الاتحاد

ثقافة

لسان المقال في النبأ عن النسب والحسب والحال

صدر مؤخراً للدكتور أبو القاسم سعد الله كتابٌ بعنوان ''رحلة ابن حمادوش الجزائري المُسمَّاة: لسان المقال في النبأ عن النسب والحسب والحال'' وقد صدر الكتاب في إطار تظاهرة ''الجزائر عاصمة الثقافة العربية'' التي انتهت أواخر يناير ·2008
يقع الكتاب في 375 صفحة موزعة على ثلاثة فصول وهي: ابن حمادوش ورحلته، متن الرحلة، والمصادر والفهارس والجداول المُعتمدة في تحقيقها· واعتمد المؤلف على النسخة المخطوطة الوحيدة من الجزء الثاني لرحلة ابن حمادوش التي وجدها بـ ''مكتبة الرباط''، بينما ضاع الجزءُ الأول منها على كثرة بحث المؤلِّف عنها في الجزائر والمغرب·
غارات
ولد عبد الرزاق بن محمد بن محمد المعروف بابن حمادوش الجزائري في مدينة الجزائر سنة 1695 وتوفي سنة ·1785 درس في وطنه، وتقلَّد مسؤوليات دينية عدة، لكنه فضَّل أن يجوب العالم الإسلامي فبدأ بالحج، ثمَّ زار المغرب الأقصى وقضى فيه سنوات، وقدَّم في رحلته وصفاً مستفيضاً لأهمِّ مدنه وعلمائه وأحوال الناس والمعيشة فيه وطباعهم وغرائبهم· وعاصر أحداثاً مهمة في الجزائر في ظلِّ الحكم العثماني، والديكتاتوريات المطلقة للباشاوات، وبعض الغارات الاسبانية على الجزائر، مثل ''غارة أوريلي'' سنة ·1775 وفي المغرب شهد الكثير من الاضطرابات السياسية والنزاع على الحكم وخصَّص لها جانباً مهماً من رحلته·
درس ابن حمادوش العلوم الشرعية واللغة والتاريخ والحساب والفلك وطب الأعشاب، وامتهن العلاج بها فوُصف بـ ''الطبيب الرحالة''، وقد اهتم الباحث الفرنسي لوسيان ليكليرك بكتاب ابن حمادوش ''كشف الرموز'' الخاص بالأعشاب، وترجمه إلى اللغة الفرنسية·
حرص الدكتور أبوالقاسم سعد الله على نشر رحلة ابن حمادوش كما هي كأمانة تاريخية، لكنه وضع لها حواشي كثيرة، فلا تخلو أية صفحة من الكتاب من حواش توضح معنى أو تنبِّه إلى فكرة أو خطأ وقع فيه صاحب الرحلة، وهي أخطاء كثيرة يسهل كشفُها من نحوية وإملائية وغيرها، لركاكة الأسلوب الذي كتب به ابن حمادوش رحلته؛ فهو بسيط جدا ولا يخضع لقواعد الإعراب، بل يسقط أحياناً فيما يُسمى بـ ''لغة أكلوني البراغيث''·
ميناء الجزائر
تبدأ الرحلة بخروج ابن حمادوش من ميناء الجزائر في 14 فبراير 1743 إلى تيطوان المغربية، مرورا بجبل طارق ولقاءاته بعلماء الدين فيها، وأخذِ الفقه عنهم والإجازات التي منحوها له· ويذكر ابن حمادوش أسماءهم وسيرهم وأهمَّ ما أخذه عنهم بشيء من الاستطراد، وكذا نقاشاتِه الفقهية معهم، ثم ينتقل إلى الاشتغال في نسخ الكتب لأسباب مالية فيما يبدو بعد أن كسدت تجارته هناك، يتحدث عن الصراعات حول السلطة بين حاكم تيطوان وسلطان المغرب آنذاك، وبعدها يذكر انتقاله إلى فاس للقاء علمائها، وينقل بعض عاداتهم وغرائبهم منها تزيُّن رجالها بلباس النساء فرحاً بانتصار السلطان على المتمردين عليه، وعدم تحرُّجهم من البقاء عراة تماماً في الحمامات، ولبس النساء العمائم دون الرجال!·
وبعد أن يبيع ابن حمادوش سلعته في فاس، يعود إلى تيطوان لشراء كتب في الحديث والفقه والأدب، وهناك ذكر كيف تهرَّب من الضرائب قبل أن يعود إلى الجزائر ليجد ولديه الحسن والحسين قد شبَّا، إلا أن زوجته قابلته ببرود كبير بسبب اشتغاله بالعلم، وعدم تركيزه على التجارة، مما أوقع العائلةَ في ضيق وحاجة، وقد تركته وذهبت إلى بيت أخيها لبعض الوقت قبل أن تعود مكرهة·
بائع الأعشاب
يشتغل ابن حمادوش بعدها في بيع الأعشاب وتركيب المعاجين والأشربة ونسخ الكتب ثم وُظِّف في ''الجامع الكبير'' بالجزائر لتدريس صحيح البخاري، فتوسع رزقه· ويذكر ابن حمادوش طريقة سرد صحيح البخاري في الجزائر والصلاة المعهودة عقب ختمه وعادات أهلها في الاحتفال بليلة القدر· أما باقي الكتاب فقد جاء مزيجاً بين مسائل حسابية وفلكية ونوادر وقصص نقلها من كتب الأولين ومنها قصص بعض الأنبياء وبعض الخلفاء العباسيين فضلاً عن أهم عقود الزواج التي كتبها للناس في مدينة الجزائر···
الرحلة متنوعة لم يلتزم فيها ابن حمادوش منهجاً معيناً بل قام بسرد الأحداث فيها تبعاً للتسلسل الزمني، ويقول الدكتور سعد الله عنها عن قيمتها: إنها جزءٌ من تراث الجزائر والمغرب وقد كُتبت في العهد العثماني، وهي حافلة بالمعلومات عن البلدين آنذاك، وعن عادات الناس وأفكارهم وأخلاقهم وأذواقهم وطبائعهم·
ومن هذا المنظور يعد نص هذه الرحلة وثيقة نادرة في نوعها بالنظر إلى أن عدد كتب الرحلة الجزائرية في العهد العثماني ضئيل جداً، وهي وثيقة مهمة للباحثين بغض النظر عن ضعف مستواها اللغوي وتشتت مضمونها·

اقرأ أيضا

«الخرطوم للشعر العربي» ينطلق الخميس المقبل