صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

الكوفة·· مدينة عبقة برائحة النخيل والمساجد··



د· رسول محمد رسول:

يحفل العراق بالمدن الدافئة والعريقة في تاريخها الثقافي والديني والسياسي، ومن ذلك مدينة (الكوفة) ذات الموروث الحي في الذاكرة التاريخية لكونها شهدت عقود الخلافة الإسلامية المبكرة، وولد في أحيائها وتخومها فقهاء وفلاسفة وشعراء عرب ومسلمون كبار من أهل العلم والمعارف الذين كانوا ينهلون من معين العقيدة الإسلامية وثقافات الآخرين التي كانت تتوارد عليهم من كل حدب وصوب لتخلق مشهدا فكريا وثقافيا ميَّز مدينة الكوفة بوصفها عاصمة تنوير ثقافي واستقطاب سياسي·
تقع الكوفة راهنا جنوب غرب بغداد بنحو (160 كم)، ويصل إليها الناس من جهات عدة، من مدينة بابل (الحلة)، ومن كربلاء، ومن القادسية (الديوانية)، فضلاً عن صحراء أو ما يُعرف بـ ''بحر النجف'' التي تفصلها عن الكوفة مسافة نحو (10 كم)· قال المعجميون عن الكوفة إنها تعني: الرملة الحمراء المجتمعة، وفي الوقت الذي كانت تسمى قديماً بــ (كوفان)، اختلف الناس في تفسير دلالتها؛ إذ قيل: سُميت بالكوفة لاستدارتها، وقيل بسبب اجتماع الناس بها، وقيل سميت هكذا لاختلاط ترابها بالحصا، أما تاريخياً فتعود الكوفة إلى زمن بعيد، فمسجدها الشهير كان موجودا أيّام آدم· وفي كتابه ''فضل الكوفة ومساجدها'' تحدَّث محمد بن جعفر المشهدي عن نهر الكوفة، وقدَّم شيئاً عن أسماء أمكنتها كما وردت في القرآن الكريم، فعن ابن سعيد، عن علي بن عرفة، عن ربعي، قال: إن ''شاطئ الوادي الأيمن'' الذي ذكره الله في كتابه الكريم هو ''الفرات''، والبقعة المباركة هي كربلاء· وبالإسناد عن محمد بن الحسن الصفّار، عن العباس بن معروف، عن مشايخه، قال: إن الله جل جلاله يهبط ملكاً في كل ليلة معه ثلاثة مثاقيل من مسك الجنَّة فيطرحه في فراتُكم هذا، وما من نهر في شرق الأرض وغربها أعظم بركة منه· وبالإسناد عن علي بن هاشم، عن أبيه، عن علي بن الحكم في قول الله سبحانه: وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ{ (المؤمنون/50)، قال: الرَّبوة: نجف الكوفة، والمعين: الفرات·
يشق الكوفة إذن نهر الفرات، وعلى ضفافه يفترش النخيل أعراسه، ويمتد إلى فيافي عدَّة حتى لا تجد بيتا بالكوفة إلا وفيه نخلة وهي الشجرة المباركة لدى المسلمين عامة، وبقدر ما بنى أهلها، وعبر التاريخ، المدينة عمرانا فيها نراها تعرَّضت أيضاً إلى الدمار والخراب، لكنها اليوم تبدو كمدينة يناصفها القديم والحديث من العمران والبناء· وتذكر المصادر أيضا أن سعد بن أبي وقاص كان قد أمر أبا الهيجاء الأسدي بتخطيط الكوفة سنة للهجرة 17 بعد عودته من فتح المدائن·
مساجد
ما يميزه هذه العاصمة الإسلامية ـ السياسية هو المساجد التي تنتشر في أغلب أماكنها، ولعل (مسجد الكوفة) الذي يتوسطها هو العلامة الفارقة من حيث سعته الجغرافية ودواوينه المتعددة التي يعود بعضها إلى القرن الأول الهجري، بل قبل ذلك حيث ذكر الرواة أن مسجد الكوفة هو أقدم المساجد بعد (بيت الله الحرام) ما يعني إمكانية القول، مع من ذكرَ، إن هذا المسجد إنما يعود إلى أيام آدم (ع)· وذكر المؤرخون مساجد كثيرة في الكوفة، منها ما أطلق عليه بالمساجد المباركة، وهي: مسجد غني، ومسجد جعفي، ومسجد بأهلة، ومسجد سهيل أو السهلة أو مسجد ظفر، ومسجد يونس، ومسجد بني كاهل، ومسجد الحمراء· ولعل مسجد الكوفة هو الأكثر أهمية من الناحية التاريخية والرمزية، ففي الماضي كان للمسجد أبواب عدَّة منها: باب السدة، وباب كندة، وباب الأنماط، وباب الفيل أو باب (الثعبان)، كما هو اسمها المتوارث· فضلا عن مساجد أخرى بعضها ما زال شاخصاً وغيرها لم يبق منه سوى الأطلال غير المساجد التي تمَّ إنشاؤها في العصر الحديث، ناهيك عن المراقد الدينية الكثيرة بالكوفة مثل مرقد الإمام ''مسلم بن عقيل''، ومرقد الإمام ''ميثم التمّار''، ومرقد ''هاني بن عروة''، ومرقد ''المختار الثقفي''، ومراقد عدد من أهل العلم والكرامات الذين حباهم الله برعايته·
تقاليد
إن هذا العدد الوافر من المساجد ومراقد الأئمة العُلماء والصحابة العُلماء في المدينة يرسم فضاءً دينياً لمدينة الكوفة وهو ما عدَّ عنصر جذبٍ للمسلمين من كافة أنحاء العالم وليس من العراق فقط، ففي نهاية كل أسبوع ترى الكوفيين يقضون أوقاتهم في هذه المساجد، خصوصاً في مسجد الكوفة الكبير، ومسجد السَهْلة، وفي المناسبات الدينية ترى جموع المسلمين يأتون إلى المدينة من كل حدب وصوب قاصدين زيارة الأئمة ومراقد العلماء، ومن جهة أخرى ترى السيّاح من غير العراقيين يأتون إلى الكوفة قاصدين مواقع أثرية وتراثية فيها منها إسلامي عريق في إسلاميته وغيرها عربي يمتدُّ إلى قرون سحيقة في القدم، لقد زار الكثير من المستشرقين الكوفة، كانوا يسألون عن منطقة (كندة) حيث ولد فيها الفيلسوف الكندي، ويسألون عن المدينة ذاتها حيث ولد الشاعر العربي الكبير أبو الطيب المتنبي، ويسألون عن منزل خليفة المسلمين الرابع الإمام علي بن أبي طالب، وعما إذا كان ما يُعرف بـ (تل الذهب) أو (جبل الذهب) موجودا أم لا وغيرها من المواقع الأثرية·
في الكوفة أحياء معاصرة، بعضها مثل منطقة (السراي) ومنطقة (الجِديْدَة) و(البدْعة) يبدو أطلالاً مهدّمة يعود بناؤه إلى مطلع القرن العشرين، بينما يسكن بعض الناس من فقراء الحال الاقتصادي في بيوت حافظت على سقفها الطيني حتى اليوم من بعض الخراب الكامل، وبعد ثورة 14 تموز عام 1958 تم بناء أحياء جديدة بأراضٍ تتجه صوب مدينة النجف مثل (حي كندة) وغيره من الأحياء والتي أخذ الناس يرحلون إليها بعيداً عن أحياء الكوفة القديمة، وحتى اليوم تجد عشرات الأحياء الجديدة تغطي المدينة على ضفتي شارع رئيس يصل الكوفة بالنجف والعكس·
سعياً وراء الرزق
يعيش الناس في المدينة على أعمالهم، منهم من يمتهن الزراعة ذات المورد المادي الذاتي إلى حد ما، وبعضهم يعمل في التجارة، وغيرهم ممن ينخرط في الوظائف الحكومية، ومن الناس من يعمل في الأعمال الدينية الخدميّة في مراقد الأئمة والأولياء والمساجد، وبقدر ما تفي أعمالهم اليومية لإعالة حياتهم تجد المورد الاقتصادي المتأتي من السياحة يُمثل عنصراً حيوياً في اقتصاد الناس بالكوفة·
في الكوفة معامل ومصانع أنشئت حديثاً، منها مصنع الاسمنت، ومصنع الأحذية، فضلاً عن مصانع صغيرة بعضها للقطاع العام وغيرها للقطاع الخاص· وتنتشر بين الناس الصناعات الخفيفة ذات الدخل المحدود التي يعتمد أصحابها على مواد أولية محلية منها ما يجود به النخيل من سعف وكرب وجرِّيد مثل (الجلّة، الزبيل) وغيرها، ومنها ما يتم استخلاصه من ثرى الأرض مثل صناعات الأواني الفخارية ( البستوكَة، الحِب، الطاسة، التنور··) وغيرها، ولما كانت الكوفة مدينة سياحية، فإن صناعة الحلْويات تنتشر بين أهلها، خصوصاً ما يرتبط بتقاليد الزيارات الدينية لمراقد الأئمة والعُلماء والأولياء حيث تباع، وعلى نحو كثير حلوى (الملبّس، الجكليت، الحامض ـ حلو) وغيرها، تلك التي تستخدم كتعبير عن الفرحة بزيارة المراقد الدينية فضلا عن الأعراس والمناسبات الوطنية الحقيقية والأعياد الدينية·