صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

سقوط خيار حماس في فلسطين



أكرم ألفي:

خرج الفلسطينيون ''مؤقتاً'' من نفق الحرب الأهلية المظلم، عبر الاتفاق الاحتفالي في مكة وإعلان حكومة الوحدة· جاء هذا الاتفاق وإعلان حكومة الوحدة الفلسطينية بعد 13 شهراً من الانتخابات الفلسطينية التى فازت بها حركة حماس'' و11 شهراً من تشكيل إسماعيل هنية لحكومته الأولى· وعلى الرغم من الهالة الاحتفالية التى خرج بها إعلان مكة، إلا أنه يظل هشاً وينتظر تطبيق آليته في الفترة المقبلة لاختباره مدى صلابته، خاصة أنه اتفاق جاء على دماء أكثر من 276 فلسطينياً قتلوا خلال السنة الماضية في ''أيام كالحة السواد'' في التاريخ الفلسطيني الحديث·
في هذا السياق خرج العديد من الكتاب يتحدثون عن انتصار ''حماس'' وقدراتها على عدم التنازل وهزيمة ''فتح'' وانصياعها إلى إرادة الشعب الفلسطيني بتشكيل حكومة الوحدة التى طرحتها ''حماس'' منذ البداية· وهنا وجدت ضرورة إلى وقفة لمواجهات هذه الموجة العاتية من مديح ''حماس'' السياسي الذي لا يخلو من محاولة خبيثة لتزيين كل ما يقوم به قادة الحركة وإبعاد الأنظار عن التغييرات والإخفاقات السياسية لها سعياً لإخراج أي حركة دينية من نطاق الجدل والنقد·
حملت تجربة ''حماس'' في السلطة طعم العلقم في اجواف الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية· جاءت الحركة للسلطة توزع الأحلام الوردية من محاربة الفساد وتوفير الملايين لصالح الفقراء، وتحقيق الأمن وتحويل الأراضي الفلسطينية إلى أرض محروقة للإسرائيليين تجبرهم على التنازل · جاءت ''حماس'' بخطاب وسلوك حركة معارضة لم تتحمل مسؤولية شعب من قبل وهي تظن أن بالخطابية والتصريحات النارية تحرر الأراضي ويعيش الناس في رفاهية، اعتقدت الحركة أن طهران ودمشق هما الملجأ والبديل عن المجتمع الدولي فاكتشفت أنهما مجرد ظواهر صوتية مثلها تماما·
لن اطيل في الحديث، ولكن ساجعل ما حدث في السنة الماضية في الأراضي الفلسطينية يتحدث انتهاء بتوقيع اتفاق مكة لاترك للقارئ ان يقرر هل بالفعل انتصرت ''حماس'' ؟·
سراب أنهار العسل
أحد أهم ما طرحته ''حماس'' في برنامجها الانتخابي هو توفير العيشة الكريمة للفلسطينيين وايجاد فرص العمل لجميع العاطلين وقد تحدث بعضهم في المخيمات الانتخابية عن نموذج فلسطين المنتج الشبيه بسنغافورة، وبعد عام تحولت فلسطين إلى بورندي واصبحت سنغافورة على بعد سنوات ضوئية من غزة ورام الله·
قدم هنية ووزير ماليته عبد الرازق مع بداية حكومة ''حماس'' بثقة يصعب وصفها هنا أرقاماً تفصيلية تبلغ مئات ملايين الدولات بشأن الوفرات التى تتوقع الحكومة الجديدة تحقيقها من خلال القضاء على الفساد وسوء الإدارة والهدر واتهموا أفضل وزراء مالية السلطة سلام فياض بإدارة ديون تبلغ 4 مليارات دولار· ورد حينها الرجل أن هذا اتهام بالخيانة العظمى ووصف ما يقوله هنية وأصدقاؤه من خبراء اقتصاد ''ربنا يرزق'' بالوعود الخيالية· وبعد 9 أشهر من هذه القضية ( التي سقطت سهواً من ادمغة مثقفي الثورة!) وجدنا ''حماس'' وقادتها يسلمون أن فياض هو الافضل ويجمعون على أنه الوحيد المناسب لتولي إدارة المالية الفلسطينية في حكومة الوحدة ·· وعفا الله عما سلف!
وكذلك اكتشف قادة ''حماس'' بعد أن ملأوا الدنيا ضجيجاً لعشر سنوات حول اخفاقات سياسيات السلطة الفتحاوية، فجاء أن فلسطين تعتمد على العالم الخارجي وعلى علاقتها بإسرائيل لتأمين القوت اليومي للفلسطينيين· فقد اندهش الحكام الجدد أن نفقات السلطة تبلغ 170 مليون دولار شهرياً منها فقط 35 مليونا من ضرائب الفلسطينيين و65 مليون دولار تحويلات من ''الكيان الصهيوني الغاصب'' على هيئة تحويلات جمركية و70 مليون دولار من المساعدات الأوروبية والأميركية والعربية·
هنا صرخت الحكومة واتهمت الجميع بالتآمر عليها، فإسرائيل وأميركا تعاقبان الفلسطينيين على خيارهم الديمقراطي، ونسوا أنهما العدوان اللذان يجب ألا ان نقبل منهما أموالاً، وتناسى الجميع أن ''حماس'' رفضت في برنامجها العلاقات الاقتصادية مع الخارج ''الظالم'' وإسرائيل·
وبدلاً من البحث عن حل حقيقي لأزمة الفلسطينيين اليومية، الذين اصبح أكثر من 50% منهم بلا عمل ونحو مليون اسرة بدون دخل بعد توقف رواتب الموظفين في الاجهزة الحكومية والذي يبلغ عددهم 172 ألف موظف وتحول ابناء غزة إلى مجموع من الفقراء، تحدث هنية وقادة ''حماس'' عن الصمود والعيش على ''الزيت والزعتر''، هكذا بعد شهرين فقط من انتقال السلطة إلى اصحاب ''الأيدي النظيفة'' انتهى الحديث عن الرفاهية ''الحماسوية'' إلى الحث على الاكتفاء بالزعتر ولكن المضحك المبكي أنه حتى الزعتر أصبح صعب المنال!·
وبعد ان ضاقت خيوط الأزمة، اتحفنا هنية في خطبة عصماء منذ اقل من شهرين بوعود عن مئات الملايين والمرتبات التى تم تأمينها عبر طهران وقطر ودمشق وعواصم الصمود، لا اعرف اين ذهبت أم كانت مجرد ''خطبة صوتية'' جديدة وطحن مياه بلا فائدة·
الأمن أولاً
في مارس ،2006 قدمت ''حماس'' تصوراً لفلسطين الآمنة التى يتحد فيها جميع أبنائها، وكونها الوحيدة القادرة على ضبط الأمن في أراضي السلطة وفرض النظام على الجميع· وفي فبراير 2007 كانت النتيجة 267 قتيلاً وأكثر من الفي جريح أغلبهم من أبناء حركة ''فتح'' والمدنيين!·
نحن هنا لا نعطي صك براءة لحركة ''فتح''، فدائرة العنف الجهنمية التى عاشتها الأراضي الفلسطينية اشترك فيها الفصيلان، أحدهما لم يخرج من مفاجأة السلطة والآخر لم يتصور نفسه خارجها· ولكن علينا ان نعيد كتابة وتأريخ هذه الأيام السوداء والتى كانت شرارتها -حتى لا ينسى أحد- تصريحات الزعيم ''الدمشقي'' خالد مشعل في 22 ابريل 2006 الذي اتهم فيه ''فتح'' بالتآمر ومحاولة ''الانقلاب'' على الحكومة بالتواطؤ مع أميركا والصهاينة، وهو ما أشعل صدور شباب ''حماس'' المناضل والمتحمس وحدثت اول المواجهات المسلحة قرب الجامعة الاسلامية في غزة (معقل حماس) بعد اقل من 24 ساعة من هذه التصريحات، لتتدحرج كرة النار في الاراضي الفلسطينية·
وجاءت تصريحات مشعل بعد يومين من تشكيل وزير الداخلية سعيد صيام وحدته الأمنية المعروفة بـ''القوة التنفيذية'' في اول سابقة لإنشاء حكومة ميليشيات من أعضاء تنظيمها السياسي للدفاع عنها، كرد على تعيين الرئيس الفلسطيني محمود عباس لرشيد ابو شباك الموالي لـ''فتح'' مديراً للامن الداخلي في وزارة الداخلية·
هكذا اصبح في الأراضي الفلسطينية جهازان أمنيان سياسيان ''شرعيان'' على خطوط المواجهة، لتتوالى عمليات القتل والخطف المتبادل والاتفاق على الهدنة لنحو 9 مرات، وكانت فترات الهدوء هي فترات قيام الاحتلال بجرائمه في الأراضي المحتلة مثل قصف شاطئ غزة وقتل جمال ابو سمهدانة في 9 يونيو، والعمليات الواسعة التى تلت خطف ''حماس'' للجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط في 27 يونيو وعملية بيت حانون في نوفمبر· ويبدو أن المحتل تعلم الدرس فامتنع عن جرائمه ''مؤقتاً'' في غزة بعد اتفاق وقف اطلاق النار في 26 نوفمبر تاركاً لـ''حماس'' و''فتح'' مهمة أراقة الدم الفلسطيني·
وهنا نشير إلى أن موجة العنف الأخيرة التى راح ضحيتها أكثر من 67 شخصاً في أقل من 10 أيام جاءت على خلفية قيام عناصر ''حماس'' بمهاجمة قافلة مساعدات مصرية - إماراتية بذريعة انها أسلحة إلى قوات عباس، لتعلن ''الحركة'' بعد فوات الأوان اعتذارها الرسمي وخطأ معلوماتها ''الاستخباراتية'' وأنها كانت بالفعل قافلة مساعدات للفلسطينيين!!·
لن اخوض في تفاصيل المواجهات التى اندلعت في الأراضي المحتلة بين ''حماس '' و''فتح'' لانعاش الذاكرة ''الخربة'' لدى بعض مدعي الثقافة لتبيان من كان يبدأ ومن كان يفجر الوضع·
لا تنازل ولا سلام!
أذهلني قراءة مقالة على موقع ''حماس'' حول روعة الدبلوماسية الحماسوية!! (علامتا التعجب من الموقع وليس من الكاتب!) التى لم تتنازل أبداً، وسار على الدرب عشرات الكتاب العرب واتخذوا نفس خط صحيفة ''يديعوت آحرونوت'' الإسرائيلية التى أكدت أن ''حماس'' لم تتنازل عن الايديولوجيا، لم تعترف بإسرائيل لم تتنازل عن الحكم ولم تنبذ الارهاب وخرجت أقوى·
قد أحتاج لصحفات لسرد بالونات الاختبار التى اطلقتها ''حماس'' من يناير 2005 إلى فبراير ،2006 بدءاً من تصريحات محمد نزال لوكالة ''اسوشيتد برس'' في 28 يناير أن ميثاق الحركة الرئيسية ليس قرآناً ويمكن تغييره، مروراً برسالة وزير الخارجية محمود الزهار إلى كوفي عنان في أبريل حول أن إسرائيل تدمر حل الدولتين، وقبول رئيس المجلس التشريعي الدويك بالاستفتاء على الاعتراف بإسرائيل والقبول باختيارات الشعب الفلسطيني، وتصريح مشعل بأن إسرائيل حقيقة واقعة انتهاء باعتراف الأخير صراحة عقب اتفاق مكة أن ''حماس'' تتبنى لغة سياسية جديدة·
''حماس'' تريد أن تروج أنها الوحيدة التى ترفض الاعتراف بالعدو الصهيوني فهي حاملة جمرة القضية وحدها، ولكن علينا أن نشير فقط إلى أن خوضها الانتخابات وفقا لاتفاقات اوسلو الموقعة مع إسرائيل هو اعتراف ضمني، وموافقتها المبدئية بالانضمام لمنظمة التحرير في اتفاق القاهرة (2005) يعني قبول برنامج المنظمة لعام 1988 الذي يؤكد على حل الدولتين، ورئاستها لحكومة ''تحترم'' الاتفاقات الموقعة من قبل المنظمة والسلطة· كل هذا يعني قبول ''حماس'' بالمشروع السياسي الفلسطيني القائم على وجود الدولتين·
وفيما يعترف مشعل الأكثر تشدداً بالتغيير، نجد بعض المثقفين يرفضون التصديق وييسيرون على درب صحف العدو التى تحاول سحب البساط من تحت الحكومة الفلسطينية الجديدة بدعوة أنه لا جديد حتى لا تضغط أميركا على تل ابيب لتقديم تنازلات·
فالحركة ادركت منذ توليها الحكم ان التعامل مع إسرائيل والاعتراف بالشرعية الدولية ضروي لتأمين الحياة للسلطة الفلسطينية، وهنا وقعت في المحظور فهي تخشى غضب القاعدة الشعبية ولا تستطيع ان تخرج عن وصاية قيادة الخارج في دمشق· وعلى الجانب الآخر، فهي ليست ضمن منظمة التحرير وبالتالي لا يمكنها ان تعهد لها بالتفاوض مع إسرائيل·
''حماس'' انتهت بنفس النتيجة بعد ان احست قيادة الخارج انها في مأزق بالرهان الخاسر على إيران وتحت ضغط القاعدة العسكرية التى خاضت حرباً لم تعرف مغزاها مع الاخوة في ''فتح'' مما اتاح لها فرصة القبول بما كانت ترفضه ، وخاصة وثيقة الأسرى التى رفضتها في البداية ، وهي الوثيقة التى تشير بوضوح إلى حل الدولتين والتفاوض عبر منظمة التحرير·
وهنا أشير إلى أن ''فتح'' نفسها لم تعترف في برنامجها الاساسي لا بإسرائيل ولا نبذ العنف ولا بالاتفاقات الموقعة مثلها مثل ''حماس''، ولكن ''فتح'' كانت تقود السلطة التى شاركت في المفاوضات، فنسي البعض ان برنامج الحركات السياسية غير برامج وسياسات الحكومات· يتذكر مثقفو ''الهوجة'' أن ''حماس'' لا تعترف، بينما أنا شخصياً لا أعرف حركة فلسطينية سياسية واحدة تعترف صراحة بإسرائيل، ولكن الأغلب يقبل بالشرعية الدولية إلى جانب المقاومة كطريق للحصول على حقوق الفلسطينيين·
نهاية، لقد خاضت ''حماس'' تجربة مريرة في السلطة بمفردها، وهاهي فرصة جديدة لاعادة الحياة للقضية الفلسطينية بدلاً من تحولها إلى خبر اقتتال داخلي ومأساة إنسانية يذرف عليها البعض الدمـــوع· فتعلم ''حماس'' من الدرس- بشعبيتها وقوتها في غزة- هي المدخل الوحيد للوصول إلى تحقيق نجاحات وإنجـــازات حقيقية على الأرض للفلسطينيين بدلاً من الانتصارات ''الصوتيـــة'' التى لم تنجـــح إلا في جلـــب الدم والفقر والدمـــار·