الاتحاد

الاقتصادي

برامج التقشف تلقي بظلال قاتمة على النمو في بلدان منطقة اليورو

باحثون عن عمل أمام أحد مكاتب التوظيف في العاصمة الاسبانية (رويترز)

باحثون عن عمل أمام أحد مكاتب التوظيف في العاصمة الاسبانية (رويترز)

انتابت أسواق المال موجة من الشعور بالراحة، عندما اعتقد المستثمرون أن مشكلة الديون السيادية ربما تكون شارفت على نهايتها في منطقة اليورو. لكن يخفي هذا الحماس في طياته مشكلة ماثلة، حيث خلفت برامج التقشف الصارمة التي كانت تستهدف استعادة ثقة هؤلاء المستثمرين، عمليات ركود عميقة ومعدلات بطالة عالية في مختلف دول جنوب القارة.
وبتشجيع البنك المركزي الأوروبي لبذل ما بوسعه من جهود للحيلولة دون وقوع أزمة مالية أخرى، توجه المستثمرون صوب دول الاتحاد الأوروبي في محاولة لتحقيق الأرباح المرجوة، غير آبهين بكل أنواع المشاكل المتوقعة.
وببدء العجز في التراجع في بعض الدول وبروز بوادر التعافي في بعضها الآخر، عادت الرغبة للمستثمرين مرة أخرى لتقديم التمويل لحكومات الدول الأوروبية بأسعار معقولة.
كما أبدت البنوك التي تخلت عن الديون السيادية إبان الأزمة، رغبتها في العودة لها مجدداً في سعي منها للاستفادة من العائدات التي تعتبر من بين الأعلى ربحاً في العالم.
وفي غضون ذلك، انخفضت تكاليف الإقراض في بلدان مثل إسبانيا والبرتغال وأيرلندا وإيطاليا واليونان، لمستويات لم تشهدها منذ 2010، عندما قادت التأثيرات الناجمة عن ركود الاقتصادات والقيود المالية المفروضة على الدول المنضوية تحت مظلة العملة الموحدة، المستثمرين لرفع هذه التكاليف نفسها بنسب عالية، ما دفع العديد من الدول لقبول المساعدات الخارجية.
وعادت أرباح السندات الحكومية في أكثر دول منطقة اليورو تعثراً، لمستويات قريبة من تلك التي شهدتها في 2010. لكن ظل نمو الناتج المحلي الإجمالي منخفضاً، في وقت استمرت فيه معدلات البطالة مرتفعة.
خطط التقشف
وبتشجيع صانعي القرار على خفض العجز وإصلاح أسواق العمل والحد من كثرة الإنفاق الذي تسبب في حدوث الأزمة، أصبح التقشف ضرورة للبلدان من أجل استعادة الثقة التي تمكن من الوصول إلى الأسواق. وفي أيرلندا، التي تلتزم بخطة تقشف صارمة والتي أصبحت مؤخراً أول دولة في منطقة اليورو تغادر دائرة المساعدات، انخفضت الفوائد على السندات فئة العشر سنوات، بنحو 3,2%، دون نسبة 14% القياسية التي وصلتها عندما كانت الأزمة في أوجها. وانخفضت تكاليف الإقراض في إسبانيا، لأدنى مستوى لها منذ 2006، في حين تراجعت في البرتغال لمستويات 2010. وحتى بالنسبة لسندات اليونان، واحدة من أسوأ اقتصادات قارة أوروبا، فتراجعت من 50% قبل أقل من سنتين، إلى 7% في الأسواق غير الرئيسية.
ومع أن البوادر التي تلوح في الأفق تبشر بتعاف وشيك، إلا أن الاقتصاديين يتخوفون من اصطحاب برامج التقشف لذلك. وتراجعت اقتصادات كتلة اليورو البالغ عدد أعضائها 18 دولة، 0,4% في السنة الماضية، من واقع 0,7% في 2012. وتشير التوقعات لتعاف متوسط عند 1,1% خلال العام الحالي.
معدلات البطالة
لكن ومع ذلك، يكتنف التحسن الذي طرأ على الشعور في منطقة اليورو بعض المخاوف، حيث يؤكد استمرار البطالة لسنوات طويلة وزيادة عدد العاطلين من الشباب والضغوط الاجتماعية وانخفاض مستوى النمو الاقتصادي الذي تزامن مع ارتفاع مستويات الدين، عدم تعافي اقتصادات هذه البلدان حتى الآن.
وأرغمت برامج التقشف هذه الحكومات على التصدي للمشاكل المالية والهيكلية التي خلفتها عندما كانت الظروف أفضل من الوقت الحالي. وذكر مؤخراً مسؤولون من الدول التي تلقت مساعدات لإنقاذها عندما كانت الأزمة في أشدها، أن البرامج التي طالبهم بها صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي والمفوضية الأوروبية، لا مفر منها.
وجاء في مذكرة بعث بها البنك المركزي في قبرص للبرلمان الأوروبي: «يُعد البرنامج رغم صرامته، السبيل الوحيد الذي يمكن للدولة الخروج من خلاله».
وفي البرتغال حيث ثار الرأي العام ضد برامج التقشف، أوضحت وزارة المالية أن برامج تقشفها على الرغم من المشقة التي تخلفها، تبقى مناسبة واستجابة منطقية لأزمة المصداقية التي تهدد البلاد.
لكن نجم عن سرعة وتيرة خفض مستويات الإنفاق وزيادة الضرائب، مخاطر جديدة من شأنها إعادة مشاكل اليورو مرة أخرى. وفي اليونان التي أطلقت شرارة أزمة اليورو في 2010، صادق المسؤولون على تدابير تقشف طارئة بغرض إصلاح الاقتصاد رغم تسبب ذلك في انطلاق المظاهرات. وعندما بدأت أسواق المال تتعثر في دول أخرى ذات مشاكل مشابهة في منطقة اليورو، سارعت حكومات أخرى من أيرلندا إلى إيطاليا، للسير في ذات الاتجاه.
وقال بول دي جراوي، أستاذ الاقتصاد السياسي الأوروبي في كلية لندن للاقتصاد:«نتج عن الذعر الذي انتشر في أسواق المال، ذعر بين أوساط صانعي القرار». ويرى أن برامج التقشف التي قُصد منها مساعدة الدول على خفض معدلات العجز والدين، قادت إلى عرقلة عجلة النمو للحد الذي جعل حكومات هذه الدول تسعى لتوفير عائدات ضريبية تمكنها من تنفيذ عمليات الخفض هذه. وبدلاً من الانخفاض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ارتفع الدين في كل من اليونان وأيرلندا وإسبانيا وإيطاليا والبرتغال.
لكن في حالة ساورت الشكوك المستثمرين وارتفعت أسعار الفائدة مجدداً، ربما تتنامى الضغوط لفرض المزيد من برامج التقشف. وأضاف بول:»لم تنته برامج التقشف بعد ولايزال الدين عالقاً ومن المتوقع أن يرغم تراجع التضخم هذه البلدان على تشديد هذه البرامج، ما يحول دون الوصول إلى تعاف مستدام».
وفي حين خفت وطأة الجانب المالي في الأزمة الأوروبية في الوقت الحالي، حلت مخاطر جديدة محلها، خاصة على الصعيد السياسي. وبعد خمس سنوات من الركود وارتفاع معدل البطالة، خاصة في دول جنوب أوروبا، صاحب برامج التقشف خيبة أمل كبيرة. وقاربت نسبة البطالة في منطقة اليورو 12,1%، بينما تجاوزت 26% في كل من اليونان وإسبانيا اللتين ارتفعت فيهما نسبة العاطلين عن العمل بين الشباب إلى أكثر من 57%.
وقال محمد العريان الخبير الاقتصادي الذي استقال مؤخراً من منصب مدير شركة بيمكو واحدة من بين أكبر شركات إدارة صناديق السندات في العالم :»تنحصر القضية الأساسية في مدى تحمل الشعوب. وفي حين يصب الانتعاش الذي يسود أسواق السندات في مصلحة المستثمرين، لا يمكن ترجمته إلى غذاء على موائد الناس».
ومن المتوقع أن يفرغ الناخبون غضبهم في صناديق الاختراع للبرلمان الأوروبي في مايو المقبل، حيث من المرجح انتخاب المناوئين لفكرة الاتحاد الأوروبي بأعداد كبيرة. وربما يجعل ذلك من الصعب للحكومات سن القوانين المطلوبة التي تفضي لاستقرار اليورو، بما في ذلك تشديد القوانين المصرفية في المنطقة والمزيد من التعاون من قبل البنك المركزي إضافة إلى تحسين بيئة الاندماج السياسي.
وتمثل الأحزاب التي تضم حزب الفجر الذهبي النازي الجديد في اليونان وحزب الجبهة الوطنية في فرنسا وحزب الحرية الهولندي، الأصوات الرافضة لبرامج التقشف التي جلبت البؤس بدلاً من السعادة للناس، مما نتج عنه فقدان المصداقية في معظم النظم السياسية القائمة.
شبح الانكماش
وبرز شبح الانكماش كمرض عضال جديد يهدد صحة منطقة اليورو. ويهدد بطء مسيرة التعافي في دول جنوب القارة بجانب انخفاض الأجور وارتفاع معدلات البطالة، بإعاقة القوة الشرائية للمستهلك والتلويح بالدفع بالأسعار في دوامة من التراجع. ويبدو في الوقت الحالي، أن المستثمرين لا يأبهون لهذه المشاكل، خاصة بعد تأكيد رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي، لالتزامه باحتواء أي أزمات مالية جديدة. وفي حالة بقاء تكاليف الاقتراض منخفضة، يتبعها تحسن في النشاطات التجارية. كما يشجع تحسن الظروف المالية الدول، على تبني تغييرات تفضي إلى تعزيز النمو وإمكانية تدفق الأموال للاقتصاد مرة أخرى في ظل انخفاض تكاليف التمويل. وأعلن مؤخراً الرئيس الفرنسي فرانسوا أولاند، عن خفض الضرائب لإنعاش الأعمال التجارية، في حين أقر وزير المالية في إيطاليا، بأن انخفاض المعدلات الضريبية تساعد على تحرير الموارد لجذب الاستثمارات. لكن وكما حدث في أوقات سابقة خلال الأزمات، تفقد الحكومات إراداتها في غياب ضغوط أسواق المال للقيام بالتغييرات الضرورية لإرساء قاعدة قوية لتحقيق النمو في المستقبل.

نقلاً عن «إنترناشونال نيويورك تايمز»
ترجمة: حسونة الطيب

اقرأ أيضا

الصين تفوقت في المفاوضات التجارية على أميركا