الاتحاد

عربي ودولي

وعود قطرية بمنع «الجزيرة» من بث «وثائقي» حول منظمات صهيونية

دينا محمود (لندن)

في بادرة توددٍ واسترضاء جديدة من النظام القطري لجماعات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة التي تسعى الدوحة لنيل دعمها في إطار جهودها لإقناع الإدارة الأميركية بتحسين علاقاتها معها، كشفت صحيفة «هاآرتس» الإسرائيلية النقاب عن أن كبار المسؤولين القطريين قرروا منع عرض فيلم وثائقي يتناول هذه الجماعات، وكان من المنتظر بثه على شاشة قناة «الجزيرة» خلال أسابيع قليلة.
وفي تقريرٍ لمراسلها في واشنطن آمير تيبون، قالت «هاآرتس» إن قادة النظام الحاكم في الدويلة المعزولة قدموا تطميناتٍ لقادة اللوبي اليهودي في أميركا بأنهم لن يسمحوا ببث هذا الفيلم، الذي يخشى أبرز داعمي إسرائيل في الولايات المتحدة، من إمكانية أن يتضمن ما قد يشكل إحراجاً بالنسبة لهم.
واستند تقرير الصحيفة في هذا الشأن إلى خمسة مصادر قالت إنها تنتمي إلى الأوساط الموالية للدولة العبرية في العاصمة الأميركية واشنطن، مُشيرةً إلى أن التعهدات القطرية قُدِمتْ للمرة الأولى في أواخر عام 2017، في إطار ما وصفته «هاآرتس» بـ«حملة الإمارة (قطر) لتحسين صورتها في أوساط اليهود الأميركيين»، بغرض حشد دعمهم لمساعيها للتأثير على موقف البيت الأبيض من الأزمة الحالية في منطقة الخليج.
لكن التقرير أشار إلى أن بعض قادة اللوبي الصهيوني باتوا يتشككون الآن في مدى نية نظام تميم بن حمد للوفاء بتعهداته لهم في هذا الشأن، بعدما تلقى عددٌ من المنظمات اليهودية المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة خطاباتٍ الأسبوع الماضي من القناة القطرية تبلغهم من خلالها بأن موظفين عاملين في هذه المنظمات سيظهرون على الشاشة في إطار الفيلم الوثائقي. وسيستند هذا العمل الذي لم تتضح الكثير من تفاصيله بعد، إلى ما قام به صحفي متخفٍ عمل في أروقة منظمات يهودية موالية لتل أبيب في واشنطن خلال عام 2016، وسجل سراً مقاطع مصورة للعاملين فيها وأطلع على بعض ملفاتها.
وقالت «هاآرتس» إن هذه الخطابات فاجأت المنظمات اليهودية الأميركية الموالية لإسرائيل، في ظل ما كانوا قد تلقوه من تطمينات قبل شهور بشأن اعتزام حكام الدوحة التدخل لمنع بث الفيلم، الذي أقرت «الجزيرة» للمرة الأولى بوجوده في أكتوبر الماضي.
وأشارت الصحيفة إلى أن هذه التعهدات نُقلت إلى اللوبي الصهيوني من خلال خبير وضع الاستراتيجيات في الحزب الجمهوري الأميركي نيكولاس ميوزِن مالك شركة «ستونينجتون ستراتيجيز». ولدى ميوزِن - وهو أيضاً طبيب ومحامٍ وناشطٌ في الشؤون المتعلقة باليهود في أميركا - علاقات وثيقة بالنظام الحاكم في قطر، في ضوء التعاقد المبرم بين الجانبين منذ شهر أغسطس من العام الماضي، والذي تقدم شركته بموجبه خدماتها لهذا النظام لتعزيز علاقاته مع أميركا وإسرائيل في مجالات «التجارة والعقارات والتكنولوجيا».
وبحسب وثائق أميركية رسمية، كانت الدوحة تدفع 50 ألف دولار شهرياً للشركة مقابل الحصول على خدماتها. لكن «هاآرتس» كشفت عن أن هذا المبلغ تضاعف بواقع ست مرات اعتباراً من الأول من نوفمبر الماضي، ليبلغ 300 ألف دولار شهرياً، أي بزيادة نسبتها 600%.
وأشار تقرير الصحيفة إلى أن سجلاتٍ حديثة لوزارة العدل الأميركية تفيد بأن نصف هذا المبلغ الهائل بات يُدفع لـ«متعهدين» يعملون من أجل خدمة المآرب القطرية.
ومقابل هذه الأموال الطائلة، قام ميوزِن طيلة الفترة الماضية - بحسب «هاآرتس» - بترتيب لقاءات بين كبار القادة القطريين وأعضاء بارزين في منظمات اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وهو ما جعله مقصداً لقادة هذه المنظمات الذين سارعوا فور إقرار القناة القطرية المثيرة للجدل بأنها تعتزم بث هذا الوثائقي، إلى مطالبته باستغلال علاقاته القوية بقادة النظام الحاكم في الدوحة لعرقلة إذاعة هذا الفيلم. وبلغ الأمر حد إطلاق بعضهم تحذيراتٍ من أن إقدام «الجزيرة» على عرض الوثائقي سيؤدي إلى تقويض الجهود الرامية لـ«تحسين صورة قطر لدى اليهود الأميركيين».
وكشف تقرير «هاآرتس» النقاب عن أن ميوزِن أثار بالفعل هذه المسألة مع المسؤولين القطريين، قبل أن يحصل أواخر أكتوبر الماضي على تطميناتٍ بأن الفيلم سيبقى بعيداً عن الشاشات. وأشار التقرير إلى أن هذه التطمينات أُبْلِغت إلى عددٍ محدودٍ من الأشخاص، ونقل عن أحد المصادر قوله إن أمير قطر تميم بن حمد تدخل بنفسه في هذا الملف «وساعد على اتخاذ القرار» الخاص بمنع بث الفيلم.
وفي مؤشرٍ يؤكد تقديم حكام الدوحة هذه التعهدات بالفعل، أبرز تقرير «هاآرتس» حالة الصمت والسكون التي اكتنفت الأمر برمته طيلة الشهور القليلة الماضية، في ظل عدم نشر أي أخبار جديدة بشأن الفيلم المفترض أو تفاصيله أو أي موعد محدد لعرضه.
كما أبرز التقرير ما قاله ميوزِن قبل أيام قليلة لمسؤولين في اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، من أنه ناقش مع المسؤولين القطريين مسألة عرض الفيلم الوثائقي، بعد الخطابات التي تلقتها الجماعات اليهودية في أميركا من «الجزيرة»، وتأكيده على أنه لا «يتوقع أن يُعرض الفيلم في المستقبل القريب».
وبعدما أشارت الصحيفة إلى أن العديد من قادة الجماعات اليهودية تحدثوا مع مسؤولي النظام الحاكم في الدوحة بشأن برامج «الجزيرة»، حرصت على إبراز تصريحاتٍ أدلى بها وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني لمراسلها في واشنطن خلال زيارته الأخيرة للعاصمة الأميركية، وبدا أنه يتنصل فيها مما تبثه الشبكة التليفزيونية المُحرضة الممولة من بلاده، بل ويؤكد أنه يتعين عليها «أن تمتثل للمعايير الدولية وأي مدونةٍ للسلوك» في المجال الإعلامي.
واستعرضت «هاآرتس» الخدمات الواسعة التي قدمتها شركة «ستونينجتون ستراتيجيز» المملوكة لـ«ميوزِن» للنظام القطري في الشهور التي تلت فرض المقاطعة عليه من الدول العربية الأربع الداعمة لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات ومصر والبحرين). وأشارت في هذا الشأن إلى ترتيب الشركة زياراتٍ قام بها رموزٌ بارزون للوبي الصهيوني في الولايات المتحدة إلى الدوحة خلال شهر يناير الماضي. ومن بين هؤلاء، المحامي البارز في مدينة نيويورك آلان إم. دورشويتز، ومورتون كلاين رئيس المنظمة الصهيونية لأميركا، بجانب مايك هاكابي الحاكم السابق لولاية أركنساس الأميركية، والذي يُعرف بأنه من أشد أنصار الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، كما كان كذلك أحد المتنافسين على نيل بطاقة ترشيح الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة التي أُجريت في الولايات المتحدة لعام 2008.
ولم يغفل تقرير «هاآرتس» إقرار دورشويتز وكلاين - بعد عودتهما من الدوحة - بأن النظام القطري تكفل بكل نفقات زيارتيهما إلى عاصمة هذه الدويلة المعزولة. كما أشار إلى ما قاله كلاين من أن تناوله المضامين التي تبثها «الجزيرة» خلال لقائه الذي استمر ساعتين مع أمير قطر، وهو اللقاء الذي سبق أن كشف القيادي اليهودي الأميركي الداعم لإسرائيل عن أنه استعان فيه بـ«تقريرٍ من 50 صفحة أعده قسم الأبحاث في المنظمة (التي يرأسها) ويتناول كل المشكلات المتعلقة بقطر.. من العلاقات مع حماس إلى المضامين المعادية للسامية التي تبثها الجزيرة».

اقرأ أيضا

القوات الإيرانية تحتجز ناقلة نفط بريطانية في مضيق هرمز