الاتحاد

فكر

أخطاء جماعة فيينا

لم يكن لـ (جماعة فيينا) الحق في رفضها المطلق للميتافيزيقا، لأنه عندما عملت الجماعة على استخدام كافة البراهين المنطقية والتجريبية لإثبات أن قضايا الميتافيزيقا لا معنى لها، فقد أقامت موقفها على أساس أنها قضايا لا يمكن اخضاعها للتجربة، ولا يمكن التحقق من صحتها، أي أنها رأت أن السبيل إلى الوصول إلى المعرفة اليقينية يكون من خلال الحس فقط·
وهو رأي خاطئ لأن معظم المدارس الفلسفية القديمة والحديثة اهتمت بقضايا الميتافيزيقا، ورغم التقدم الذي لحق بالعلوم الوضعية والتجريبية، فهناك العديد من تلك القضايا الميتافيزيقية لازال فلاسفة كثيرون يضعونها موضع البحث والدراسة، وليس أدل على ذلك من أن كتابات فيلسوف كبير مثل مارتن هيدجر (1898- 1976) تعرَّضت للكثير من القضايا الميتافيزيقية، ومن ذلك ما تحدث به عن الكينونة وعلاقتها بالتطور التكنولوجي والتقني الحادث في عصرنا هذا، حيث رأى أن هذا التقدم التكنولوجي ليس إلا محاولة من جانب الإنسان لإثبات وتأكيد وجوده، أي أن ''هيدجر'' ربط بين التقنية وواحدة من أهم القضايا الميتافيزيقية، ألا وهي ''قضية وجود الإنسان وكينونته''، ثم يتحول بنا هيدجر إلى واحدة من القضايا الميتافيزيقية التي ينفي أصحاب جماعة فيينا وجودها من الأصل، ألا وهي ''قضية العدم''، وهو يقول هنا إن استبعاد قضية العدم يؤكد وجودها، لأن الاستبعاد لا يكون إلا لشيء موجود بالفعل، وهنا يتسائل هيدجر: هل الفلاسفة التجريبيون يرون أن العلم يقتصر على ماهو موجود وحسب، إذاً ماذا عمّا هو آت؟ ما هو آت، هو الذي نطلق عليه الآن ''العدم''، هكذا يقول فيلسوف الغابة السوداء·
وهنا نتساءل عن ماهية جماعة فيينا؟، ولماذا ارتأت عدم الاعتراف بأية قضايا فلسفية ميتافيزيقية واعتبارها قضايا زائفة؟·
جماعة فيينا أو حلقة فيينا، هي جماعة فلسفية نشأت في بدايات القرن العشرين في العاصمة النمساوية فيينا، وهي تمثل إحدى مدارس التجريبية المنطقية الجديدة، وقالت إن المعرفة اليقينية لا تتأتى إلا عن طريق العلم والحس المباشر، والفلسفة عندهم هي فلسفة العلم، ولا ينبغي للفلسفة أن تهتم بقضايا الوجود والقيم والأخلاق والجمال وغيرها من القضايا الميتافيزيقية، وهناك عوامل عدة ساعدت على ظهور جماعة فيينا، وبلورة رأيها في قضايا الميتافيزيقيا:
1-تأثر أعضاؤها بالفلسفة الوضعية التجريبية التي أرسى دعائمها الفيلسوف الفرنسي أوجست كانط (1798 ـ 1857) وكذلك تأثرهم بالتطور الذي طرأ على المناهج الخاصة بالعلم التجريبي على يد فلاسفة مثل النمساوي أرنست ماخ (1838 ـ 1916)·
2-تأثرهم بالمنطق الرمزي والتحليل المنطقي للغة، سواء لغة الحياة اليومية أو اللغة العلمية·
3-التطورات الكبيرة التي حدثت في مجال الرياضيات والفيزياء في الفترة التي واكبت ظهور الجماعة·
خلاصة القول؛ أرادت حلقة فيينا أن تقوِّض أهم ما جاء في العلوم الفلسفية من قضايا ميتافيزيقية على أساس استحالة إخضاعها للعلوم التجريبية، وعملت على إظهار تلك القضايا وكأنها مجموعة أكاذيب وخرافات، إلا أن مسعاهم انتهى عن غير قصد منهم إلى مزيد من الترابط بين الفلسفة والعلم، لأن ما وصل إليه العلم ما كان له ليتحقق إلا بالاعتماد على القضايا الفلسفية الميتافيزيقية، وخصوصاً في المراحل الأولى للعلم·

أحمد عوض سعداوي
Ahmed_alsadawye@yahoo.com

اقرأ أيضا