صحيفة الاتحاد

دنيا

اللؤلؤة···زهرة الخلود



إعداد-فتحية البلوشي:




تعد ملحمة جلجامش أقدم وثيقة تاريخية عن اللؤلؤ المكنون الذي اشتهر به الخليج زهاء ثلاثمائة عام، عاشها الخليجيون على بساط من الصحراء وشظف في العيش دفعهم للبحث عن لقمة العيش في البحر، لا لصيد الأسماك فقط بل للبحث عن الثروة المختبئة في أعماقه، عن زهرة جلجامش التاريخية (اللؤلؤ)، تلك الجوهرة التي شكلت عماد حياة أهل الخليج على مدى مئات الســنين الماضية، وبقيت تلعب دورا في تكوين اقتصاد المنطقة لفترة غير يسيرة من الزمن·

تكوُّن اللؤلؤ

عند دخول جسم غريب إلى داخل المحارة، تتحفز للدفاع عن نفسها فتقوم بتغطية الجسم الغريب بمادة الصدف، الذي يحيط الجسم الغريب بعدة طبقات سميكة·
ويختلف مكان اللؤلؤة في جسم المحارة باختلاف حجمها، فإن كانت مستديرة فمكانها وسط المحارة، أما غير المستدير فيكون في غير الوسط وربما التصقت اللؤلؤة على جدار المحارة، وفي هذه الحالة تحتاج إلى جراح خبير في هذا الأمر ليستخرجها سالمة·

الهيرات

تتواجد اللآلئ في أماكن تسمى (الهيرات) ومفردها (هير) في الخليج، ولكل هير منها اسم يدل على صفتها أو اسم التصق بالمكان بسبب حدث جرى فيه أو على اسم رجل عثر عليها أو على لؤلؤة ثمينة فيها، ويبلغ عدد الهيرات في الخليج العربي وساحل عُمان حوالي 412 هيرا وهيرات الخليج الجنوبية هي الأكبر حجما والأجود لؤلؤا، وهذه الهيرات تتبع لسواحل الإمارات ومياهها الإقليمية، وهي تمثل ما نسبته 80 % من هيرات الخليج العربي·

تقييم اللؤلؤة

ولأنها جواهر نفيسة فعلا يقيم الطواويش اللؤلؤ بثلاث طرق: الأولى بالتصنيف الظاهري للشكل واللون والملمس ودرجة اللمعان والرطوبة، والثانية عن طريق تفريغ اللؤلؤ في أوان مخرمة تسمى (طوس) أو (طاسات) وكل لؤلؤة تبقى في الطاسة ولا تنفذ من ثقوبها يتحدد حجمها بحجم ثقب هذه الطاسة·
ولدى التجار مجموعة طاسات معتمدة لمعرفة أحجام اللؤلؤ المعروض للبيع، ووضعوا مصطلحات لتثمين اللؤلؤ بهذه الطريقة: فاللؤلؤة التي تبقى في الطاسة الأولى تسمى (رأس) وتعتبر لؤلؤة كبيرة الحجم كالدانة والحصباة، واللؤلؤة التي بقيت في الطاسة الثانية تسمى (بطن)، ثم ينقل بقية اللؤلؤ إلى طاسة ثالثة، فاللؤلؤة التي تبقي فيها تسمى (الذيل)، ثم يغربل بقية اللؤلؤ في طاسة رابعة، وهي الطاسة التي تشتمل على فتحات صغيرة كأنها لقياس حجم اللآلئ الصغيرة جداً، والتي يطلق عليها (اليكة)، أما الطريقة الثالثة فهي الوزن، ووحدة قياس وزن اللؤلؤة (المثقال) وتقدر أثمانه حسب أسعار العملة التي تم التداول بها في السوق·

طواويش الخليج

يحصل الطواويش (تجار اللؤلؤ) على محصول الغوص من النواخذة ليقوموا بتنفيذه وتصنيفه ووزنه تمهيدا لبيعه، وكانت الإمارات في عصور الغوص تزخر بثلة كبيرة من التجار يتمركزون في (دبي) كميناء وسوق رئيسة لتجارة اللؤلؤ آنذاك، وهم تجار يمتازون بمعرفتهم الدقيقة المتناهية بشؤون اللؤلؤ الطبيعي، خاصة فيما يتعلق بمغاصاته وفترات تكوينه وخصائصه، إلى جانب أنهم ذوو فكر لماح في مجال القدرة على تحديد الثمن المناسب للآلئ الكبيرة، ولم يقتصر عملهم كتجار لبيع اللؤلؤ فقط، بل تعملوا كيف يثقبونه ويصوغون منه عقود الزينة، وبعضهم كان يقتني اللآلئ لنفسه ليتزين بها أهله أو يدخرها كتراث وكتحف ثمينة يفاخر بها نظراءه من التجار·

اللؤلؤ الياباني

بقيت أعمال الطواويش مزدهرة لحين ظهور اللؤلؤ الياباني، الذي لا يختلف عن اللؤلؤ الطبيعي في الشكل أو اللون، ولا يمكن التمييز بينهما إلا بالأشعة السينية أو بعض الأجهزة الدقيقة كالإندوسكوب، وصار منافسا للؤلؤ الطبيعي في الأسواق، وأدت كثرة إنتاجه إلى انخفاض قيمته، مما أصاب أغلب التجار بخسائر فادحة قضت على تجارة اللؤلؤ في النهاية·
وما كاد يبزغ فجر نعمة النفط وما صحبها من رخاء اقتصادي وطفرة تجارية وانتشار للتعليم حتى أتاح وظائف ومهنا جديدة أسهل وأقل خطرا من مهنة الغوص التي تصاحبها الأخطار، لذا توجه أهل الخليج للمهن الأخرى التي تتلاءم مع الحضارة الحديثة·