ثورة وسائل الاتصال الإلكترونية التي ملأت الدنيا وشغلت الناس، لم تعد تقتصر على فئة عمرية بعينها. وهي مع تأثيرها المسيطر على يوميات أفراد الأسرة، تخطت المتوقع منها إلى نسف السلوكيات الاعتيادية في المجتمع. وعند النظر إلى تأثير الأجهزة الذكية من هواتف نقالة وشاشات ناطقة بملفات التحميل من الإنترنت، تتضح الصورة أكثر. ونجد أن هذه الألبومات الملونة المنبعثة من فيضان التكنولوجيا والتي تجمع بين الحركة والصوت بلمسة إصبع وبكبسة زر، تحولت بشكل متفاوت بين مختلف الطبقات إلى اللعبة المفضلة لدى الصغار. منذ سنوات قليلة كان الأطفال بالكاد يعرفون استخدام جهاز «الريموت كونترول» لأن وسائل التحكم عن بعد هي من اختصاص الأهل. وكان أقصى ما يمكن أن يقوم به الصغار لخرق عالم الكبار أن يركضوا باتجاه التلفون القابع في زاوية الصالة للإجابة على رنينه بدلا من ذويهم. ومثل هذه التصرفات كانت تعظم من شأن الأطفال وتوجد ردة فعل طيبة على محاولاتهم البريئة للقيام بأفعال يعرفون مسبقا أنها ليست من اختصاصهم. أما اليوم فقد تغير المشهد كليا، وبات من الطبيعي أن تجد طفلا لم يتجاوز الـ6 سنوات من عمره، وفي يده «موبايل» يتيح عدة استخدامات في آن. أو جهاز «آي باد» كفيل في أن يشغله عن تناول قطعة حلوى وعن كل المغريات في دنياه الصغيرة التي من المفترض أن تزينها وسائل الترفيه الحركي. التمييز بالنظر هذه الأجهزة المعقدة التي احتاجت من مستخدميها إلى وقت طويل لهضم تعاليمها والتعامل معها بمرونة ويسر، طالت بجاذبيتها الأطفال في الفترة الزمنية نفسها. والمستغرب فعلا أن كثيرا منهم ممن لم يجيدوا بعد القراءة والكتابة، يتقنون الاستجابة إلى أبرز المصطلحات التكنولوجية والتنقل بخفة بين خاناتها من دون تسجيل أخطاء تذكر. ويورد سامر دبسي، المتخصص في برامج الإنترنت، أن تسهيل أساليب التعامل مع الأجهزة عموما، يفتح المجال أمام فئة الصغار لتقبل الولوج فيه. ويوضح أنه مع انتشار الكمبيوتر المحمول، ظهرت على الساحة نسبة من الأطفال المهتمين بالتعرف إلى هذا العالم الفسيح. ويضيف «هذه النسبة تضاعفت عشرات المرات مع إطلاق الشاشات التي تعمل باللمس، لأنها سهلت الأمر أكثر فأكثر. والأطفال عموما يتصفون بسرعة البديهة وبحبهم لخوض التجارب الجديدة من دون تفكير. الأمر الذي يساعدهم على التعلم من أخطائهم». ويؤكد بحسب الأبحاث أن الطفل الذي يخضع لعلوم التكنولوجيا مبكرا، يعتبر أسرع بـ 3 مرات من الآخرين لجهة فهم المسائل الحسابية. ويشرح «هذا يدل على أهمية ما أسهمت به التقنيات الحديثة من تقديم النضج المبكر إلى الطفولة القادرة على فعل المعجزات بمجرد التشجيع والتحفيز على المحاولة». ويقول الطفل حسن مجايدة، الذي ما يزال في مرحلة الروضة، إنه يجيد الدخول إلى «اليو تيوب» حيث يشاهد مقاطع من المسلسلات الكرتونية المفضلة لديه. ويوضح «أشاهد «بن 10» باستمرار، فهو البطل المفضل لدي. أحبه لأنه ذكي ويستعين بساعته الخارقة التي تنقذه من الخطر». ويذكر أنه تعلم على كيفية تنزيل هذه المشاهد من والده الذي كان يجلس في البداية بجانبه. ويفخر حاليا بأنه أصبح قادرا أن يتنقل بمفرده بين عدة خيارات من دون العودة لأحد. ويورد والده فؤاد أن ابنه تعلم الأحرف الإنجليزية من خلال الطباعة الإلكترونية. ويزيد «هو اليوم يميز بين الأحرف من دون القدرة على تجميعها في كلمة. وهو بمجرد طباعة الحرف الأول من أي مسلسل يريده، تظهر أمامه سلسلة من العناوين يختار بينها ما اعتاد على تمييزه بالنظر. ويلفت الوالد إلى أنه يشعر بالسعادة عندما يرى طفله منسجما في التعامل مع جهاز الكمبيوتر، «فالعلم تقدم إلى درجة لم يعد من المقبول أن نبقي الأطفال بمعزل عنه. وهم عاجلا أم آجلا سوف ينخرطون في هذا الجانب». وهو لا يرى في الأمر أي تعد على براءة الطفولة، «إذ من المفيد تعزيز قدرة الاستيعاب لدى الصغار والعمل على تنميتها بمختلف الأساليب». بالصوت والصورة الانبهار بالتعامل مع الإنترنت لا يفرق بين الإناث والذكور، ومع أن أمور التكنولوجيا تستهوي الأولاد أكثر، غير أن البنات لديهن الكثير من الأمور التي تستهويهن عبر الأجهزة الذكية. وهذا ما ينطبق على سارة يوسف، التي تبلغ من العمر 5 سنوات، والتي تتحدث باستمرار بالصوت والصورة مع بنات عمها في الكويت. تقول «أعرف كيف أفتح الأيقونة الزرقاء، وكيف أضغط مرتين على الزر. وما أن أجد الاسم الذي أبحث عنه مضاء باللون الأخضر حتى أضغط من جديد وأبدأ بالكلام». والمثير أنها تعرف تماما كيف تستعمل الهاتف النقال الخاص بأمها، وكيف تشغل الإنترنت وتفتح الصفحات وكذلك ألبوم الصور. وهي تميز بين الأشخاص المتوفرين «أون لاين» ومن هم خارج التواصل، وكل ذلك بفضل المقارنة بين الأشكال والألوان بحسب ما اعتادت عليه. وتوضح والدتها مهى أن ابنتها تعلمت كل هذه الأمور الصعبة نسبيا من أخوانها الذين يكبرونها في السن. وتضيف «هي مولعة بتقليد كل ما يقومون به وكأنها بذلك تثبت قدرتها على التصرف بمفردها». وتشير إلى أن أول عهدها بالتعامل مع هذا النوع من الأجهزة الذكية، كان بالاتصال الهاتفي بشكل عاد، وتحريك إشارة دليل الأرقام صعودا ونزولا. وتتابع «أما اليوم، فأجزم بأنه من النادر أن يصعب عليها إتمام أي من المهام التي تعلمتها. حتى أنني أخضعها أحيانا إلى بعض الاختبارات للتأكد من شدة ملاحظتها، وتكون النتيجة أنها تجتازها بنجاح». وتعتبر الأم أن هذا الانتباه دليل ذكاء، ولا تدرجه في خانة التلهي عن أمور المدرسة لأن الحياة مدرسة كبيرة ومن الضروري أن نشرك الأطفال بالثقافات الملائمة لاستيعابهم. تراكمات على المستوى نفسه من التعلق بأجهزة الإنترنت المحمولة، نراقب محمد سالم (6 سنوات) والذي ما أن يتلقط بأي شاشة متحركة حتى ينشغل عن العالم وما فيه. يقول»أنتظر عطلة نهاية الأسبوع حتى أتمكن من استعمال «الآي بود» والاستماع إلى كل الأغاني التي أحبها. فأنا أقوم بتنزيلها من الإنترنت بواسطة جهاز الكمبيوتر». وعندما نسأله كيف يتعامل مع الإنترنت وهو بالكاد يكتب اسمه، يجيب بكل ثقة «أنا لا أعمل على الإنترنت وإنما على جهاز «الآي باد»». ويتحدث والده عن أهمية دخول «الآي باد» في حياة ابنه، إذ إنه ساعده على تعلم الكثير من الأمور التي كان من الصعب فهمها بواسطة الورقة والقلم. ويقول «عدا عن تنزيل الملفات واللعب والتلوين، يستفيد من أزرار اللمس بالتعرف إلى الأحرف والأرقام. وكذلك معاودة الكرة بيسر في كل مرة يخطئ فيها بإصدار أي أمر». ويذكر أن هذه المحاولات المتكررة تكون من دون كلل أو ملل، الأمر الذي يساعد الأطفال عموما على التعلم من الأخطاء. والقدرة على المقارنة بين عدة احتمالات يدركونها من خلال التراكمات النظرية التي يتربون عليها بشكل يومي.