الاتحاد

دنيا

استقلالية الطفل.. معارك صغيرة لإثبات الذات

تهدف عملية نمو الطفل بالأساس، إلى تحقيق الاستقلال والاعتماد على النفس، وصولاً إلى تحقق النضج الكامل بما يمكن الطفل من الاعتماد الكامل على نفسه في الحياة، لكن معظم الآباء والأمهات يخشون من أن استقلال الطفل واعتماده على نفسه، يعني نهاية علاقة الحب التي تربط الطفل بهما، في حين أن العكس هو الصحيح، فالثقة بالنفس، واحترام الذات، تمكن الطفل من مناقشة المشاكل مع الوالدين بصدق وتفهم أكبر.

أساس من الطمأنينة
يظهر الأبناء والبنات الذين يتلقون تشجيعاً للاعتماد على النفس علاقة ودية مع أهلهم، أما الذين يضطرون إلى مناوأة ذويهم للحصول على حريتهم الطبيعية، يقطعون علاقاتهم بهم عندما تسمح لهم الفرصة. ويتعين على الوالدين تشجيع نزعة الاستقلال لدى أطفالهم، وتوجيههم نحو السبل البناءة. وهذا يتحقق بإعطاء الطفل أكبر قدر من الاستقلالية متى تمكن من ممارستها، وهذا لا يعني على الإطلاق تخليهما عن دورهما في التوجيه والسيطرة والتعليم، كما لا يعني تركه من دون هدف.
ويؤكد الدكتور عاطف البدوي، أستاذ التربية بجامعة طنطا، أنه لا يمكن بناء الاستقلال التام للطفل ما لم يكن هناك أساس من الطمأنينة لدى الطفل في شعوره بأنه يستطيع أن يعتمد على والديه لحمايته من أي خطر في أي وقت. وسيدرك الطفل على المدى البعيد أن خوف والديه مثلا عندما يمنعانه من ركوب الدراجة في شارع مزدحم مثلاً، أو من تسلق مكان وعر، إنما هو خوف نابع من حرصهما عليه، وعلى سلامته، ولا يتعارض هذا الحرص مع تشجيعهما على الاستقلالية، مشيرا إلى أن الوالدين اللذين يتخذان موقفا حازما إزاء الأمور التي تؤثر على مصلحة طفلهما، سوف يدهشان من مدى تقبل الطفل نفسه للقواعد التي وضعت، وترحيبه بها على الرغم من احتمال تحديه لها، أو قبولها على مضض، لأن الطفل سيتأكد من أن شعوره بالاستقلال يمكن أن يتحقق عندما يشعر بمعنى الحماية الواجبة، والمسؤولية التي تعني وجوب امتثاله للقواعد والنظام.

فضل التحفيز
ويقول: إن تحفيز الوالدين للطفل على الاستقلال يمكن أن يتضح عندما يبلغ الثانية من عمره، حين يبدأ المشي والكلام، ويستكشف العالم من حوله، غير أن حاجته لأمه تدفعه للعودة إليها باستمرار، وهذا ما يمكن ملاحظته عند مراقبة الطفل لأمه عندما تؤدي أعمالها المنزلية اليومية، نراه يلتصق بها لدقائق، ثم يدور حواليها ويدخل غرفته ليخرج منها ويطمئن لوجودها قريبة منه، وقد ينشغل في ألعابه بعض الشيء، لكنه دائما مشغول بوجود أمه أمام نظره، مضيفا أنه عندما يكمل السنتين لا يجد وسيلة للتعبير عن نفسه سوى بكلمة «لا» حتى ولو أطاع ما يطلب منه في النهاية. لكن المهم بالنسبة له أن يقول «لا» أولا ثم يفعل. ويمكن للأم أن تتجاوز هذه المرحلة بالتحلي بالصبر والكياسة وروح الدعابة، وعدم دفع الطفل إلى العناد والعصبية.
ويخفق بعض الآباء والأمهات في إعطاء الطفل نصيحة ما، أو دعماً أخلاقياً كافياً، فالطفل في حاجة ماسة إلى المساعدة في تدبير كثير من أموره المعقدة داخل نطاق أسرته، أو بين أقرانه أو في المدرسة.
ويقول البدوي «قد يظهر ذلك في المواقف التي يتعرض لها الطفل للمرة الأولى، هنا تظهر شخصية الطفل على المحك، ويتأتى دور التوجيه والإرشاد الأسري والمدرسي الذي ينصب على تجنب وتلافي المشاكل قبل معالجتها إن حدثت. ومن الممكن تحصين الطفل بكثير من التوجيهات المسبقة، والنصيحة الجادة الحازمة، حتى يستطيع الطفل استعادتها والاستفادة منها في الموقف الطارئ الذي قد يواجهه، ومن ثم يستطيع اتخاذ قراره السليم بنفسه».

ثورة شاملة
يقول البدوي، إنه عندما يبلغ الطفل مرحلة الاستقلال الكامل، قد تجد الأم أن ذلك ثورة على نطاق شامل، فتحاول كبحها، ويمكن أن يحدث صراعات عديدة مع كل رغبة أو مطلب للطفل أو الأم. وقد يكون لذلك تأثيرات سلبية كثيرة تنعكس على شخصية الطفل، وعلى علاقته بوالديه، فقد تنفعل الأم وتشعر بالغضب والعصبية ونفاد الصبر أمام محاولات الطفل المتعثرة للعناية بنفسه. فإذا حاول أن يعتمد على نفسه في تناول الطعام، وحول الطاولة إلى فوضى تتطلب جهدا إضافيا للتنظيف، أو حاول أن يرتدي ملابسه بنفسه، وأخذ يخلعها ويرتديها من جديد، أو يرتديها مقلوبة، وأن وقت الأم لا يسمح. هنا قد يحدث الصدام، لكن على الأم في هذه الحالة، وفقه، محاولة السماح للطفل بوقت مضاف كي ينجز ما يريد بنفسه، ويفضل عدم استعجاله، وتجنب النقد المفرط حتى لا يفقد ثقته بنفسه، فرغبة الطفل ومحاولاته المتعددة الفاشلة أساس عملية التعلم واكتساب الخبرة والمهارة، مشيرا إلى أنه كلما كانت محاولاته كثيرة تحسن عمله، وتضاعفت ثقته في نفسه. ومن ثم ينتبه الوالدان إلى أهمية التشجيع والتحفيز، ولو بكلمة أو بالتصفيق له.



كيفية الإقناع

يقول الدكتور عاطف البدوي، أستاذ التربية بجامعة طنطا، إن الطفل يمر بمرحلة يتمرد فيها على الوالدين، موضحاً أن لغة التفاهم والإنصات والحوار والصبر مهمة للغاية. وينصح بأن يسعى الوالدان إلى إقناع الطفل بهدوء وروية من دون عنف أو تهديد. وعليهما أن يفرقا بين الاستقلالية والثقة بالنفس، وبين التحدي. فلا يعتبران كل محاولة من الطفل كي يثبت ذاته تحدياً. فإن ذلك يهدم محاولته بناء ذاته. فهما يدفعانه إلى التمرد والعناد والكذب. وهذه النقطة يجب ألا تغيب عن الوالدين، فإن كان إصراره خطأ عليهما أن يبذلان جهداً مضاعفاً حتى يقتنع بأن إرادته ستجلب له الضرر، وما رفضهما إلا إحساساً بمصلحته.



سن الدراسة

يوضح أستاذ التربية الدكتور عاطف البدوي أن الطفل في سن الدراسة يبدأ بالتعبير عن استقلاليته عندما يكون خارج البيت. وبالتالي يأتي دور المدرسة. لكن لا يغيب عن الوالدين مناقشته فيما أمضى يومه، والتواصل مع المدرسة، وإعطائه الوقت للإنصات إليه. فضلا على الاهتمام بما يقوم به من أنشطة أو واجبات، وحثه على المشاركة في الرحلات والفعاليات المدرسية، وتشجيعه على المشاركة، حتى يكتسب مهارة التكيف الاجتماعي. وأن يدعاه يتحدث عن أقرانه، مع تصحيح المفاهيم التي تلتبس عليه.



مسؤولية التوجيه

يقول أستاذ التربية الدكتور عاطف البدوي إن استقلالية الطفل تعني حريته في الاختيار. وطالما لديه شعور بالمسؤولية والقدرة، على الآباء والأمهات والمعلمين إفساح المجال أمامه كي يعبر عن ذاته. وعليه أن يختار النشاط الذي يحبه. وليس مطلوباً أن يحب الابن كل الأشياء التي يحبها الأهل. وهذا يتضح في الميول الدراسية، والهوايات. فالمسؤولية الوالدية أو المدرسية يجب أن توجه نحو الأشياء التي يميل إليها الطفل، حتى يمارسها بحب لتكون النتائج إيجابية.

اقرأ أيضا