الاتحاد

فكر

استعمال الجسد البشري·· فتنة التعمير وغواية التدمير

الجسد البشري يتحول دوماً إلى موضوع للعنف والألم

الجسد البشري يتحول دوماً إلى موضوع للعنف والألم

الجسد متعدِّد، إنه ليس واحداً بالمطلق· دخل الجسد ثنائيات عتيقة جديدة، فصار مقابلاً للروح، بل قل مسكناً لها· الروح والجسد ثنائية حاضرة في النصوص الدينية والفلسفية والشعرية وسوى ذلك· ترتّب على ذلك أن تكون حصة الجسد الفناء، فيما تمتعت الروح بالخلود، فحضرت ثنائية الفناء والخلود في الأساطير والأديان والأشعار والفلسفات وسوى ذاك· رأى الإنسان الجسد من نصيب التراب والدود والنار، نصيب الأرض التي ينزل إليها، والروح تصعد إلى السماء، تحلّق كالملاك·
أنتجت الأفكار عبر التاريخ فنوناً من التعامل مع الجسد· أدخله النسّاك في صراع مع الروح، فصار معيار تسامي الروح امتهان الجسد والقسوة عليه· وأدخله الطغاة في الصراع الغاشم على السلطة فصار تعذيبه وسيلة للحطّ من شأن صاحبه، والتفنن في سحقه دليلاً على تفوّق طرف على آخر· ووضع الرجل شرفه في جسد المرأة، وطلب صيانته بأيّ ثمن، بحجبه وتحجيبه وحتى بتدميره لو اقتضى الأمر·
الجسد ذاته متعدد؛ إنه متعدد في البشر أنفسهم· فهو قويّ طامح إلى الكمال لدى فرسان الحروب والرياضيين، وشاحب وهزيل لدى الزهّاد والنسّاك، وشهوانيّ ونافر لدى المرأة··· إلخ· يعتلّ الجسد فتخور قواه ولا تندّ منه حركة أو نشاط، وتُستفزّ طاقاته، طبعاً أو صنعاً، فيخرق الحدود المعهودة ويملأ المكان الساكن حيوية وعنفواناً· يخفّ الجسد ويكون عبئاً، يُفكَّر فيه في ذاته، ويُنظَر إليه مطيةً لأشياء أخرى·
الجسد هوية شخصية وصفحة من التاريخ· الجسد قوة جبّارة وهشاشة لا مثيل لها، سريع العطب ومقاوم عنيد للاندحار· جسدك ذاتك، إنه أنت بتمام معنى الأنت، فهو دليل الوجود المادي والعينيّ، من دون جسد حقيقي وفعلي، يكون الكائنُ خرافياً، كالقنطور والسعلاة وطائر الفينيق· الجسد العينيّ مضادّ للخرافة، فهو هنا يُكسب الكائنَ كائنيتَه، والوجودَ العينيَّ دليلَه· فقبل أن يتجسّدَ الكائنُ في جسد، لم يكن من شيء·
استُعمل الجسد واستُعبد وعُبد· صار سلعة غالية أو رخيصة لكسب المال، وطاقة للعمل، ووسيلة لقهر الإنسان بتعذيبه، ومستقراً للذائذ والعواطف والانفعالات، وفضاء لتحقيقها والتنفيس عنها، ومورست ضدّه نزعات سادية ومازوخية، عانى من الجلد واللطم وحتى التطبير·
صار الجسدُ كلَّ شيء، غير أن أخطرَ ما صاره هو أن يكون سلاحاً، لا بمعنى أن يَستعمِل (بالبناء للمعلوم) سلاحاً، بل أن يُستعمل (بالنباء للمجهول) سلاحاً؛ أي أن يكون هو نفسُه السلاحَ الفتّاك· فالجسد في عصرنا الفريد هذا، عصر الإرهاب، صار سلاحاً كالصاروخ والقنبلة واللغم والدبابة· فُخِّخ الجسد بأحزمة ناسفة، وقاد سيارة مفخّخة· طواعية الجسد منحته القدرة على أن يكون قنبلة متطورة ذات تحكّم ذاتي· وأن يكون دبابة تتحرك بيسر فوق الأرصفة والتلال والموانع الطبيعية والاصطناعية، وأن يكون لغماً مخبوءاً لا يدري أحد متى ينفجر وأين، بل إن طواعية الجسد سلاحاً مكّنته من دخول أماكن منيعة لا تصلها القنبلة ولا اللغم؛ مثل أن يدخل في مقرّ منيع لاستراحة ''برلمانيين'' وينفجر هناك، ومكّنته من دخول أماكن لا يُفترض فيها وجود أعداء؛ كالمطاعم والأسواق وحافلات نقل الركّاب والمقاهي ومرافق عامة عديدة· بل إنه لم يستثنِ دُورَ العبادة، بل هو يستهدف بالذات دور العبادة ما أمكنه ذلك· إنه الجسد سلاحاً عارفاً بمقصده، وهذا أخطر ميزاته، فهو ليس كالصاروخ الموجّه، فهذا سلاح موجَّه (بشدّة وفتحة على الجيم) يختفي وراءه موجِّه (بشدّة وكسرة على الجيم)، أما الجسد سلاحاً فهو كلاهما، هو الموجِّه والموجَّه، هو المفجِّر والمفجَّر في آن·
ومع أنه الفاعل والمنفعل في آن واحد، يختفي وراءه أيضاً شيء أخطر· فما أوصل الجسد إلى هذه الثنائية الجديدة، ثنائية الفاعل - المنفعل حيث يتقابل فيها الطرفان في مجال واحد هو الجسد نفسه، أقول ما أوصل الجسد إلى هذه الثنائية هو فكر يشتمل على نظرة قاتمة إلى الجسد الفاني، إلى حصة الدود والتراب والنار·

اقرأ أيضا