الاتحاد

تقارير

انتخابات الرئاسة الروسية··· إعادة إنتاج الحقبة السوفييتية!

انتخابات الرئاسة الروسية··· إعادة إنتاج الحقبة السوفييتية!

انتخابات الرئاسة الروسية··· إعادة إنتاج الحقبة السوفييتية!

لو تعافيت من آلام البطن التي ألمت بي مؤخراً، فسوف أدلي بصوتي في انتخابات الأحد المقبل· ولكن ما العجلة أصلاً للشفاء وأنا أدرك أن صوتي لن يحدث أثراً يذكر في نتيجة الانتخابات هذه؟ فقد كان هناك وقت فيه معنى لأن يدلي المرء بصوته في انتخابات بلاده· ففي عام 1996 تصادف وجودي في العاصمة الأيرلندية دبلن مع إجراء الانتخابات، فبذلت جهداً كبيراً من أجل الوصول إلى السفارة الروسية والإدلاء بصوتي لصالح الرئيس السابق بوريس يلتسن، مخافة أن يعود الشيوعيون تارة أخرى إلى السلطة تحت عباءة خصمه ومنافسه جينادي زيجانوف، لتتجدد مشكلاتي ومعاناتي تارةً أخرى مع ذلك النظام القمعي· وعلى رغم أن السيد زيجانوف سوف يخوض المعركة الانتخابية المرتقبة هذه، إلا أنني لم أعد أخشاه في شيء؛ لأن خسارته فيها محسومة· وفي هذا ليس ما يبعث فيّ الشعور بالاطمئنان فحسب، وإنما يذكرني بالكيفية التي تمكن بها الرئيس الحالي فلاديمير بوتين من تدمير الحركة الشيوعية الروسية خلال السنوات الثماني الماضية من فترة رئاسته· فقد تمكن من القضاء عليها بوحشية جعلت مجرد إمكانية عودتها إلى الكرملين أمراً غير ممكن البتة·
لكن ومع ذلك، فإن هناك من يعتقد من خارج روسيا، أن بوتين لم ينقض في واقع الأمر إلا على الديمقراطيين والأحزاب الليبرالية، إلى جانب انقضاضه على الوسائـــل الإعلاميـــة المستقلـــة· أما الحقيقة فهي أنه أطاح أيضاً بمجموعات الأوليجارك الطامعين في السلطة، والذين يبغضهم الشعب الروسي، إضافة إلى تخليصه للبلاد من مظاهر الفوضى وعــدم الاستقرار، وهي المظاهر الأكثر شيوعاً على حد قوله في حقبة التسعينيات·
وبصرف النظر عن الطريقة التي ينظر بها البعض إلى الأمور، إلا أن الواجب القول إن بوتين تمكن من بسط النظام في جمهورية الشيشان، وإن كان الحد الأدنى لهذا الإنجاز أن مقاتلي الشيشان لم يعد في وسعهم إرسال المزيد من جثث الشباب الروس جواً إلى أهلهم وذويهم مثلما كانوا يفعلون من قبل· أما إذا كانت قنوات التلفزيون منشغلة ببث الكثير من برامج الترفيه والأغاني من شتى أنحاء العالم، بدلاً من نشرها للأخبار طوال اليوم، فإن ذلــك جيد ومرحب بــه من قبل الجمهــور الروسي·
وبالنظر إلى أكثر الأحزاب السياسية المعارضة جدية، فإنها منهمكة في الصراع الداخلي فيما بينها· ومما يؤخذ على هذه الأحزاب أيضاً أنها شديدة الإفراط في راديكالية مطالبها، إلى حد صرف أنظار الشارع الروسي عنها، بمساعدة الرئيس بوتين بالطبع· وبالنسبة لغالبية الروس، فإن بوتين سوف يدخل التاريخ ويضاف اسمه إلى أسماء القادة الإيجابيين· ولذلك فإن اعتماده على زملائه السابقين في جهاز الـ''كي جي بي'' السوفييتي السابق، لم يثر غضب الشعب الروسي عليه· بل الصحيح أن نتساءل: على من كان عليه أن يعتمد أصلاً في سعيه لبسط الأمن والسلام في قمة الفوضى التي وجد عليها البلاد لحظة تسلمه للمنصب الرئاسي؟ فلم يكن أمامه بد من التعامل مع العنصر البشري المتاح له حينئذ، وهو عنصر قادم من أحشاء التاريخ الروسي· وضمن هذا التاريخ إدمان الكحول والسرقة في أوساط عدد لا يحصى من الساسة، الذين ينظرون إلى مقاليد الحكم كما لو كانت معبراً خاصاً للثراء الشخصي· غير أن الخطأ الأكبر الذي أثار نقمة الغرب على بوتين، محاولة قولبته لروسيا، بحيث تكون خلفاً للاتحاد السوفييتي السابق، لا سيما دفاعه المستميت عن السياسات الخارجية السوفييتية، مع العلم أنه الخطأ الجوهري الذي ألحق ضرراً بالغاً بسمعة روسيا وصورتها العالميتين· والأسوأ من ذلك هو اختياره للمرشح الرئاسي الحالي دميتري ميدفيديف خلفاً له في المنصب، وكأنه لا فرق بينه -بوتين- وبقية القياصرة الروس السابقين· ومهما يكن فإن على الأرجح أن تلقي مظاهر الضعف الروسي كافة القائمة، بعبئها الثقيل على أكتاف الشاب القادم ميدفيديف: الفشل في تحديث قطاعي الصناعة والزراعة، تنامي ممارسات الفساد الحكومي، تفشي إدمان الكحول في أوساط المسؤولين، تصاعد جرائم القتل والانتحار، التدني المريع في مستوى الرعاية الصحية المقدمة للمواطنين، إضافة إلى المشكلات المترتبة عن الضمور السكاني في البلاد· إلى ذلك كله، فربما لا يدرك حتى بوتين نفسه الأهداف الحقيقية التي يرمي إليها خلفه المحتمل ميدفيديف· فهو لم يعرف عنه أنه كان شخصية سياسية عامة يوماً، على الرغم من أوصاف الشارع العام له بأنه ليبرالي مثقف معتدل وموالٍ للغرب· وفيما يذكر عن شبابه أنه صارع من أجل الديمقراطية إلى صف أناتولي سوبشاك، العمدة المحتمل لمدينة سان بطرسبرج، بينما لم يرد أي ذكر لارتباط سابق له بأجهزة الأمن والمخابرات· غير أن في هذه الصلة الوثيقة التي تربط ما بينه والرئيس بوتين ما يشي بالكثير·
على أنه ليس من باب العلم حتى الآن، أن يتمخض ميدفيديف في نهاية الأمر عن خروتشوف جديد، أو داعية أيديولوجي، أو عن شخصية مثل جورباتشوف الذي تسلم منصبه في الكرملين دون أن يصطحب معه فريقه الخاص· والذي لا ريب فيه أن بوتين لم يمت بعد، مثلما فعل ستالين أو القادة الشيوعيون المسنون السابقون، ما أن يغادر أحدهم مراكز السلطة وصنع القرار· بل الصحيح أن بوتين لا يزال حياً وباسماً ويصافح خلفه الجديد في الكرملين· ومهما يكن فإن ميدفيديف هو أمل روسيا الوحيد الباقي لها الآن، شريطة ألا تكشف شخصيته عن بطل روسي زائف مخيب للآمال· وهذا يتوقف عليه وعلى قادم الأيام·

فيكتور إروفييف
كاتب روسي ومؤلف المجموعة القصصية حياة مع الأبله
ينشر بترتيب خاص مع خدمة نيويورك تايمز

اقرأ أيضا