صحيفة الاتحاد

الاقتصادي

فقدان البنية التحتية يهدد القارة الســـــــمراء بمستقبل مظلم


إعداد - عدنان عضيمة ــ محمد عبد الرحيم:

يبدو أن هناك إحساساً طاغياً يرفض التخلي عن إطلاق لقب ''القارة السمراء'' على أفريقيا·· ذلك الاسم الذي ظل يلتصق بها على مر التاريخ· وعلى الرغم من أن صور الأقمار الاصطناعية التي يتم التقاطها للأرض أثناء الليل تبين كميات هائلة من الأضواء المتناثرة في جميع القارات إلا أن معظم الأنحاء الإفريقية مازالت تغرق في الظلمات·· وفي جنوب الصحراء الكبرى فإن منزلاً واحداً فقط من كل أربعة منازل في جميع المنطقة يتمتع بوجود الكهرباء· والافتقاد إلى البنية التحتية يضع ضغوطاً قاسية على أفريقيا القارة التي تضم 34 من الدول الـ50 الأقل نمواً في العالم· وكأن المعوقات الجغرافية والطبيعية لم تكن كافية لكي تقعد بهذه القارة الغنية بالموارد لتأتي الحروب وسوء الإدارة الحكومية وفشل سياسات المساعدات وتفاقم الأحوال المتردية· فقد أدت عقود من قلة الاستثمارات والتجاهل المتعمد إلى جعل معظم الدول الأفريقية تلهث متخلفة في مجالات عديدة ليس أقلها امدادات الطاقة الكهربائية والنقل بما يمكنها من الوقوف على أرجلها
لكي تنافس اقتصادياً وتتمكن من خلق الوظائف التي تحتاجها·

كما جاء في التحليل الذي أوردته صحيفة ''فاينانشيال تايمز'' مؤخراً فإن التعداد السكاني للقارة السوداء تضاعف إلى ثلاثة أمثاله منذ موجة الاستقلال التي اجتاحت القارة في الستينات من القرن العشرين في الوقت نفسه الذي فشل فيه دخل الفرد في الارتفاع كتلك التي شهدتها المناطق النامية الأخرى في العالم·
أما مدن القارة المتوقع لها أن تستضيف جيلاً آخر من غالبية الأفارقة فما زالت تناضل من أجل الحصول على أبسط أساسيات المعيشة لكن ''العجز الفادح'' في البنية التحتية يستقطب الاهتمام في السنوات القليلة الماضية كأولوية قصوى في الخطط التنموية التي يروج لها البنك الدولي المصدر الأكبر من نوعه لإمداد القارة بالأموال· وفي حقبة التسعينات من القرن الماضي، كان الاعتقاد السائد في أروقة البنك الدولي يتسم بنوع من ''السذاجة'' كما يقول جون بيج، كبير اقتصاديي البنك في أفريقيا حيث انصب على فكرة الاعتماد على القطاع الخاص من أجل إغلاق الفجوة المتسعة في البنية التحتية· وبمرور الوقت تكشف بوضوح أن القطاع الخاص ليس بإمكانه تلبية المطالب خاصة في القطاعات الأكثر أهمية وحيوية للاقتصاد من دون الدعم الحكومي على الأقل· لذا فقد أنتهى المطاف بأفريقيا إلى المزيد من التراجع والتدهور·
ووفقاً للمسؤولين في البنك الدولي فإن حصة المساعدات في تطوير البنية التحتية من قبل الدول الغنية قد تراجعت بشكل مريع من مستوى 30 في المئة في عام 1973 إلى 10 في المئة فقط في عام ،2003 وهو الأمر الذي يعكس تارة التحول باتجاه المزيد من الإنفاق الاجتماعي ويفسر تارة أخرى الممارسات السيئة التي لحقت بالمشاريع الضخمة الخاسرة في الماضي!
علاج قاصر
ويعلق أحد المسؤولين البريطانيين في مجال المساعدات على هذا الأمر قائلاً: ''قبل سنوات قليلة ماضية كانت كلمة البنية التحتية تعتبر احد ''التعابير القذرة'' في أوساط وكالات التنمية''· وحتى اليوم فقد أشار احد الخبراء في البنك الدولي إلى الصعوبات الهائلة التي تقف حائلاً أمام تنفيذ المشاريع التي من المنتظر أن تستغرق فوائدها الاجتماعية فترة مطولة وغير مباشرة حتى يأتي أكلها· وقال: ''أصبح المستثمرون يفضلون الإقراض لبناء مدرسة بدلاً من إنشاء محطة حرارية للطاقة''· لذا فإن المسألة تحولت إلى نوع من الدفع باتجاه تحسين هياكل البنية التحتية بحيث تمثل ضربة البداية في إحداث النمو في الدول الأفريقية الفقيرة بحيث تصبح أكثر اعتماداً على نفسها وحتى الآن فإن أكثر من 500 مليار دولار قد تم استثمارها إلى أن الفوائد التي ترجمت في النمو والتطوير ما زالت موضع تساؤل·
وفي أفضل الحالات فإن هذه المساعدات كانت تعتبر علاجاً للأعراض الخاصة بتأخر التنمية وليس لجذور وجوهر المشكلة· وفي هذه الأثناء فقد ظلت برامج التعليم والرعاية الصحية تعتلي سلم الأولويات الا ان البعض تناسى فيما يبدو ان أكبر تحسن في الصحة لا بد من ان ينطلق من امكانية الحصول على المياه النظيفة الصالحة للشرب قبل الانطلاق نحو العيادات والمستشفيات·
وكانت أهداف الألفية للتنمية التي وضعتها منظمة الأمم المتحدة في عام 2000 قد سلطت الضوء وعبرت عن اهتمامها المتزايد بمستويات المعيشة والظروف الاجتماعية ولكن ليس بمشاريع البنية التحتية باستثناء أهداف ترمي لتوفير المياه والمعدات والمواد الطبية· وظلت البنية التحتية تعتبر أحد الأهداف التي أخذتها على عاتقها منظمة ''الشراكة الجديدة لتنمية أفريقيا'' والتي تعرف اختصاراً باسم نيباد "Nepad" وهي المبادرة الاقتصادية الإنعاشية التي أعلن عنها في العام اللاحق 2001 وتم صياغتها مؤخراً في خطوة أدت إلى اعادة تنظيم وتجديد ما كان يعرف بمنظمة الوحدة الأفريقية لتصبح الاتحاد الأفريقي· الا ان تجدد هذا التركيز اصبح أكثر وضوحاً من خلال العمل الذي قامت به اللجنة التي تم تأسيسها في بريطانيا ضمن الاستعدادات لعقد مؤتمر قمة مجموعة الثماني في العام الماضي في مدينة جلين ايجلز·
وكشفت المشاورات التحضيرية عن ضرورة ان تضطلع الاستثمارات في البنية التحتية بأعلى قائمة الأولويات في القارة الافريقية· وحدد تقرير اللجنة اجمالي الاحتياجات المالية الاضافية التي يتعين انفاقها على البنية التحتية بمبلغ 20 مليار دولار في كل عام على ان تساهم الدول المتقدمة بمبلغ 10 مليارات دولار مع امكانية مضاعفة هذا المبلغ في وقت لاحق· وكما يقول أحد المسؤولين في اللجنة الاقتصادية التابعة للأمم المتحدة الخاصة بأفريقيا ''نحتاج الى مضاعفة مبلغ الـ200 مليار دولار ليصبح 400 مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة''·
وكانت مجموعة الثماني للدول الصناعية قد عارضت إنشاء صندوق منفصل لهذا الغرض ولكن بريطانيا عوضاً عن ذلك شجعت على قيام كونسيرتيوم جديد للبنية التحتية في أفريقيا يعتمد على بنك التنمية الافريقي في تونس والذي كان قد اوكلت اليه اصلا مهمة دعم البنية التحتية من قبل منظمة ''نيباد'' بهدف العمل كوسيط من أجل جلب وإدارة الأموال التي يتبرع بها المانحون الغربيون والاتصال بالشركاء المتنفذين الآخرين وبخاصة مثل الصين التي أصبح لها حضور متعاظم في القارة· إلى ذلك، أعربت جميع الأطراف عن التزاماتها وتعهداتها بدفع المساعدات لكنه ما زال من الصعوبة بمكان معرفة المقدار الحقيقي الذي وصل من الأموال الجديدة بينما يشير مسؤولو التنمية إلى أن المساعدات الحقيقية ما زالت لم تترجم بمعدل يتفق مع ما وعدت به مجموعة الثماني بمضاعفة حجم المساعدات لأفريقيا بحلول العام ·2010 الا ان الدعم الذي يوفره البنك الدولة للبنية التحتية في افريقيا اصبح من المتوقع له ان يصل الى 2,4 مليار دولار في كل عام بحلول عام 2008 أي إلى أربعة أضعاف المستوى الذي كانت عليه في بداية هذا العقد· وما زال من غير المعروف ايضاً عما اذا كان السقف الذي حدد لمساعدات اجمالي المانحين بمبلغ 10 مليارات دولار - مقارنة بحوالي 4 مليارات دولار في عام 2004- سوف يتم تحقيقه في ذلك الموعد بعد أن تمسكت اللجنة الأفريقية بضرورة الحصول عليه·
بيد ان هذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها وضع مثل هذه الخطط العملاقة للمساعدة على تطوير البنية التحتية الافريقية ففي أواخر القرن التاسع عشر فكر سيسيل رودسي رجل الأعمال الذي تمكن من بناء امبراطورية عملاقة في إنشاء خط للسكك الحديدية يمتد من مدينة الكاب الى القاهرة عبر معظم الأقاليم التي كانت تسيطر عليها بريطانيا في القارة السوداء لكن هذا المشروع لم يكتمل حتى الآن· ويشير بيرنارد زوبا مفوض البنية التحتية والطاقة في لجنة الاتحاد الافريقي، السلطة الادارية الاعلى في افريقيا في هذا المجال، الى ان المشروع يحتاج فقط الى القليل من الخطوط الحديدية الاضافية مشدداً على ان ''المشروع لم يعد حلماً على أي حال''· ومن المفيد الإشارة الى ان البنية التحتية التي بنتها القوى الاستعمارية الأوروبية التي ظلت على حالها في معظم الدول الافريقية كانت تهدف بشكل رئيسي للحصول على الموارد الطبيعية للقارة وليس من أجل ربط دول القارة ببعضها بعضاً· والآن فإن 10 في المئة فقط أو أقل من ذلك من التجارة الافريقية تتم بين الدول الافريقية بسبب الاعتماد المستمر على السلع نفسها وكذلك بسبب الحواجز المالية والاجرائية بالاضافة بالطبع الى فقر البنية التحتية الخاصة بالنقل والاتصالات· ففي قارة انقسمت على نفسها بسبب عوامل التاريخ والجغرافيا فإن البنية التحتية تبقى المسألة الحيوية لتكامل وتوحد مختلف الأقاليم·
معوقات متعددة
وعلى كل حال، فإن الأموال وحدها لن تحل جميع هذه المشاكل اذ ان معظم الدول الأفريقية تفتقد بشكل مريع للإرادة السياسية الهادفة لإزالة المعوقات الأخرى التي تقف أمام تدفق التجارة بين الدول مثل نقاط التفتيش الدورية والإجراءات البيروقراطية التي تعمل على تعطيل مرور السلع والبضائع وتغذي ممارسات الفساد· ووفقاً لأحد المسؤولين في البنك الدولي فإن تكلفة أداء الأعمال التجارية تبلغ ضعف تلك التي يمكن ممارستها في شرق آسيا وأكثر بمعدل 30 في المئة مما هي عليه في أي إقليم آخر·
كذلك فإن تكاليف النقل في 16 دولة من الدول الأفريقية المنغلقة على نفسها جغرافياً ترتفع في المتوسط بمعدل 50 في المئة مما هو عليه الحال في الدول الساحلية بل إن العيوب التي تنطوي عليها الخطط والافتقاد الى عمليات الصيانة والإصلاح ظل يفاقم من هذه المسألة· لكن خطط ''نيباد'' ظلت حتى الآن تركز على انعاش المشاريع الاقليمية التي تعاني من القصور والإهمال فبرنامج المنظمة القصير المدى يعطي أولوية عليا للعديد من المشاريع مثل الدراسات الخاصة بمشروع الطريق والجسر الذي يعبر نهر الكونجو ما بين برازفيل وكينشاسا· وظل هذا المشروع معلقاً لسنوات طويلة من دون ان يتم الاتفاق عليه بين الحكومتين إلا مؤخراً· والآن بعد ان تكشفت القليل من النتائج الايجابية الواضحة بعد فترة خمس سنوات فقد اصبحت نيباد فيما يبدو تواجه ما وصفه احد المستشارين في منظمة الأمم المتحدة ''تحدي التوقعات''· وبدأ برنامج التنمية الافريقي، الذي جرت إعادة تنظيمه ليلعب دوراً أكبر، في وضع الأطر والهياكل الطويلة الأجل لمشروعات البنية التحتية التي تضطلع بها منظمة نيباد·
وفي ظل انحسار موجة النزاعات والحروب فقد شهد نشاط القطاع الخاص المزيد من النمو وشرعت الدول الأفريقية تستثمر في السلع العالية الأسعار· وفي الوقت الذي ادعى فيه المسؤولون الدوليون أن القطاعات مثل المطارات والسكك الحديدية يمكن تطويرها بقدر قليل من أموال المانحين الا انهم يرون أن المشاريع الأخرى الأكبر حجماً مثل الطرق والمياه الريفية ونشر الكهرباء سوف تستمر في الاعتماد على التمويل الخارجي· وفي هذه الأثناء فقد برزت بعض التحسينات مؤخراً ومن أهمها ذلك الانفجار الهائل في استخدام الاتصالات الهاتفية المتحركة فقارة أفريقيا أصبحت موطناً الأكثر من 135 مليون مشترك في خدمة الموبايل لكنها لا تملك سوى 27 مليون خط للهاتف الثابت مقابل تعداد سكاني يقترب من 900 مليون نسمة·
وبرهن النقل الجوي أيضا على نوع من التقدم في الوقت الذي لا تزال فيه العديد من مظاهر القصور والفجوات إذ ما زال يتعين على المسافر من تونس حيث مقر بنك التنمية الإفريقي إلى أديس أبابا، مقر الاتحاد الإفريقي، أن يحلق أولاً إلى روما أو باريس!
أما الطرق فقد تم تشييد العديد منها ولكنها ما زالت غير كافية· ويعترف مسؤول من الاتحاد الافريقي بذلك، قائلاً ''تم التخطيط لعدد كبير من المشاريع الا ان القليل فقط قد تم إنجازه حتى الآن''· وبعد عقدين من الإهمال والتجاهل ما زال من غير الواضح حتى الآن عما إذا كانت الدول الغربية سوف تلتزم بالتعهدات التي وعدت بها·