صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

الموبايل يقود أهم ثورة في أفريقيا خلال 100 سنة



تتفق آراء الخبراء الذين تدارسوا الوضعية الاقتصادية للقارة السمراء على أن أضخم تغير شهدته أفريقيا خلال السنوات المائة الماضية يعود لـ''الموبايل''· وأصبحت ثورة المعلومات تشكل واحداً من أعظم الأمثلة حول الديناميكية العالية التي يتحلّى بها القطاع الخاص عندما يتولى ابتداع وتوزيع الخدمات في البلدان ذات البنيات التحتية الضعيفة· وشهد قطاع الاتصالات ـ الذي يشكل العصب الأساسي للبنيات التحتية الوطنية، الذي بقي لسنوات طوال أسير الإجراءات البيروقراطية والاحتكار الحكومي في معظم دول أفريقيا، ـ مؤخراً تطوراً هائلاً ترك أثره الكبير على بقية القطاعات·
ومع وصول خدمات الموبايل إلى مناطق أفريقية نائية تفتقر حتى إلى الطرق المعبدة وشبكات تزويد البيوت بالطاقة الكهربائية، تغيرت العادات والإجراءات المتبعة للتعامل بين المستهلكين والتجار والشركات الصغيرة· ومثّلت صناعة بيع أجهزة الموبايل والاشتراك بخدماته بحدّ ذاتها شرارة انطلاق مجموعة متشابكة من النشاطات التجارية والاقتصادية حيث انتشرت دكاكين بيع الأجهزة ومراكز تحصيل الاشتراكات وبيع البطاقات· وبدأت تظهر البوادر الأولى لنشوء علاقات تجارية واقتصادية من نوع جديد بين سكان أفريقيا· الجدير بالذكر أن التكنولوجيا الخليوية مثّلت (قفزة الضفدع) لقطاع الاتصالات في أفريقيا حتى أصبح يحتكم إلى تكنولوجيا القرن الحادي والعشرين في هذا القطاع الحيوي· ومنذ عام ،2002 أطلقت شركة (سيلتيل) المتخصصة بتشغيل خدمات الموبايل والهاتف الثابت في شطري دولة الكونجو، عقدة اتصالية بالموجات متناهية القصر (المايكروويف) بين العاصمتين كينشاسا وبرازافيل اللتين تقعان على مسافتين متباعدتين عن ضفتي نهر الكونجو· وقبل اكتمال هذا الإنجاز المهم، كانت الاتصالات الهاتفية بينهما تتم عن طريق بروكسل وباريس·
وقدرت مصادر البنك الدولي حجم الإنفاق على تطوير قطاع الاتصالات في أفريقيا خلال السنوات الخمس الماضية بـ14 مليار دولار بعد أن اتضحت للشركات المستثمرة السهولة الكبيرة في حصد عوائد خدماتها من دون أي تأخير عن طريق بيع البطاقات ذات القيمة المدفوعة مسبقاً·
135 مليون خط
ووفقاً لإحصائية صادرة عن المعهد الدولي للاتصالات في جنيف، ارتفع عدد خطوط الموبايل في أفريقيا كلها من 15,6 مليون خط عام 2000 إلى 135 مليون خط العام الماضي 2006؛ أو ما يعادل نمواً سنوياً بلغ 54% مقارنة مع النمو العالمي لعدد خطوط الموبايل الذي يبلغ 24% سنوياً· وبالطبع تختلف معدلات نمو عدد المشتركين في خدمات الموبايل من بلد أفريقي إلى آخر؛ فهي الأعلى على الإطلاق في دولة جنوب أفريقيا والأقل في إريتريا·
وفي المقابل، سجل عدد خطوط الهاتف الثابت ارتفاعاً طفيفاً وفق معدلات أقل بكثير من التي سجلت في عدد مشتركي الموبايل، وبلغ معدل الزيادة 7% سنوياً· وارتفع عدد الخطوط الثابتة في آخر عام 2006 إلى 27,3 مليون خط مقارنة مع 19,7 مليون خط عام ·2000 وعلى سبيل المثال، سجلت تشاد معدلاً ضعيفاً لعدد الهواتف الثابتة بالنسبة لعدد السكان حيث بلغ خطاً واحداً لكل 700 ساكن·
ويشكل المشتركون في الموبايل الآن 83% من مجموع أصحاب الهواتف في أفريقيا كلها· وهذه النسبة أعلى بكثير مما هي في أي منطقة أخرى من العالم· ويعود فضل تحقيق معظم هذا التطور للشركات العالمية الكبرى العاملة في استثمار وتشغيل خدمات الموبايل وخاصة منها شركة (إم تي إن) من دولة جنوب أفريقيا، و(فودافون) التي تمتلك 50% من (إم تي إن) و(سيلتيل) و(أورانج) التي تمتلكها شركة الاتصالات الفرنسية (فرانس تيليكوم) و(مجموعة أوراسكوم) المصرية·
وتتولى تشغيل خدمات الموبايل في كل واحدة من بلدان أفريقيا شركتان على الأقل؛ وكان من نتائج هذه الظاهرة احتدام التنافس فيما بينهما للفوز بأكبر شريحة من المشتركين، وأدى ذلك إلى انخفاض أسعار الاشتراك والاستخدام إلى أدنى الحدود الممكنة· وتوقع تقرير نشرته ''فاينانشيال تايمز'' أن تنشأ صعوبات كبيرة في تحقيق المستويات العالية من الأداء في خدمات الاتصال عبر الموبايل بعد أن اتضح أن الكثير من الأفريقيين خاصة منهم التجار اصبحوا يفضلون استخدام أكثر من موبايل؛ ومن شأن ذلك أن يزيد الضغط على الشبكات بسرعة كبيرة·ويخلق هذا التزايد في عدد مشتركي الموبايل بالنسبة لمشتركي الهاتف الثابت في أفريقيا العديد من المشاكل من بينها أنه ترك معظم مناطق أفريقيا محرومة من خدمات الإنترنت بالنظر لأن هذه الخدمات لا تتم في البلدان الفقيرة إلا عن طريق خط الهاتف الثابت· وهناك محاولات جادة الآن لإعادة التكامل بين الشبكات اللاسلكية للموبايل والسلكية للهاتف الثابت· وسجل مؤخراً بعض التأخير في توصيل الكابل تحت البحري الذي يصل بلدان الجزء الشرقي من أفريقيا ببعضها بعضاً·وتلعب الخصخصة دوراً مهماً في تطوير الشبكات الاتصالية السلكية واللاسلكية في أفريقيا· ومن ذلك مثلاً أن شركة (ترانسكورب) النيجيرية العملاقة والمتخصصة في تقديم خدمات الموبايل تمكنت مؤخراً من الاستحواذ على (مجموعة نيتيل) الحكومية في إطار خطة الخصخصة؛ وتعتزم الشركة الجديدة تنفيذ خطط لنشر شبكة الهاتف الثابت في نيجيريا· وبدأت بعض الشركات الأخرى سعيها للاستحواذ على شركات الاتصالات الحكومية المتخصصة بنشر الشبكات الهاتفية الثابتة أسوة بما فعلته (مجموعة نيتيل) حتى أصبح سوق الاتصالات في أفريقيا الأكثر نشاطاً على الإطلاق من بين كافة النشاطات الاقتصادية الأخرى·