الاتحاد

ثقافة

ثلاث تجارب عن الخيانة والتقدم للوراء والندم

مشهد من فيلم  شهوة الدم

مشهد من فيلم شهوة الدم

في اليوم الثاني لانطلاقتها شهدت (مسابقة أفلام من الإمارات) أمس الأول عدداً من العروض لأعمال سينمائية واعدة، بينها فيلم ''شهوة الدم'' الذي كتب أحداثه حمد الشهابي وأخرجه علي العلي، وقد جاءت مشاركته في الفعالية تحت عنوان المسابقة الخليجية (طلبة)·
تتمحور قصة الفيلم حول الخيانة الزوجية؛ حيث يكتشف أحد الأشخاص علاقة مشبوهة لزوجته مع شخص آخر، وعندما يلتقي الرجلان بحضور الزوجة ينشب بينهما الصراع التقليدي الذي يكون عادة ثالث كل ذكرين إذ تقتحم وجودهما الأنثى· لا يلبث الصراع أن يأخذ منحى دموياً موغلاً في العنف، حيث يجهد كل طرف لإلغاء الآخر، في حين تبدو المرأة باردة الأحاسيس، يخالج ملامحها المحايدة شعور بالاعتزاز، كونها مصدر التنافس القاتل وغايته أيضاً·
لا يكتفي المخرج بالبعد الواقعي للنزاع، بل هو يضفي على تفاصيله قدراً من الفانتازيا الشائقة، حيث تنتهي المرحلة الأولى من المواجهة بمصرع الزوج على يدي العشيق، لكن شبح القتيل لا يلبث أن يعود منتقماً فيشنق العشيق، ويذبح الزوجة تاركاً لشهوة الدم أن تأخذ مجراها·
نجح الفيلم في إيجاد حالة من التوازي الإيحائي المقنع بين مضمونه الدرامي وبنيته المشهدية، حيث بدت الألوان باهتة والمعالم غامضة تحيل إلى ما يختلج في الذات البشرية من مشاعر عصية على الوضوح، لاسيما في اللحظات العصيبة، الساخنة التي تجيش خلالها النفوس بما يشبه الغليان المدمر·
بين الأفلام التي جرى عرضها أمس الأول كذلك فيلم ''العيش إلى الوراء''، وهو فيلم روائي تولى إخراجه وكتابة قصته المخرج السعودي حمزة أحمد فخري طرزان· تدور القصة حول أحد الأشخاص الذي ينهض من النوم ذات صباح ليجد نفسه يمشي إلى الخلف، هكذا تتغير الأشياء من حوله، وتتبدل المعالم، وتختلف الطموحات والهواجس، لا يكتفي المخرج بهذا القدر من التعديل الجذري، بل هو يدفع إيقاع بطله الزمني في الاتجاه المعاكس أيضاً؛ حيث نراه يتجه سريعاً نحو مراحله العمرية السابقة، إذ يتحول من الكهولة نحو الشباب فالمراهقة، والفتوة، والطفولة إلى أن نقع عليه رضيعاً في حضن أمه·
الفيلم ينحاز إلى طرح الأسئلة الغريبة أكثر مما يبدو معنياً بإيجاد الأجوبة المقنعة لها، وهو ينجح في إضفاء مناخ من الترقب المستفز لمشاعر المتلقي، على امتداد الست عشرة دقيقة التي يخصصها لمتابعة تفاصيل عيش الكائن الغريب الماضي قدماً بعكس الطبيعة والإحداث· هل هي مفارقة أن يسير الإنسان خلفاً؟ أليس في صلب المسار الواقعي للحياة الكثير من الإشارات التي تنبئنا أحياناً أن الاطمئنان إلى بداهة الاتجاه هو أمر ينطوي على شيء من المبالغة، وربما السذاجة؟
من أفلام أمس الأول أيضاً، فيلم ''ارحمني''، كتابة وإخراج أحمد سعيد علي الظاهري، وهو فيلم روائي من 13 دقيقة، اندرج في سياق المسابقة الإماراتية (عام)· يسعى الفيلم ببساطة إلى الإجابة على سؤال محوري في حياة الكائن البشري: ماذا يحصل عندما ننسى، في خضم انشغالاتنا اليومية، أقرب الناس إلينا؟ حكاية بسيطة عن والد عجوز يعاني من تداعيات العمر، ومعه ابنه الشاب المقبل على متع الدنيا، يسعى الابن إلى إرضاء رغباته اليومية تاركا والده يواجه قدره منفرداً، نشاهد الولد يلعب الورق مع رفاقه في المقهى لحظة يكون الوالد في أمس الحاجة إلى تناول الدواء، الذي يعجز عن تحديد مكانه لضعف بصره، لا يصعب التكهن بما ستؤول إليه الأحداث بعد ذلك: يتعثر الرجل العجوز ثم يموت تاركاً ابنه في مهب الندم والخسران، والرغبة المستحيلة في التعويض عما أصابه من تقصير بحق من منحه الحياة، وسعى جاهدا ليضفي عليها كل ما هو ممكن من ملامح اليسر والسعادة· يحرص الفيلم على إبداء الكثير من الطرق العادية والواقعية في مقاربة أهدافه، حيث لا نقع على أي مسعى فانتازي لتصعيد الخط الدرامي، لكن الصور المتلاحقة التي تقتحم مخيلة الابن لحظة وفاة والده أمكنها أن تمد العمل بشحنة مفرطة من الأحاسيس المتقدة، حيث مضى بعيداً في ذكريات الطفولة، راصداً تلك المفارقة المعهودة بين تفاني الأهل وتغاضي الأبناء، الذي يصل أحياناً مرحلة العقوق، وهو ما يؤول في الخاتمة إلى إحساس عميق بالندم العصي على التجاوز·

اقرأ أيضا

الأفخم يكرم الفيلسوف الياباني سوزوكي بجائزة الروسي يوري لايبيموف