الاتحاد

الاقتصادي

مصر توازن بين تطبيق العدالة الاجتماعية وتزايد العجز في الميزانية

مقر البنك المركزي في القاهرة (الاتحاد)

مقر البنك المركزي في القاهرة (الاتحاد)

محمود عبدالعظيم (القاهرة) - بدأت وزارة المالية المصرية في إعداد مشروع موازنة العام المالي الجديد 2015/2014 والتي تمثل تحديا كبيرا أمام الحكومة القادمة لضرورة التزام الموازنة بمواد الدستور الجديد لاسيما على صعيد مخصصات الإنفاق العام، حيث ينص الدستور على تخصيص 4% من الناتج المحلي الإجمالي للإنفاق على التعليم قبل الجامعي وتخصيص 3% لقطاع الخدمات الصحية و2% للتعليم الجامعي و1% للبحث العلمي، الأمر الذي يعني تخصيص أكثر من 200 مليار جنيه سنويا لهذه البنود.
وحسب مشروع الموازنة الذي اطلعت عليه «الاتحاد» فإن هناك اتجاهين داخل وزارة المالية بشأن هذه المخصصات الجديدة وهو وضع برنامج زمني يمتد حتى موازنة العام 2017/2018 بتدرج تخصيص الموارد المالية اللازمة للوصول إلى ذلك الهدف بينما يتمثل الاتجاه الثاني في البدء بالقطاع الصحي وتخصيص 3% دفعة واحدة بهدف إحداث نقلة نوعية في قطاع الخدمات الصحية وضمان شعور المواطنين بتحسن نسبي طرأ على حياتهم مع عملية التحول السياسي الراهنة.
وتضمن منشور إعداد الموازنة الجديدة الذي ارسل إلى جميع وحدات الجهاز الإداري بالدولة عددا من الأهداف الاستراتيجية التي تسعى الحكومة لتحقيقها في الفترة المقبلة.
البعد الاجتماعي
وتتمثل هذه الأهداف في ضرورة مراعاة البعد الاجتماعي للسياسة المالية بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية واستخدام الإنفاق العام كأداة لزيادة معدلات التنمية الاقتصادية وتنمية الموارد العامة وتعظيمها لتلبية المتطلبات الاجتماعية والاقتصادية ورفع كفاءة استخدام المخزون السلعي الحكومي ودعم سياسة اللامركزية وتعظيم دور المحليات والاهتمام بالاستثمارات العامة.
وأكد منشور وزارة المالية أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب سياسة مالية مغايرة لما كان سائداً من قبل وتحديد رؤية جديدة للخدمات التي تقدم للمواطنين خاصة خدمات التعليم والرعاية الصحية والنقل لأنها تمثل جزءا من الدخول الحقيقية التي يحصل عليها المواطن بصورة غير مباشرة الأمر الذي يتطلب ضرورة الأداء الجيد لهذه الخدمات.
كما تضمن المنشور ستة شروط يجب مراعاتها عند وضع تقديرات الإنفاق العام المطلوبة لكل جهة بالدولة وهي ربط الإنفاق العام بأهداف كمية وعينية محددة ووضع أسس لكيفية قياس تحققها والفصل بين الأهداف الاقتصادية والاجتماعية بصورة واضحة ومراعاة النتائج الفعلية لتنفيذ الموازنة العامة في السنوات السابقة لترتبط تقديرات الإنفاق الجديد بها مع تبرير أسباب الزيادات المطلوبة إن وجدت وأهمية عنصر الصيانة بوصفها عنصرا حاكما للحفاظ على أصول المجتمع وثروته القومية وإعداد تقديرات الإنفاق العام في إطار موازنة البرامج والأداء مع مراعاة قدرة الدولة على تحقيق الموارد العامة وتنميتها من أجل الحد من تنامي عجز الموازنة العامة وتخفيض الدين العام.
تمويل النفقات
ومن المنتظر أن يجرى وفقا لمشروع الموازنة الجديدة تطبيق قاعدة جديدة للمرة الأولى وهي البدء في تحويل وحدات الدولة إلى وحدات قادرة على تغطية أو تمويل نفقاتها ذاتيا من خلال آلية لربط أداء الخدمات العامة بتوفير عائد مناسب في إطار من العدالة ومن دون المساس بمحدودي الدخل.
والهاجس الأول في مشروع موازنة العام المالي القادم الذي يبدأ في 30 يونيو المقبل إمكانية ارتفاع عجز الموازنة إلى مستويات غير مسبوقة لاسيما وأن الموازنة الحالية سوف تنتهي عند عجز في حدود 220 مليار جنيه وأن اضطرار وزارة المالية إلى زيادة مخصصات التعليم والصحة والبحث العلمي سوف يترتب عليه اعادة النظر في بنود أخرى داخل الموازنة على رأسها بند الدعم لاسيما دعم الطاقة بهدف عدم اللجوء إلى طرح المزيد من اذون وسندات الخزانة مما يفاقم عجز الموازنة. ورغم أن الحكومة لم تتخذ قرارا حتى الآن بشأن الجدول الزمني الخاص بخفض دعم الطاقة فإن زيادة مخصصات التعليم والصحة ربما تدفع الوزارة إلى التعجيل بخفض جزء من دعم الطاقة لتلبية الاحتياجات المالية المتزايدة في الموازنة الجديدة.
ويمثل مشروع الموازنة الجديد تحديا كبيرا للحكومة المصرية، حيث من المنتظر أن يرتفع حجم الإنفاق العام إلى أكثر من 800 مليار جنيه تمثل 30% من الناتج المحلي الإجمالي مقابل 640 مليار جنيه حاليا- ما قد يؤدي إلى ارتفاع العجز إلى أكثر من 300 مليار جنيه ومن ثم تسعى وزارة المالية إلى زيادة المتحصلات الضريبية والرسوم السيادية المختلفة لسد هذه الفجوة خصوصا أن حجم المتأخرات الضريبية المستحقة للحكومة لدى الممولين يزيد على 60 مليار جنيه تسعى الحكومة إلى تحصيل نسبة كبيرة منها خلال العام المالي الجديد.
وبناء على ذلك من المتوقع أن يتم تطبيق عدد من الضرائب الجديدة في الفترة المقبلة في مقدمتها ضريبة القيمة المضافة لتحل محل ضريبة المبيعات والتي تبلغ حصيلتها الحالية 120 مليار جنيه سنويا يمكن أن تتضاعف حال تطبيق ضريبة القيمة المضافة، والمتوقع أيضا الإسراع بتطبيق الضريبة العقارية رغم استمرار حالة الجدل حول هذه الضريبة والتي من المنتظر أن تضيف نحو 5 مليارات جنيه سنوياً للحصيلة.
السياسة المالية
ويرى خبراء اقتصاديون أن الموازنة الجديدة سوف تمثل نقطة تحول جذرية في صياغة السياسات المالية الحكومية في السنوات المقبلة سواء على صعيد تخصيص الموارد العامة أو ترتيب أولويات الإنفاق العام، كما أن هذه الموازنة سوف تكون أول موازنة معبرة عن الدستور المصري الجديد الذي يضع متطلبات العدالة الاجتماعية واحتياجات الفئات الفقيرة ومحدودي الدخل في مقدمة الأولويات بما يعني أن جميع بنود الموازنة بالكامل سوف تخضع للمراجعة وإعادة التقويم ومن ثم ربما لا نرى سياسة توزيع الموازنة على أربعة أجزاء رئيسية هي الدعم والجحور وخدمة الدين والاستثمارات العامة بل ربما تدخل أجزاء أخرى أو يعاد توزيع مخصصات الموازنة على نحو مغاير.
وقال الخبراء إن مشروع الميزانية الجديدة يجب ألا يستسلم لفكرة استمرار العجز أو تمويل العجز عبر آليات الإقراض التقليدية بطرح سندات وأذون خزانة تشتريها البنوك الحكومية وغيرها وتستمر الدائرة المغلقة التي تهدد كل جهود التنمية في المستقبل وتحمل الأجيال القادمة أعباء لا طاقة لها بها، بل يجب أن تكون الموازنة الجديدة فرصة لرسم سياسة مالية تعتمد على خفض تدريجي للعجز حتى يصل إلى الحدود الآمنة مع البحث عن مصادر أخرى لتمويل العجز بدلا من سحب سيولة الجهاز المصرفي وحرمان قطاعات الاستثمار المختلفة منها.
وتؤكد الدكتورة أمنية حلمي المدير التنفيذي للمركز المصري للدراسات الاقتصادية أن مصر تقف على أعتاب مرحلة سياسية واقتصادية جديدة ومن المنتظر أن تشهد توجهات اقتصادية مختلفة ترسي أسس التنمية مع دور فاعل للدولة لحماية الطبقات الفقيرة وتحفيز الاستثمار الخاص في مجالات الإنتاج والاقتصاد الحقيقي سواء في الزراعة أو الصناعة وبالتالي يصبح من الطبيعي أن يأتي مشروع الموازنة للعام المالي الجديد وفق معايير مختلفة ليس لأنه يعبر عن توجهات مختلفة في الدستور الحاكم للبلاد والذي يمثل وثيقة العقد الاجتماعي بين الدولة والشعب ولكن لأن طبيعة البناء الاقتصادي والرغبة في توزيع عادل للثروة القومية على كل فئات المجتمع يتطلب سياسات مالية أكثر انحيازاً للفئات الضعيفة والمهمشة وتمكين الفقراء من الحصول على حقوقهم الاجتماعية والاقتصادية وفي مقدمتها حقوق السكن والرعاية الصحية والتعليم والتغذية وغيرها.
وقالت «إن الدستور وضع قيوداً على صانع الموازنة وهي قيود من الصعب تنفيذها دفعة واحدة لأننا نتحدث عن 10% من الناتج المحلي الإجمالي للتعليم والصحة والبحث العلمي ومن ثم يصبح الحل المنطقي هو استغلال المواد الانتقالية في الدستور لوضع برنامج زمني للتنفيذ للوصول إلى المعدل المطلوب في ثلاث أو أربع سنوات حتى لا تتعرض للمزيد من العجز المفاجئ خاصة وان العجز المالي في مصر شهد قفزات هائلة خلال السنوات الثلاث الماضية وهو ما يهدد بإفشال كل خطط التحفيز الاقتصادي لأنه يعد السبب الرئيسي لانفلات التضخم». وأكد الدكتور سلطان أبوعلي وزير الاقتصاد المصري الأسبق ضرورة التصدي لعجز الموازنة عبر مصارحة الشعب بالحقائق الاقتصادية والعمل تدريجيا على مجابهة هذا العجز من خلال سياسات مالية رشيدة تنحاز للفقراء وتعالج أوجه الخلل الهيكلي في الاقتصاد.
وقال إن فكرة تمويل العجز بزيادة الضرائب أو فرض ضرائب جديدة ليس حلاً خاصة وان الاقتصاد لايزال في حالة انكماش وفي حاجة إلى مزيد من السياسات التحفيزية وبالتالي يجب تصميم توجهات مالية داعمة للنمو الاقتصادي ولسياسات العدالة الاجتماعية التي طال انتظارها.

اقرأ أيضا

"البنك الأفريقي للتنمية" يحذر من مخاطر النمو المتزايدة