صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

النــزول إلى تحت العصر!



الاتحاد - خاص:

متى بدأت عظام الإسرائيليين ترتجف ؟ الجنرال الراحل ''موردخاي غور'' يعيد ذلك إلى سنوات مضت، أي عندما حدث العبور عام ،1973 لتتلاحق الهزّات في إسرائيل وإلى حد طرح الأسئلة، وعلى نطاق واسع، حول بقائها أو عدمه·
المعلّق البارز ''يوئيل ماركوس'' يقول: ''لنتصوّر أن اسبارطة يقودها راقص روكندرول ''؟· السؤال مجازي، لكنه يعكس مدى الهشاشة، والزئبقية، وحتى الضياع في الدولة العبرية·
ولكن حين تتفكك إسرائيل، ماذا يحدث لفلسطين ؟ إنها تنفجر· المحطّمون ضد المحطّمين، وإلى الحد الذي يحمل الكثيرين على الدعوة إلى إلغاء السلطة إذا كانت، بجاذبيتها، هي السبب في الصدام الدموي المفتوح··
ما تحت العصر
إسرائيل تتفكك· فلسطين تنفجر· يقول ''آمنون كابيلوك'': ''أخشى أن تكون ثقافة المستقبل في هذه الأرض هي ثقافة الدم''!
ثمة حاخام يدعى ''ديفيد ليفي'' يطلق قهقهات صفراء: ''إذاً، لقد وصلت الملائكة المدمّرة في الوقت المناسب''، ليوضح أنه أمضى ليالي بكاملها ينظر إلى النجوم ويصلي، ويتضرّع، من أجل أن تأتي تلك الملائكة وتدمّر الفلسطينيين الذين يعتبر ألا مجال البتة ''لكي نكون معهم تحت سقف واحد''·
بالطبع، لا مجال أن يكون معهم على أرض واحدة· ولعل اللافت هو أن باحثين في معهد جافي باتوا يلاحظون تشكيل تيارات داخل المجتمع اليهودي لا يمكن أن تكون على صلة بمفاهيم العصر، وقد يكون ذلك ناتجاً عن التوترات الايديولوجية في المنطقة، وأيضاً عن تنامي الاتجاهات الراديكالية، لكن الثابت أن مَن ينضوون في تلك التيارات يعتبرون أن اليهودية في خطر، وأنه لا بد من العودة إلى منطق الغيتو (حارة اليهود)، وهو ما يثير الهلع لدى ''كابيلوك'' الذي يعتبر أن هذا هو الخطر الحقيقي الذي يتهدّد الدولة العبرية: النزول إلى ما تحت العصر!
عهد العمالقة
بانورامياً، التحقيق في حرب لبنان· الكلام الذي قيل أمام لجنة ''فينوغراد'' كشف سقوط ''السوبرمان''· قراءة ما وراء سطور ''زئيف شيف'' تظهر كم أن ''عهد العمالقة'' قد انقضى· الساسة والجنرالات من طراز ''دافيد بن غوريون'' و''موشي دايان''، وحتى من طراز ''اسحق رابين'' و''آرييل شارون''، وبالطبع ''غولدا مائير''، ولكن ليلاحظ أن إسرائيل دولة استثنائية في الشرق الأوسط، ولا يمكن أن تُقاد إلا من رجال استثنائيين· يسخر ''يوئيل ماركوس'' ''لنتصوّر أن اسبارطة كان يقودها راقص روك اندرول''· هذا لأن الجدل الصاخب، والعبثي، والفوضوي، الذي اندلع حول حرب لبنان كان أشبه ما يكون بحفل راقص· المتنكرون كلهم كانوا يرتدون أقنعة سوداء· يستطرد: ''بالضرورة، إنها أقنعة الثعالب''·
ثمّة مقاربات مثيرة للمشهد الإسرائيلي الراهن· هل باتت الأمور كاريكاتيرية إلى هذا الحد· رئيس حكومة يطلب الاذن لأسابيع من واشنطن لتهشيم ''حزب الله'' وكسره· رئيس أركان يقول إنه لم يكن واثقاً بالقوات البرّية (ولكن ماذا استطاعت أن تفعل القوات الجوّية؟)، وزير دفاع تسخر منه التعليقات الصحافية: ''هل يليق الشاربان بالسيد عمير بيرتس؟''، قبل أن ''يبلغه'' أحدهم بأن الشاشات الإسرائيلية بحاجة إلى ممثل هزلي بذلك الحجم·
جنرالات أم ديكة؟
المشكلة أعمق من ذلك بكثير· ليست المشكلة في الضبابيّة التي تحيط بالنموذج الاسبارطي، وإنما في ''مستوى العبقرية'' لدى القيادة، والدراسة التي وُضعت في معهد جافي تشير إلى أن إسرائيل تعاني ''نقصاً في القيادة'': ''هل نحن أمام جنرالات أم أمام ديكة''· لا شيء آخر سوى الصياح حتى في أرض المعركة· وكان ''موشي دايان'' يقول إن الجنرالات العرب هم الذين يصيحون لتغطية ما يحصل على الأرض، ولكن ألم يعترف الجنرال ''موردخاي غور'' من أنه عندما حدث العبور في قناة السويس وتدمير حائط بارليف ''بدأت عظام الكثيرين ترتجف''، فيما كان على الانتفاضة الفلسطينية أن تضفي قلقاً إلى القلق، حجارة في مواجهة الدبابات، أصبح هناك شكل آخر للمعادلة··
الآن، ألا يصح السؤال، وانطلاقاً من كلام ''غور''، عن عظام الإسرائيليين: هل هي ترتجف أم تتحطم ؟
وكان قد لوحظ أنه في الشهرين الأخيرين تكاثرت الآراء والأسئلة داخل إسرائيل حول بقاء الدولة· هذه مسألة كانت ''محرّمة'' سابقاً، وإن كان ''ناحوم غولدمان''، وهو أحد معماريي الدولة، قد طرح، منذ نحو عقدين، قضية البقاء، باعتبار أن احتمالات هذا البقاء ستكون ضئيلة ما لم يحل التفاعل الحضاري والثقافي والتاريخي في المنطقة محل فلسفة القوة· الآن، يُطرح السؤال: هل تستطيع إسرائيل، بكل مخزونها الايديولوجي، وترسانتها العسكرية، أن تحمي·· إسرائيل ؟
القوة والشك
سؤال على الطاولة الآن· وأحد التعليقات في صحيفة ''هاآرتس'' حول الهزّات الارتدادية للتحقيق في حرب لبنان، يرى أن ثمة تلازماً بين كلمتي ''القوّة'' و''الشك''· ماذا يحصل عندما تصبح إسرائيل دولة ضعيفة ؟
لا يثير طارح السؤال مسألة الخوف من العرب الذين يعانون من مشكلات بنيوية حادة انعكست على مفهوم القوّة لديهم، بل مسألة الخوف من اليهود الذين لن يعودوا ينظرون إلى إسرائيل على أنها مركز الاستقطاب الذي يحميهم ليس فقط من التحلل الثقافي أو العقائدي أو التاريخي، وإنما أيضاً من الخطر الذي يكشّر عن أنيابه، بين الحين والآخر، في اتجاه اليهود·
رئيس الدولة (موشي كتساف) يُدان بالاغتصاب، وهناك مَن يقول إن ثمة جرائم في هذا المجال أكثر حساسية، ورئيس الحكومة (ايهود اولمرت) يلاحَق في فضيحة مصرفية، ووزير العدل (حاييم رامون) وليس وزير البنى التحتية مثلاً يدان في قضية قبلة لمجنّدة يوم خطف الجنديين، ورئيس الأركان (الذي خرج من منصبه من فترة وجيزة دان حالوس) سيُفتح ملفه على مصراعيه في قضية إعطاء الأولوية لأسهمه في البورصة على عمله القيادي عشية الحرب ولدى اندلاعها· يسأل ''ناحوم بازيع'': ''إذاً لمصلحة مَن تعمل الملائكة المدمّرة''·
أين الفلسطينيون؟
حيال هذه اللوحة الإسرائيلية المهشّمة، وحيث الارتجاج السياسي والثقافي يبلغ مداه، أين هم الفلسطينيون ؟
لا أحد كان يتصوّر أن يحدث هذا، وإن كان الذين عاشوا تجربة الثورة الفلسطينية في لبنان، كانوا يفاجأون باشتباكات الفصائل داخل المخيمات وبين أكواخ التنك والخشب وحتى الورق المقوّى· صراعات دموية حول نموذج الدولة: قومية أم ماركسية، تقدمية أم رجعية، نظام رئاسي أم نظام مجلسي؟ كانت كوميديا الدم سوداء إلى هذا الحد وذهبت فصولاً وفصولاً·
أكثر من جهة فلسطينية، في الداخل كما في الخارج، تتحدث عن النكبة الثانية· الأولى كانت خروج الفلسطينيين من فلسطين، الآن خروج الفلسطيني من الفلسطيني· الخروج الدموي بطبيعة الحال· هل أصبح الشعب الفلسطيني شعبين؟
يقول لنا فلسطيني مخضرم سياسياً وثقافياً وتراجيدياً، في مخيم عين الحلوة قرب مدينة صيدا في جنوب لبنان: ''الأفضل أن نعود إلى ما قبل السلطة الوطنية· لقد عشنا إلى ذلك اليوم الذي بدأنا نسمع فيه عن هدنة، أو وقف نار، بين الفلسطينيين والفلسطينيين· كل هذا في اطار الصراع على السلطة· إذا كانت هذه هي المشكلة، وهي كذلك فعلاً، فإن الفلسطينيين هنا يقولون بإلغاء هذه السلطة والعودة إلى ما قبل اتفاق السلطة· يومذاك كنا رزمة بشرية واحدة· كنا نغضب معاً، ونرشق الحجارة معاً، ونموت معاً''·
الفصل بين المقابر
يضيف المخضرم: ''لقد ذهلت عندما علمت أنه في بعض الأمكنة تم الفصل حتى بين المقابر· هذه مقبرة لـ''فتح'' وتلك مقبرة لـ''حماس''· هل وصلنا إلى ذلك الحدّ من التردّي الذي يحملنا حتى على تجزئة أو تقسيم الموت ؟''·
قد يكون الطرح مستغرباً لدى الكثيرين باعتبار أن السلطة هي الخطوة الكبيرة نحو الدولة، فيما العالم بات يتحدث مع جهة فلسطينية محددة، وقريبة جداً من هيكلية السلطة في دولة مستقلة، لكن ذلك المخضرم الفلسطيني يقول: ''إذا كنا نخوض مثل هذه الحرب في ما بيننا ونحن ما قبل الدولة فكيف ستكون الحرب إذا ما قامت الدولة ؟''·
وهو يرى أنّ ''هناك مَنْ اكتشف نقطة ضعفنا: السلطة''· بُذِلت جهود منظمة ومنهجية من أجل بعثرتنا دموياً وقد نجح· الله سبحانه وتعالى هو وحده الذي يعلم ماذا سيحلّ بنا''، متسائلاً: ''هل من ضوابط للحيلولة دون وصول الحريق إلى المخيمات
خارج الأراضي الفلسطينية؟''·
في نظره أنه ''إذا كانت وحدة الفلسطينيين تقتضي إزالة بنى السلطة، إلا في الاطار الخدماتي البحت، فالأكثرية الفلسطينية مع هذا الخيار ما دامت لعبة الدم مفتوحة على مصراعيها· لا تعنينا السلطة بل تعنينا فلسطين، فماذا يبقى منها إذا أجهز الفلسطينيون على الفلسطينيين؟''·
مَنْ يضمّ صوته إلى ذلك الصوت من مخيم عين الحلوة ؟

أورينت برس