صحيفة الاتحاد

الإمارات

النهر المحول تسرد انحرافات مابعد استقلال الجزائر




الجزائر- حسين محمد:

شهد مسرح ''محيى الدين باشطارزي'' بالجزائر عرضا مسرحيا قويا قدمه ''مسرح بجاية'' الجهوي في إطار فعاليات الجزائر عاصمة الثقافة العربية· المسرحية بعنوان'' النهر المحوّل'' مقتبسة من رواية للكاتب الجزائري الفرانكفوني رشيد ميموني وكتب نصها المسرحي عمر فطموش وقد استقطبت مئات المشاهدين الذين لم تسعهم مقاعد المدرجات الأربعة للمسرح الوطني، فتابعها بعضهم واقفا·
شهيد حيّ
وتتناول المسرحية قصة الانحرافات التي حدثت بعد ظفر الجزائر باستقلالها عن فرنسا في 5 يوليو ،1962 حيث بدأت قيمُ النضال والتضحيات والتضامن الاجتماعي تضمحل لتترك مكانها للاعتبارات المادية والمصالح، وهو ما يكتشفه المواطن''محمد العربي'' الذي يعود إلى قريته بعد 25 سنة قضاها في المستشفى ثم في الشوارع بسبب فقدانه الذاكرة· وحينما استعادها وعرف هويته، عاد إلى قريته''أيث مزغان'' ليلتحق بزوجته وابنه وعشيرته· لكنه يُصدم حينما يكتشف أنه مصنف ضمن قوائم شهداء الثورة الجزائرية(1 نوفمبر 1954- 5 يوليو 1962) بعد أن خرج للجهاد ضد القوات الفرنسية ولم يعد، ويقرأ''محمد العربي'' اسمه على نصب تذكاري خاص بالشهداء بكل ذهول، ومن هنا تبدأ مأساته حيث يفشل في إقناع أهل القرية بأنه لا يزال حياّ يرزق ولم يستشهد، لكن هؤلاء، وأغلبهم من الشبان الذين لايعرفونه، يتنكرون له ، وحتى ابن عمه رئيس البلدية يرفض الاعتراف به ، ثم يقابله سراً ليطلب منه التواري والعودة من حيث أتى لأن ظهوره سيخل بمصالح الكثير من أقاربه الذين استفادوا من وضعه كشهيد فأصبح لزوجته منحة تتقاضاها كل شهر مقابل كفاحه و''استشهاده'' ثم ذهبت إلى المدينة وأصبحت سيدة أعمال، وسيضرّ ظهوره بمصالحها،كما استغل ابن عمه أيضا اسمه ليصبح رئيس بلدية وإذا عرف خصومه السياسيون بظهوره فسيستغلونه ضده في الانتخابات القادمة· ثم يلتقي''محمد العربي'' مجاهدا بالمنطقة ويتعانقان ويتذكران أيام الكفاح ضد المستعمر ثم يشكو له المجاهد الذي كان بثياب رثة التنكر للمبادئ الثورية والتهميش الذي تعرض له عدد كبير من محرري الجزائري من المجاهدين،مقابل سطو الانتهازيين على المناصب وما تدرّه من ريوع ومكاسب· ويصاب محمد العربي بإحباط عميق من جراء هذه الصدمات المتتالية، لكنه ينهض ويقرر مواصلة رحلة البحث عن وثائقه وهويته لإجبار المجتمع على الاعتراف به،ويلتقي ابنه ''إيدير'' ويحاول الاقتراب منه فيقول له''إننا حاربنا الاستعمارالفرنسي لتنعموا أنتم بالاستقلال ورغد العيش''لكن الابن ينتفض بشدة:''وهل ترانا بعد عودتك ننعم برغد العيش كالأوروبيين؟!'' ويعدّد الابن المعضلات الاجتماعية التي يتخبط فيها الجزائريون وأهمها تفاقم البطالة وبخاصة في أوساط المتعلمين، وضعف الرعاية الصحية وندرة المياه والسكن اللائق··· وكأنه يريد القول له إن تضحيات الشهداء والمجاهدين أثناء الثورة لم تحقق أهدافها بعد الاستقلال في إقامة دولة تقضي على الفقر الذي فرضه الاستعمار وخلفه وراءه،وينعم أبناؤها برغد العيش·
وفي غمرة اليأس، يأتي الفرج فيعثر ''محمد العربي'' على وثائقه ويعانقه ابنه مصالحاً ويعترف به الجميع·
دلالات عميقة
المسرحية مليئة بالدلالات والإيحاءات والرسائل،فهي تتناول الصراع بين الجيل القديم الذي حرّر الجزائر من الاستعمار الفرنسي وجيل الاستقلال الذي يستهين بتضحيات هؤلاء ولا يهتم سوى بحاضره ومصالحه التي يكتسبها أحياناً باستغلال كفاح الآباء للحصول على الامتيازات· ملامح التأثر الشديد والعبارات التي كان يرددها ''الشهيد'' العائد محمد العربي تريد إيصال رسالة إلى الجيل الحالي وإلى السلطات أيضاً مفادها أنه لو عاد المليون ونصف مليون شهيد جزائري إلى الحياة لما رضوا أبدا بطريقة تفكير الجيل الحالي وكذا ما تتخبط فيه الجزائر من محن وأزمات اجتماعية واقتصادية وأمنية، بينما كانوا يأملون بغد أفضل للبلد بعد تحرره· أما مخرجة المسرحية حميدة أيت الحاج فلها رسالة أخرى تكشف عنها لـ''الإتحاد'' :'' رسالتي أن الجزائر قادرة على صنع المعجزات وليست قطة تأكل أبناءها وكفاءاتها؛ هؤلاء موجودون هنا في أعماق البلد وفي الخارج، لدينا فنانون وباحثون ومفكرون، ويجب أن يعودوا إلى الجزائر لإعلاء كلمتها ويجب إتاحة الفرصة لهم لتفجير قدراتهم وطاقاتهم''·
أما البطل الرئيسي للمسرحية مراد خان الذي لعب دور''محمد العربي'' فيقول إن رسالتها تتعلق بـ''السلم وطيّ صفحة المآسي والأهوال التي أدمت القلوب في التسعينيات، برغم كل ما مضى يجب أن يسود التسامح والتواصل بين الأجيال القديمة والحالية وعدم رفض الآخر مهما كانت حدة الخلاف معه، وقد تجسدت هذه الصورة في معانقة الابن لأبيه وانتصار روابط القربى على الإنكار النابع من الحرص على المصالح المادية''·