الاتحاد

تقارير

شمال غرب باكستان··· بقعة غامضة في الحرب على الإرهاب

العناصر المتشددة باتت تهيمن على وزيرستان

العناصر المتشددة باتت تهيمن على وزيرستان

بين الفينة والأخرى، يجد العالم نفسه أمام بعض الأخطار القادمة من المناطق القبلية في شمال غرب باكستان مثل التفجيرات التي شهدتها لندن ومدريد، وخطط تفجير طائرات مدنية فوق المحيط الأطلسي، وهي كلها تهديدات لها علاقة بالإرهابيين في المناطق القبلية بباكستان· لكن ''خالد عزيز خان'' لا يواجه الخطر بين الحين والآخر، بل يعيشه يومياً في كل لحظة· فباعتباره أحد سكان شمال وزيرستان، وهي المنطقة القبلية التي قد تكون أكبر مدارس تخريج الإرهابيين في العالم، فقد شاهد بعينيه مقتل قريب له، وتجنيد أحد أصدقائه ليتحول إلى انتحاري ينتظر دوره للانفجار بعدما تعرض لغسيل دماغ، كما رأى كيف تقتل عائلات بأكملها عندما تعارض الإرهابيين وترفض تصوراتهم المتشددة للدين·
ويمنح ''خالد خان''، الطالب بجامعة بيشاور، فرصة نادرة للدخول إلى عالم ظل إلى حد الساعة بعيداً عن نظر الصحفيين، عالم يمتد عبر المناطق القبلية ذات التضاريس الوعرة المعروفة باسم ''المناطق القبلية الخاضعة للإدارة الفيدرالية''· ومع أن المنطقة أصبحت في السنوات الأخيرة محور اهتمام الولايات المتحدة في حربها على الإرهاب، إلا أنها مازالت متحصنة وراء غشاء كثيف من الغموض يصعب على الصحفيين اختراقه· ويحكي الطالب الجامعي، ''خالد خان''، الذي ينحدر من المنطقة نفسها كيف يتم احتجاز الأهالي من قبل الإرهابيين الأجانب ليقتلوا أحياناً دون تعرضهم للعقاب· والأكثر من ذلك قام الإرهابيون بتصفية الزعامات القبلية التي كانت تنظم شؤون المنطقة وتسهر على أمورها ليتولوا القيادة بأنفسهم، خدمة لأجندتهم القائمة على شن الحرب في أفغانستان واستهداف الولايات المتحدة·
ويتابع ''خالد خان'' الذي كان يجلس مع ثلاثة طلاب آخرين في مكتب أحد أساتذة الجامعة ''يقول المراقبون إن الأهالي في المنطقة القبلية يحتضنون الإرهابيين، لكن الواقع يقول إنهم خائفون جداً ومرعوبون من انتقام العناصر المتشددة''· وبعد انقضاء أكثر من أسبوعين على الانتخابات الباكستانية وافق الحزبان الرئيسان اللذان حققا نتائج جيدة -حزب ''الشعب الباكستاني'' وحزب ''الرابطة الإسلامية'' بزعامة نواز شريف- على تشكيل حكومة ائتلافية· لكن إلى غاية اللحظة مازالت المشاورات جارية بين الطرفين للاتفاق حول التفاصيل التي لا بد أنها تشمل اختيار رئيس الوزراء، وتحديد طريقة التعامل مع برويز مشرف· ويؤكد ''خالد خان'' أن 90% من سكان قريته، ''وانا''، بجنوب وزيرستان، والتي تعد أحد المعاقل الأساسية للإرهابيين، تعارض ''طالبان''، ''لكنهم احتجزوا كرهائن وتم تدمير نظامهم القبلي، وتحول الإرهابيون إلى ما يشبه مافيا منظمة''· ومع أن الطلبة الذين تحدثوا عن المناطق التي ينحدرون منها أكدوا أن وصفهم لا يلتقط الصورة الكاملة وأن هناك ما هو أسوأ، إلا أن أنماطاً متشابهة تبرز في أحاديثهم تثبت مدى الهيمنة التي تتمتع بها العناصر المتشددة في الأقاليم القبلية التابعة لباكستان· وتنسجم رواية الطلبة مع تحليلات المراقبين الذين يرون أنه بعد سقوط ''طالبان'' في العام 2001 وخروجها منهزمة من أفغانستان توجه العديد من أفرادها إلى المناطق القبلية في وزيرستان، مستغلين هشاشة المنطقة، حيث نسبة الالتحاق بالمدارس لا تتعدى 17%، يضاف إليها اقتصاد زراعي منهار وانعدام الموارد الأساسية، وهو الشيء الذي ساعد على تجنيد المزيد من العناصر في صفوف الإرهابيين·
ويضيف ''خالد خان'' واصفاً الأوضاع المتردية في قريته ''لقد انقطعت الكهرباء طيلة الأشهر الثلاثة الأخيرة، ومع انعدام مصدر للرزق يتجه العديد من الناس إلى (طالبان)، لا سيما أن العرب يأتون ومعهم الكثير من المال''· وفي هذا الصدد يقول ''إعجاز خان''، الأستاذ الجامعي الذي جمع الطلبة للحديث عن مناطقهم ''يتلقى مقاتلو (طالبان) ما لا يقل عن 300 دولار''· ويضيف أن ''طالبان'' أحدثت نظاماً تراتبياً يشبه نظام تخريج الإرهابيين، بحيث تتم الاستفادة من المجندين الجدد على الصعيد المحلي قبل أن يكلفوا بمهام في مناطق أخرى من باكستان، ثم بعد ذلك قد يرسلون إلى الخارج للقيام بعمليات بعد أن تتراكم تجاربهم في ميادين القتال· وقد وجد الإرهابيون ضالتهم في المناطق القبلية بسبب الحضور الهزيل للسلطة الباكستانية التي كانت تترك أمر تدبير المنطقة إلى الزعامات القبلية، لكن بعد استهدافهم أصبح للعناصر المتشددة نفوذ كبير في وزيرستان·
ويقول ''خالد خان''، الذي قدم إلى جامعة بيشاور لدراسة العلوم السياسية ويتحدث ''الإنجليزية'' بطلاقة، ''ما فعله الإرهابيون هو استهداف القيادات المحلية وتصفية الأشخاص ذوي النفوذ التقليدي ليخلو لهم الجو''· ويضيف الطالب بجامعة بيشاور قائلاً ''لا يعرف الكثير عن عناصر (طالبان) التي تتولى التجنيد، إذ غالباً ما يتحركون في سرية تامة ويقودون سيارات بنوافذ مظللة، ولا يتحدثون إلى الناس إلا وهم يضعون نظارات شمسية، أو يرتدون أقنعة''· ويحكي ''ناويد إقبال''، وهو طالب آخر ينحدر من المنطقة القبلية كيف أنه في أحد الأيــام رأى رجــلاً مقنعــاً يتجــه إلى أحــد المحــال ليطلب من صاحبه المال، وعندما رفض هذا الأخير أطلق عليه النار وأرداه قتيلاً· ويُرجــع المراقبــون، بمن فيهم الطلبــة الذين وافقوا على الحديث عـن مشاهداتهــم اليوميــة في المنطقــة القبلية، هذا التسيب الذي تعرفــه وزيرستان يرجــع إلى تقصير الجيش الباكستاني وعدم لجوئــه إلى الصرامــة في التعامــل مع العناصر المتشددة وتركهم يتحركــون بحريــــة فــي المنطقــــة دون مساءلــة·

مارك سابنفيلد- باكستان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة
كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا