الاتحاد

تقارير

واشنطن وهافانا··· احتمالات المستقبل

استقالة كاسترو فرصة لتغيير سياسات واشنطن تجاه هافانا

استقالة كاسترو فرصة لتغيير سياسات واشنطن تجاه هافانا

ليس من بين ما تنبأ به الرؤساء الأميركيون المتعاقبون أن يتخلى الرئيس الكوبي ''فيدل كاسترو'' عن منصبه بمحض إرادته يوماً، فهذا هو نوع التغيير الذي لم يطرأ على مخيلة مسؤولي البيت الأبيض وهم يتنبأون بمصير كوبا في المستقبل، وفي الوقت الذي يشير هذا التغيير بوضوح إلى فشل الجهود التي بذلتها الولايات المتحدة الأميركية لعزل كوبا والإطاحة بنظامها الاشتراكي، وعلى عكس تلك الجهود تماماً، فإن لكل من فنزويلا والصين وكندا والبرازيل وإسبانيا حضوراً قوياً للغاية في الجزيرة الكوبية، وبينما تواصل فنزويلا إمدادها للأطباء الكوبيين بصفة خاصة بمنتجاتها النفطية منخفضة التكلفة، فقد انشغلت كل من كندا وإسبانيا والصين بإقامة مشروعات استثمارية عملاقة في كوبا، شملت مجالات السياحة والطاقة وتعدين النيكل·
وقد ساعدت هذه العلاقات كوبا في تحقيق نمو اقتصادي بلغت نسبته العام الماضي 7 في المائة -وفقاً لتقديرات وكالة المخابرات المركزية الأميركية- على الرغم من المساعي التي بذلتها الولايات المتحدة للحيلولة دون استمرار تدفقات النقد الأجنبي إلى الجزيرة الكوبية، وبصفته رئيساً مؤقتاً، تمكن ''راؤول كاسترو'' شقيق الزعيم التاريخي ''فيدل كاسترو'' من وضع يده على المشكلات المزمنة للاقتصاد الكوبي، وانتقد أداء الحكومة في هذا الجانب، مصحوبــاً بالوعد بإحداث تغييرات وإصلاحات في السياسات الاقتصادية، يتوقع لها أن تساهم في تحسين الأوضاع المعيشية لجميـع المواطنين من محـدودي ومتوسطي الدخول·
وبصرف النظر عما إذا كان سيفي ''راؤول كاسترو'' بما وعد به أم لا، فالمؤكد أن كوبا باتت على حافة تغيير وشيك في جيل قادتها التاريخيين، الذين يتوقع لهم أن يختفوا من المشهد السياسي القيادي الواحد تلو الآخر، عقب تنحي الزعيم المؤسس ''فيدل كاسترو''، وعليه فقد أصبح الرئيس الأميركي المقبل أمام أحد خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في تطبيق السياسات الخارجية المتبعة حالياً تجاه كوبا، وهي السياسات التي أثبتت عدم فاعليتها وجدواها بسبب اعتمادها على فرض العقوبات ومحاولة ضرب طوق من العزلة حول الجزيرة، أو تبني سياسات جديدة قائمة على عدة احتمالات مفتوحة أمام تطورات التجربة السياسية الكوبية·
وفي المقابل، فقد واصلت عدة دول صديقة للولايات المتحدة تطوير علاقاتها مع كوبا، كإسبانيا والبرازيل، والحقيقة أن الولايات المتحدة الأميركية لم تكسب شيئاً من سياساتها القائمة إما على إلغاء كوبا تماماً، أو السعي لكسبها كاملة وفقاً للشروط الأميركية، فليس في هذه السياسات ما يخدم مصالحنا القومية أو يعبر عن قيمنا بأي درجة من الدرجات· وعليه فإن هناك عدداً من الخطوات التي ينبغي للرئيس الأميركي المقبل أن يتخذها، بما يعزز مستوى نفوذنا الإيجابي على كوبا، وسواء أعلن خلف الزعيم ''كاسترو'' عزمه على إجراء انتخابات تعددية حزبية في البلاد، وإطلاق سراح السجناء السياسيين أم لم يفعل -وهو أمر لا يمكن ترجيحه في المستقبل القريب المنظور- فإن للولايات المتحدة مصالح أمنية ينبغي لها الحرص على حمايتها·
وتتلخص هذه المصالح، في الحد من معدل تدفق الهجرة غير الشرعية من الجزيرة إلى داخل الحدود الأميركية، وتعزيز الإجراءات الأمنية المحيطة بالقاعدة العسكرية الأميركية في ''جوانتانامو''، والحد من تحركات تجار المخدرات إلى أميركا وخارجها عبر المياه الكوبية، إضافة إلى توفير الحماية اللازمة ضد المزيد من إلحاق الضرر البيئي بسواحل ولاية فلوريدا، جراء تزايد عمليات التنقيب عن النفط في المياه الكوبية· ومن شأن الحوار المتبادل مع المسؤولين الكوبيين حول هذه القضايا الأمنية أن يؤتي ثماره المباشرة، إلى جانب مساعدته في بناء العلاقات والثقة المتبادلة بما يمكّن الرئيس الأميركي المقبل من التقدم نحو مناقشة قضايا أخرى لها صلة بخدمة المصالح الأميركية القومية هناك· وتشمل هذه القضايا السياسية منها وهي المتعلقة بالعمالة وحقوق الإنسان في كوبا، مروراً بالتوصل إلى تسوية بشأن المستحقات الأميركية المدعاة هناك، وصولاً إلى التفاوض في نهاية الأمر حول العلاقات التجارية والقوانين المنظمة لها، بما يفضي إلى إعادة المصالح الاستثمارية الأميركية إلى ما كانت عليه في الماضي، وبالتالي يمكّن أميركا من الوقوف على قدم المساواة مع منافسيها من المستثمرين الأجانب هناك·
ومن الخطوات الواجب الأخذ بها، أن القيود المفروضة من قبل الولايات المتحدة الأميركية على سفر المواطنين الكوبيين لم تؤد إلى إضعاف الحكومة الكوبية كما كان مأمولاً لها، على الرغم من نجاحها في فرض عزلة خانقة على الشعب الكوبي، والواجب أن يشجع الرئيس الأميركي المرتقب تحسين العلاقات بين الشعبين الأميركي والكوبي، لا سيما تشجيع التعاون وعلاقات التبادل مع الفنانين والموسيقيين والباحثين والأكاديميين والطلاب والزعماء الدينيين وغيرهم، على نحو ما فعل الرئيس الأسبق ''رونالد ريجان'' مع شعوب الاتحاد السوفييتي إبان عقد الثمانينات، وكانت علاقات كهذه قد ازدهرت بين الشعبين الأميركي والكوبي حتى عام ،2003 حيث سمح للشخصيات الكوبية من مختلف الخلفيات والمشارب الفكرية والثقافية بالتبادل الفكري الثقافي الحر مع نظرائها الأميركيين، إلى أن قضت عليها العقوبات التي فرضتها إدارة ''بوش'' على كوبا في عام ·2004

آنيا لانداو فرينش
زميلة رئيسية بمعهد ليكسنجتون
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا