صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

سلالة الطين مأساة إنسان ·· مأساة وطن



أحمد خضر:

''سلالة الطين'' سيرة مأساة ذاتية عاشها المؤلف العراقي عطا عبدالوهاب في إحدى مراحل حياته المتعددة، فبعد تخرجه في كلية الحقوق في بغداد، في أربعينات القرن الماضي عمل قاضياً في سلك القضاء، ثم انتقل إلى السلك الدبلوماسي فعمل في المكتب الدائم للأمم المتحدة في نيويورك، ثم انتقل في ربيع 1957 إلى الديوان الملكي في بغداد للعمل سكرتيراً خاصاً للملك فيصل الثاني وللأمير عبد الإله، وقد ظل هناك حتى يوم 15 تموز 1958 حين تغير نظام الحكم، فجرى فصله من الخدمة الخارجية·
كان هذا الحدث نقطة تحول في حياته العملية إذ اتجه إلى العمل في قطاع التأمين الخاص، وفي أواخر عام 1969 أُرسل إلى الكويت لتأسيس شركة تأمين خليجية، فاختطفته المخابرات العراقية وأتت به إلى قصر ''النهاية''، حيث خضع لتعذيب مادي ونفسي شهوراً طويلة، حكم عليه بعدها بالإعدام بتهمة زائفة، ثم بُدل حكمه بالسجن المؤبد قضى منها ثلاث عشرة سنة قبل أن يُطلق سراحه عام 1982 ، حيث بقي يعمل في الترجمة والتأليف، وبعد تغيير النظام السابق في العراق أُسند إليه في أيلول 2004 منصب سفير جمهورية العراق في المملكة الأردنية الهاشمية·

هذا الكتاب الذي يربو على الستمائة صفحة ينقسم إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول كُتب في زنزانة الإعدام عام 1973 عن الطفولة والصبا والشباب، أما القسم الثاني فقد كتبه عن التعذيب الذي تعرض له في الزنازين بتهمة وجهت إليه وإلى شقيقه زكي وهي أنهما من الجواسيس، حيث كانت تهمة المخابرات له هي بما أنه عمل سكرتيراً خاصاً للملك فيصل الثاني وللأمير عبد الإله في 1957 إلى ،1958 وبما أنهما جاسوسان فلا بد أنهما جنداه لحساب المخابرات البريطانية، وهكذا كما يقول المؤلف قمت أنا بزعمهم بتجنيد أخي زكي الذي لجأ بعد التعذيب الشنيع إلى الكذب على نفسه لكي يضع حداً لعذابه المهين، و إن كان ثمن الخلاص هذا هو الموت شنقاً وهذا ما حدث، وأردف الكاتب قائلاً: إن الشق الآخر من التهمة هو أنني بعد ذلك عملت مع لطفي العبيدي في قطاع التأمين في الستينيات، وبما أن هذا جاسوس أيضاً فلا بد أنه جندني لحساب المخابرات الأميركية هذه المرة، فقمت بدوري بتجنيد أخي فصرنا نعمل لحساب المخابرات معاً·
أما القسم الثالث من الكتاب فيضم تسع حلقات كتبت في بغداد ونشرت في جريدة النهضة التي يصدرها ''تجمع الديمقراطيين المستقلين'' برئاسة الدكتور ''عدنان الباجه جه''، وثمة ملاحق أخرى وهي شهادات كتبها بعض الكتّاب بحق زكي عبد الوهاب·
سوف نتجاوز في هذا العرض السريع الأسفار الطفولية للمؤلف التي كتبها لولديه وهو في زنزانة الإعدام حين أخبراه ولداه ''لهب وسينا'' أنهما منعا من سفرة مدرسية إلى لبنان وجاءا إليه مكتئبين فأراد أن يكتب عن الطفولة والصبا والشباب كي يبدد الاكتئاب عن ولديه ويسلي نفسه في ذلك الانفراد الرهيب·
الأمم المتحدة
عمل المؤلف في هيئة الأمم المتحدة الذي وصفه بأنه عمل ديناميكي وذكر أن الشخصيات العالمية التي كانت تظهر على ذلك المسرح والتي صار بعضها في ذمة التاريخ هم رشولد، مدام ''بانديت شقيقة نهرو وتولت رئاسة الجمعية العامة، و''أنطوني إيدن'' حين كان وزيراً لخارجية تشرتشل وذكر كذلك اسم الحبيب بو رقيبة الذي لم يكن في ذلك الحين سوى مجرد مجاهد وطني؛ لأن تونس كانت لا تزال مستعمرة فرنسية، ولم يكن في ذلك الحين ''''1951 قد استقل من المغرب العربي سوى ليبيا، وقال: إنه اصطحب الحبيب بورقيبة معه إلى مطعم بسيط صاحبه أرمني، حيث جلسا وسط الزحام والحبيب يتكلم بصوت جهوري مرتفع حيث حدثني الحبيب بورقيبة عن مقابلة صحفية للإذاعة البريطانية عند مروره بلندن وكانت على شكل محاورة اشترك فيها فكري أباظة الصحافي المصري المعروف· وكان الموضوع الأساسي هو القواعد الأجنبية والحبيب كما روى لنا لم يكن يجد بأساً من بقاء القواعد العسكرية الفرنسية في تونس بعد الاستقلال· و تحدث عطا عبد الوهاب كذلك عن أن جولدا مائير التي كانت وزيرة للخارجية الإسرائيلية، وأبا إيبان الذي كان سفيراً في واشنطن، حيث استطاعا جمع ما يزيد على 5 ملايين دولار في اجتماع واحد في ضاحية صغيرة بأميركا·
الديوان الملكي
في القسم الثاني يتحدث عطا عبد الوهاب عن العمل في الديوان الملكي ويقول: في عام 1952 جاء إلى أميركا الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله الوصي وولي العهد وكنت قبل مجيئهما أحمل هماً كبيراً فالصورة التي حملتها معي عن الملك أنه صبي غر، مغلوب على أمره وقد لا يرى اليوم الذي يتوج فيه، والصورة التي حملتها عن الأمير أنكى بكثير حيث كنا نعتقد أنه تآمر على العرش لكي يجلس عليه وأنه لا يعرف من شؤون الدنيا إلا ملذاتها حلالها وحرامها، وأنه ألعوبة بيد الآخرين، وفي أعقاب العدوان الثلاثي على مصر انعقد في بيروت مؤتمر قمة عربية حضره ملوك ورؤساء الدول العربية جميعاً، لكن الرئيس عبد الناصر اعتذر في اللحظة الأخيرة لضرورة بقائه داخل مصر، وكان الوفد العراقي برئاسة الملك فيصل الثاني، وكُنتُ أنا سكرتيراً للوفد فحضرتُ جميع الجلسات بهذه الصفة· كنتُ ألاحظ أن الملك فيصل كان يتابع المناقشات بعناية وانتباه، ولكنه لا يشارك فيها، بل يتداول أحياناً مع بعض أعضاء الوفد الجالسين من خلفه·
أما الملك حسين الذي رأس الوفد الأردني، وكان يضم بعض الحزبين المتطرفين، فقد كان يتدخل في المباحثات بحيوية وحماس، وقد ألقى في الجلسات خطباً ارتجالية متعددة دلت على تمكنه من ناصية اللغة وعلى تمسكه باتجاهه القومي وهو بعد شاب يافع لم يمض على توليه العرش سوى ثلاث سنوات·
عبدالإله في هونكونغ
ويتحدث عن إحدى أسفاره إلى ''هونكونغ'' مع عبد الإله، حيث نزلوا ضيوفاً بصفة شخصية على عديل سفير الصين الوطنية في العراق الذي أقام حفلة عشاء على شرف الأمير والوفد المرافق له في إحدى قاعات المدينة الكبرى، لكن بعد فترة قرر الأمير عبد الإله أن يغادر المكان فوراً ووجدته في بهو الفندق وحده فارع القامة وسيم الطلعة تزهو أوسمته ويحتقن وجهه وتلتمع في عينه الدموع كأنه رمز منحوت بحزن خرافي ينبض بالتمرد ـ حسب وصف المؤلف ـ وقبل أن اسأله قال الأمير: تصور، أنا حفيد الحسين يأخذونني إلى هناك ولا يقولون لي: إن اليهود من بين الحاضرين، نحن من سلالة الرسول ونعامل هكذا نخرج من هذا البيت الآن· ويستمر عطا عبد الوهاب في الحديث بحميمية بالغة عن العائلة الهاشمية التي حكمت العراق فيقول: دشنت العائلة المالكية عام 1958 بخطبة الملك، وكان الملك سعيداً، وكان يظهر لي الاحترام والمودة والثقة بتواضع طبيعي أصيل ودماثة سليقة وتهذيب رفيع، كنتُ كلما أزداد اتصالا به يزداد إعجابي بسعة اطلاعه على الشؤون العامة وإلمامه بالمعارف الثقافية·
الاختطاف من الكويت
يتحدث الكاتب بعد ذلك عن بداية المحنة والمأساة الكبيرة حين ذهب إلى الكويت لتأسيس شركة للتأمين، حيث اختطف من فندق هيلتون على يد مجموعة من المخابرات العراقية الذين كمموا فمه وأشهروا بوجهه المسدسات ودسوا في جيبه قنبلة يدوية وشمموه مخدراً وقادوه إلى سيارة خارجية كما يقاد الأعمى، حيث اخترقت السيارة الظلام حتى وصلوا إلى صفوان والحدود العراقية·· وفي الصباح كانوا في قصر النهاية الذي كان يعرف بقصر الرحاب العائد إلى الأمير عبد الإله ويساكنه فيه الملك فيصل، حيث كان يؤمه الكاتب قبل عشر سنوات صديقاً وهو اليوم يدخله مخطوفاً في ليلة الإسراء و ذكر أنهم جاؤوه بقلم و أوراق بيضاء وطلبوا منه أن يجيب عن سؤال واحد هو: متى وكيف جندوك لوكالة الاستخبارات الأميركية؟·
في أقبية المخابرات
ومن وسائل التعذيب التي واجهته أنهم أمروه بأن يخلع قميصه وسرواله ثم سحب من السقف بسلسلة ربطت يديه بها بسلك واستدار نحو آلة بدائية قرب الجدار هي عبارة عن رافعة من صنع محلي وأخذوا يديرونها فترتفع السلسلة إلى أعلى وترتفع معه يداه ثم جسده، حيث كان إبهاما قدميه لا يلامسان الأرض وغير ذلك من شتى الوسائل والشتائم المتواصلة، حيث يقول: لقد عاودتني فكرة الانتحار بواسطة السلك الذي كان يشد يدي وذكر أنه اتجه وشقيقه زكي إلى محكمة الثورة، حيث وجد أخاه شاحباً نحيلاً وحين أدار أصابعه كأنه يسألني كيف أنا أومأت له برأسي باسماً·
كان يترأس المحكمة العقيد وتوت· أوقفت في منصة الشهود ومن أمامي يقف زكي وحين سألني وتوت أن أدلي بشهادتي قلت بهدوء وحزم: هذا الذي يقف أمامكم أخي وهو قدوتي في الحياة، و إنه بريء وكل ما أفاد به غير صحيح، تردد وتوت لحظة، و بعد من أن أفاق بما يشبه الصدمة من جوابي أخذ يصرخ بي قائلاً: بريء ؟'' مع شتائم كثيرة''· وأنت ؟ قلت: بريء أيضاً فاشتدت الشتائم· قال: وهذا الذي قلته في التحقيق؟ قلت: أي تحقيق؟ لم يجر معي تحقيق، وإن كنت قلت شيئاً ففي غيبوبتي، عندئذ طردني شر طردة· ويتحدث المؤلف عن إعدام أخيه زكي الذي يهديه هذا الكتاب فيقول منذ أن استل زكي من نومه فجراً حتى استعادته جثة، لم يره أحد من أهله زهاء ثمانية أشهر ونيف·
في تلك الليلة المطيرة كانت أسلاك الهاتف قد انقطعت، ولم يصل السجان إلى بيت زكي ليدعو أهله إلى زيارة الوداع الأخير إلا بعد فوات الأوان· كان حبلهم قد فتك بعنقه، حتى وصيته ظلت معه تنتظر معه فحملها رسول إلى بيته··· وصيته التي يطلب فيها بيع داره الوحيدة لتسديد ديونه، وحين حمل إلى قبره الذي هيأه بنفسه إلى جانب زوجته لم يسر في جنازته إلا الصديق محمد زينل وأحد الأقرباء وأحد الجيران فكانت تلك هي جنازة الخوف التي اختتم بها القدر حياة قل أن يجود بمثلها القدر نفسه·
أكابر القوم
من الذين تكرر دخولهم وخروجهم المعتقل: طاهر يحيى، وشاكر محمود شكري، وخير الدين حسيب ولكن الشيء الذي لا يتغير كما يقول المؤلف هو جو الخوف والترقب والجزع والتفجع والأسى على ما يجري والانقطاع عن كل ما يتصل من الحياة السوية وشعور الجميع بأنهم لا حول ولا قوة لهم إزاء القساة الغلاظ الذين يتلذذون بتعذيب أكابر القوم و إهانتهم· ويذكر المؤلف أنهم جاؤوا ذات مرة بطاهر يحيى الذي كان رئيساً لوزراء العراق، عند منتصف الليل وحين داهموه قال الصوت المتشفي آمراً: اضرب نفسك بنعالك فأخذنا نسمع وقع ضربات النعال ترن في أرجاء القاطع وحاشية كبير الزبانية تهلل بعد كل ضربة واحد·· اثنين حتى بلغوا في عدهم العشرين·
الزوجة الصابرة
يتحدث الكاتب عن دور بتول زوجته الصابرة التي كانت تواجه كل المواقف بشجاعة نادرة، منذ اختطافه حتى إطلاق سراحه، ويقول: حين نطق رئيس المحكمة العسكرية بحكم الإعدام أحسست إحساساً يشبه الابتهاج، وفخرت ببتول وبأهلي وأعجبتني رباطة جأشهم، لم يبك أحد منهم، كانت المعادلة ''براءة + ظلم يساوي إرهاباً''، وذكر عطا عبد الوهاب: ''لقد أمضيت في زنزانة الإعدام الانفرادية زهاء خمس سنوات وأربعة أشهر، خفض الحكم بعدها إلى السجن المؤبد حيث قضيت فيه 8 سنوات أخرى، وبعد انقضاء ما ينوف عن انقضاء 13 سنة صدر العفو عني، جاءتني بتول تبتسم من بعيد وقد تخففت من أحمالها: لقد تكيفت مع هذه الشدة كما تكيفت مع الشدائد الثقال التي تنوء بحملها الجبال، جلست وقالت: صدر العفو عنك، فلم أفهم وشعرت كأن غشاوة كانت تطوف في رأسي، لكن بتول أردفت، قابلت صدام يوم 24 آب، عفا عنك فوراً، ودعا لك بالخير، يقول الكاتب في 24 آب 1982 خرجت من السجن، وفي 24 آب 1949 عقدت القران على بتول في الموصل وكان بين ذلك القرار وهذا أمد طويل من الحلو والمر، ولكن كأس المر كانت دهاقاً·