الاتحاد

فكر

أين هي قدرة العقل البشري الفائقة ؟

ألبرت آينشتاين

ألبرت آينشتاين

قال خبراء وادي السليكون الشهير في كاليفورنيا إنّ الدماغ البشري أصبح وراءنا، والحل يكمن بالمعالجة الإلكترونية المتطوّرة، وهو ما يثير غضب ''أنصار'' هذا الدماغ الذين يدعون إلى تكثيف الأبحاث البيولوجية لتطوير الخلايا والوصول إلى السوبر آينشتاين، بدلاً من حصر المسألة بالتطوير التكنولوجي· والدليل على أن الدماغ البشري يمتلك قدرات خارقة هو ذاك الشاب الإنكليزي الإنطوائي الذي يقوم بعمليات حسابية خارقة يهزم، من خلالها، تقنيات الذكاء الاصطناعي·
الدماغ البشري في أزمة، فهل حقاً إنّ الأجهزة الإلكترونية المتطوّرة تجاوزت هذا الدماغ، حتى أن علماء ''وادي السيليكون'' في الولايات المتحدة الذين التقوا، أخيراً، في منتدى حمل عنوان ''الفرادة: الذكاء الاصطناعي ومستقبل البشرية''، توقعوا تطوير معالجات إلكترونية فائقة السرعة قابلة للزرع داخل الأدمغة البشرية لتحفيزها على حل المعضلات المطروحة بسرعة أجهزة الكمبيوتر الحديثة؟·
الذين يدافعون عن الدماغ يقولون إن المفروض بالعلماء التركيز على التطوير البيولوجي للخلايا بدل الاهتمام بالمسائل التكنولوجية لأن الدماغ البشري البالغ التعقيد ينطوي على قدرات خارقة ظهرت لدى الكثيرين· واستطراداً، فإنّ تلك الحالات الاستثنائية تعكس وضع الدماغ نفسه وإمكانات تحفيزه، وإلى الحدّ الذي لا تتوقف فيه المسألة عند ''اينشتاين''، بل إننا قد نصل إلى·· سوبر اينشتاين؟·
وحين كان خبراء وادي السيليكون يدلون بتوقعاتهم، كانت الصحافة الغربية تهتم بذلك الشاب البريطاني الانطوائي ''دانييل تاميت'' الذي أثبت، ومن خلال تعاطيه مع الأرقام وحفظه السريع للغات الأكثر تعقيداً، أنّ الدماغ البشري هو مفاعل هائل· والمهم هو ''القبض'' على تلك اللحظة البيولوجية التي تدفع به نحو أقصى حالات الإبداع·
''تاميت'' الذي يعاني من مرضين في آن معاً (عارض اسبرغر، وهو نوع من الانطوائية الخفيفة، والتداعي التلقائي بين احساسات مختلفة يحدث تداخلاً بين الحواس) يكاد يشبه الشاعر ''رامبو'' في علاقة الهذيان مع الأحرف الصوتية حيث الـ (A) هو الأسود، والـ (E) هو الأبيض والـ (I) هو الأحمر، فهو يزاوج بين الأحرف والألوان أيضاً، ولكن ليتجاوز ذلك إلى لغة الأرقام أيضاً، فكل رقم يعبِّر عن حالة معينة·
إنه الآن في الثامنة والعشرين، وهو يعيش مع الأرقام منذ نعومة أظفاره، وهاجس الحساب تملكه منذ أن أصيب بنوبة صرع (داء النقطة) حين كان في سن الرابعة لتبدو الأرقام الوسيلة الوحيدة لشعوره بالتوازن، ففي عالم الأرقام، لا مجال للحزن أو للألم· وشأن تاميت مثل (50) انطوائيا آخرين تم إحصاؤهم في العالم يمتلكون مواهب خارقة، حتى إنه الوحيد القادر على أن يصف بالتفصيل عالمه الدماغي· وإذ يوصف بالرجل ـ الكمبيوتر، فإن باستطاعته أن يجمع أو يضرب أو يطرح أي رقمين في الحال· المسألة تحل تلقائياً ودون الحاجة إلى ميكانزم معين· (28) ثانية فقط لكي يجد خارج القسمة لعددين، ولكن علينا أن نعلم أن خارج القسمة هذا هو (32) رقماً بعد الفاصلة، أو الفارزة، أي أننا أمام رقم هائل وبكل معنى الكلمة·
''تاميت'' الذي لا يستخدم الورق قط، بل إنه يعتمد على العملية الذهنية وحدها، ليس مغرماً بالرياضيات، فهو لا يحب الجبر ومعادلاته· ومن الصعب معرفة حدود موهبته· في لحظة واحدة يمكنه أن يعرف اليوم الذي ولدت فيه، وإن كان الذي أثار اهتمامه هو الـ (PI)، أي الرمز الذي يمثل نسبة محيط دائرة إلى قطرها، أي زهاء ( 3,1416)، إنه الرقم الوحيد اللامتناهي والذي لا يستطيع حتى الكون احتواءه·
لقد حدث ذلك الأمر في 14 آذار/ مارس ،2004 وهو يصادف يوم ولادة العالم الألماني ـ الأميريكي ''ألبرت اينشتاين''، ففي قاعة تابعة لـ ''تحف تاريخ العلو''م في أوكسفورد، كان على ''دانييل تاميت'' أن يواجه تحدياً هائلاً استعد له على مدى ثلاثة أشهر ولحساب الهيئة الوطنية للصرع، وأن يستخرج أكثر عدد ممكن من الكسور العشرية للـ (PI)· ولقد أمضى (5) ساعات و(9) دقائق و (24) ثانية أمام لجنة من الفاحصين المذهولين: (22514) رقماً دون أدنى خطأ، وهو رقم قياسي في أوروبا استتبع عاصفة من التصفيق، وقال، في هذه المناسبة، إن الأرقام كانت تمرّ أمامه كما لو أنها صور شريط سينمائي·
كانت تلك الساعات قد فتحت عيون الباحثين في علم الأعصاب ليعرفوا ما إذا كان هناك تأثير للانطوائية في ''تفجير'' طاقات الدماغ، والأميركيون والبريطانيون يتعاونون الآن لفك لغز ''الصندوق الأسود'' في دماغه·
واثق بنفسه إلى أبعد الحدود، ومن خلال تعاطيه مع رمز الـ (PI)، أراد أن يثبت أن أي عائق عضوي أو نفسي لا يمكن أن يقطع الطريق على العقل، ودون أن تكون لديه مشكلة في المثول أمام الباحثين الذين يخضعونه لاستجوابات طويلة، ومعقدة، وأحياناً مزعجة·
''تاميت'' التقى العالِم الانطوائي ''كيم بيك'' الذي اتخذ كنموذج في فيلم ''رجل المطر'' عام ،1899 وقد تقمّص هذه الشخصية الممثل الأميركي الشهير ''داستن هوفمان''، ليصف تلك اللحظات بأنها الأكثر سعادة في حياته· لكنه يعتبر أن شخصية الانطوائي كما طرحت في الفيلم هي شخصية قديمة، وقد تكون لها تداعيات سلبية، فيما يفترض بالعمل الفني أن يعمّق ثقة المريض في نفسه، وأن يظهر اختلافه ليس كنقص لا علاج له، ولكن كحالة طبيعية يمكن أن تكون خارقة أيضاً·
علاقته بالكلمات، وهي لغته الثانية، علاقة جمالية· ومثل الأرقام للكلمات شكل ولون· والمسألة تنسحب على الأسماء: ريتشارد أحمر، جون أصفر وبيتر بنفسجي· ذاكرته البصرية مذهلة· إنه يستطيع أن يتعلم أي لغة برفة جفن، وهو يتقن، حالياً، عشر لغات هي: الإنكليزية، الألمانية، الإسبانية، الإسبرانتو، الفنلندية، الفرنسية، الغالية، الليتوانية، الرومانية والأيسلندية التي تعرف بصعوبتها، لكنه أجادها وذلك من خلال رحلة دامت أربعة أيام للعاصمة ريكجافيك·
يقول إن الكلمات تثري حياته: تماماً كما الأزهار لا تستطيع البقاء دون ماء، لا يمكنني البقاء دون الكلمات التي هي طريق التواصل مع الآخر· والواقع أنني في طفولتي عانيت الكثير من العجز على التواصل، لكنني تمكنت من تخطي ذلك من خلال الولع المفاجئ بالأرقام والكلمات· إن دماغي الآن منفتح على الرياح الأربع·
الشاب الإنكليزي أطلق في عام 2002 موقعاً للإنترنت لتعليم اللغات، وذلك على شرف آلهة الذاكرة لدى الإغريق منيموزين، لا بل إن ''تاميت'' أنتج لغته الخاصة التي يتكلمها هو وحده، واسمها ''مانتي''، أي الصنوبر''، بالفنلندية، ولغة ''تاميت'' تضم، حتى الآن، ألف مفردة·
إنه قارئ كبير للسير الذاتية والقواميس، ولا يقترب من الروايات أبداً لأنه يفضّل الأشياء الحقيقية، وهو الآن في صدد تأليف كتاب يتحدَّث فيه عن الدماغ، وعن الأرقام، وعن المخيَّلة·
ظاهرة أم أن كل دماغ هكذا؟ الآن يُطرح هذا السؤال، مع الكلام عن المعالجة الإلكترونية للدماغ البشري· ولكن هل يفترض أن نكون مرضى نفسيين مثلاً كما هي حال دانييل تاميت لنكون عباقرة؟
موقفه صارخ، ومنتقد، لدعاة التحفيز الاصطناعي للدماغ، معتبراً أن الأخذ بالطروحات الراهنة يعني تعريض إنسانية الكائن البشري للخطر، ففي رأيه أنه في داخل رؤوسنا ''يمكن أن تُصنع المعجزات''·
''تاميت'' الذي يعزو تألقه إلى حب ذويه له، ويصفهم بـ ''أبطالي''، يقول إنهم هم مَن ''وفروا لي توازناً سعيداً بين عالمي والعالم الخارجي''، ليخرج بهذه الخلاصة الفلسفية: ''المهم ليس أن نعيش كما الآخرين بل بين الآخرين''· ''دانييل تاميت'' عاش طفولة اتصفت بالعزلة والمعاناة والألم· وفي المدرسة كانت ثمة أشياء كثيرة تبعث لديه الضيق والشعور بالدونية: الضجيج، التدافع، وعلى الأخص ذلك الشعور بأنه مختلف، بحيث إنه لم يكن ليفهم، ولا أن يكون له موطئ قدم في المحيط الذي كان يعيش فيه·
يعزو ذلك إلى خلل في التشخيص، وكان ''يلجأ'' إلى الصمت في غرفته حيث طقوس القهر، إذ كان يجمع الكستناء، والإعلانات، وحشرات الكوكسينيل··
كلام صور
بقْ-100 ــ ''دانييل تاميت'': الانطوائي الخارق··
بقْ-200 ــ الدعوة إلى تطوير الدماغ البشري··
بقْ-300 ــ الذكاء الاصطناعي من وادي السيليكون·
بقْ-400 ــ المسألة لا تتوقف عند··· ''اينشتاين''·

اقرأ أيضا