن بعض الحكومات العربية تقدم دعما معنويا فقط للقطاع الخاص الصناعي العربي في تصنيع الآليات والمعدات الخفيفة، لكنها لا تفضل دعمها مطلقا في الصناعات الكبيرة مثل صناعات الطائرات والدبابات، وتعتبرها حكرا لدول أجنبية أو لمصانعها الحكومية مما يقلل من فاعلية القطاع، ومن الخطأ أن ينشأ هذا القطاع فقط لتلبية السوق المحلية، وعليه أن ينافس الشركات الأجنبية، علما بأن الشركات الخاصة العربية تدخل مناقصات صيانة الأسلحة العسكرية متنافسة مع الشركات الأجنبية، والعقد الأفضل والأرخص يفوز في النهاية، وغالبا ما يكون الفائز شركة أجنبية، الأمر الذي يكبد المصانع العربية خسائر كبيرة لتراكم المخزون لديها·
ويلتقط محمد فؤاد طلاق العناسوة المدير العام لشركة ''الأردنية لصناعة الآليات الخفيفية'' الحديث، مؤكدا أن قضية المنافسة أكبر تحدٍ تواجهه الصناعة العسكرية العربية الخاصة، وأن المنافسة في الغالب لا تكون بين شركات عربية بل بين شركات عربية وعالمية متخصصة في نوعيات الأسلحة التي تصنعها، ولكي تفوز الشركات العربية لابد أن تقدم منتجات بكلفة أقل وجودة أعلى ومواعيد تسليم سريعة، وهذا يشكل تحديا كبيرا، لأن متطلبات الجيوش في العالم من الأسلحة متطورة جدا وتتأثر بالجديد والأحدث عالميا، مما يلقي بأعباء كبيرة على الشركات العربية لأنها قد تنتج على مدار أشهر كاملة سلاحا عسكريا لدولة أو لشركة وتفاجئ بأن تلك الدولة أو الشركة تطلب منها تغييرات قد تكون جذرية على نوعية السلاح بما يتماشي مع أحدث الأسلحة في العالم·
ويشير العناسوة إلى تحدٍ آخر تواجهه الصناعة العسكرية الخاصة العربية، وهي أن غالبية أرباحها يعاد استثمارها في التصنيع العسكري، ولاشك أن تلك الشركات تستهدف توزيع الأرباح على المساهمين فيها، خاصة أنها لا تحظى بأي دعم من الموازنة العامة للدولة، ويوضح أن الأردن يتميز بوجود نحو عشرين شركة تصنيع عسكري خاصة، وغالبية تلك الشركات تعرضت لخسائر كبيرة عند النشأة، وهذا أمر طبيعي جدا في صناعات التسليح، ولذلك تحتاج تلك الصناعة إلى رؤوس أموال كبيرة، ويضيف: بالنسبة لشركتنا حققنا خسائر في البداية، وبدأنا نربح مؤخرا، لكن تلك الأرباح وجهناها للاستثمارمرة أخرى ولم يحصل المساهمون على أموال نقدية منها·
ويلمح إلى تحد آخر يتعلق بصعوبة فتح أسواق جديدة لتصدير المنتجات العسكرية العربية خاصة الأسواق الأوربية، موضحا أن المنافسة في الأسواق العربية والأفريقية والآسيوية ليست كبيرة، بسبب احتكار الحكومات في تلك الدول للصناعات العسكرية، إضافة إلى أن غالبية صفقات شراء الأسلحة لها تخضع للمجاملات والعلاقات الشخصية وتلعب السياسة الدور الأكبر في إتمام الصفقات، لكن الأسواق الأوربية هي الأوسع والأرحب، وهذا يضع عبئا آخر على الشركات العربية يتمثل في ضرورة أن تتفوق منتجاتها على منتجات الشركات الأوربية، والمؤكد أن المشترين في تلك الأسواق يفضلون الجودة كمعيار رئيسي في الصفقات·
وينوه العناسوة إلى أن بعض الصناعات الخاصة العربية فرضت نفسها بقوة على الأسواق الأوربية، وألحقت خسائر كبيرة بالشركات الدولية المنافسة لها، الأمر الذي دعا الشركات الدولية إلي عقد شراكات مع الشركات العربية بملايين الدولارات بهدف تصنيع منتجاتها في الدول العربية، حيث التكلفة أقل، فضلا عن توافر الأيدي العاملة ذات الكفاءة العالية·
مصانع مشتركة
ويضرب العناسوة مثلا بشركة بريطانية تعاقدت مع شركته لإنتاج صناعات عسكرية تم تسويقها في أوربا وحققت الشركتان أرباحا كبيرة بفضل تفوق نوعية تلك الصناعات عن الصناعات الأصلية التى تم تصنيعها في بريطانيا·
ويشير العناسوة إلى خطأ وقعت فيه شركات عربية خاصة عند نشأتها، حيث طرحت مشاريع كبيرة للتصنيع، لكنها فوجئت بالبيئة العسكرية المعقدة، الأمر الذي أخرجها من السباق مبكرا، وقال: عندما بدأت شركتنا كان شعارنا ''فكر كبيرا وابدأ صغيرا وصنع فورا''، ولذلك مازلنا موجودين على الساحة، وأعتقد أن الحفاظ على النجاح الذي حققناه في 20 دولة تشمل دولا أوربية وأمريكا الجنوبية وبعض دول الشرق الأوسط يمثل تحديا كبيرا لنا·
ويؤكد العناسوة أنه ليس صحيحا أن كل الشركات العربية الخاصة تتخصص في صناعات عسكرية أقل أهمية، موضحا أن أهمية نوع معين من السلاح تختلف من دولة إلى أخرى، فضلا عن أن الأسلحة التى تصنعها تلك الشركات تتضمن تقنية عالمية جدا، وأن مبيعاتها ليست بعشرات الآلاف من الدولارات بل بالملايين·
ويشير إلى وجود مصنع طائرات خفيفة في الأردن يجمع بين الطائرات ذات الجناح الثابت والمتحرك، لكن تلك الصناعة وما شباهها من صناعات عسكرية ضخمة تحتاج إلى رؤوس أموال بالمليارات، وهي ليست متوفرة مع أصحاب غالبية الشركات الخاصة في الوقت الراهن·وحول تجربة مركز الملك عبدالله في دعم الصناعات العسكرية الخاصة في الأردن، يقول: ليس صحيحا أن المركز يقدم لنا دعما ماليا، بل دعما معنويا، يتمثل في تسهييل إجراءات الترخيص للشركات، ويقدم خبراته للجميع، علما بأننا كشركات نقوم بتوفير فرص عمل للمواطنين ولدى شركتنا 220 موظفا، ولابد أن يكون هناك دعم أقوي لشركات التسليح العربية خاصة من الحكومات·