الخميس 1 ديسمبر 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

عائشة جمعة: وُلدتُ بعين تفهم الحياة

عائشة جمعة: وُلدتُ بعين تفهم الحياة
15 أكتوبر 2015 00:15
متأملة، غارقة في الصفو، طالعة من قيامة السؤال إلى متاهة الحقيقة ومنعرجاتها. إنها الفنانة الإماراتية عائشة جمعة، أحد التجارب الجديرة بالالتفات كونها تثير الدهشة باستمرار، في ابتعادها عن الفن خطوات، وفي عودتها إليه وهي أكثر صرامة ونضجاً. امرأة تقف على تخوم العلاقة الجدلية بين الإنسان باعتباره كائناً متفرداً بذاته، وبين ما يحيط به من مرايا متقابلة لا يمكن التفريق فيها بين ما هو حقيقي، وما هو مجرد ظل. وتحاول أن تجعل من الجمال لغة متجددة تتداخل فيها الكلمة مع اللون، والحركة مع السكون، والكتلة في وجه الفراغ، ومن هذه الجدليات المتقابلة تجنح عائشة جمعة إلى اصطياد ما هو إنساني وحقيقي في هذا الخضم، وتترجمه إلى أعمال فنية مثيرة للإدهاش. في هذا الحوار محاولة للاقتراب أكثر من عوالم هذه الفنانة ورؤيتها للحياة والفن والجمال.. سنبدأ بشكل تقليدي.. هل هناك نقطة بداية للفنان؟ هل هناك تعريف يلخص تجربتك الفنية ومسارها؟ التعريف بالنفس مسألة مركبة تخضع للأعراف أحياناً والبروتوكول أحياناً أخرى، وفي معظم الأحيان يكون التعريف عن النفس مسألة معقدة يقتضي تجاوزها الكذب والتزوير. لكنني على السطح أستطيع القول أنني امرأة إماراتية. ولدت بعين تفهم الحياة من خلال وعي بصري. فأتذكر من الناس خطوط وجوههم ومن الأماكن ألوانها. مارست الفن في صغري حين كنت أنكب كطفلة في الثانية عشرة من عمري على رسم الكاريكاتير السياسي الساخر متأثرة بأخبار القضية الفلسطينية في الصحف وقناة دبي. خلالها نشرت لي الأديبة أمينه ذيبان في حوار تلك الرسومات في الجريدة المحلية. تلك فترة شكلت جزءاً كبيراً من ذاتي وجعلتني متأهبة لمعرفة حقيقة الخير والشر وماهية الألم والسر المكنون في العدل ومكان اختبائه. والفن كان مخرجاً لي نحو بحر الغموض الساحر. أسئلة كبيرة إنها بالطبع أسئلة كبيرة لطفلة في الثانية عشرة من عمرها، وستظل كبيرة دائما. أظن ذلك حدث في منتصف الثمانينيات. وقادتك تلك الأسئلة لدراسة الفن، والنحت تحديداً في القاهرة. وقد نلتِ مرتبة الشرف الأولى بعد التخرج.. هل نتعرف أكثر على فترة الدراسة تلك؟ درست النحت الميداني في كلية الفنون بالقاهرة وتتلمذت على يد الإنسان والفنان النحات القدير المرحوم عبد الهادي الوشاحي الذي علمني الصدق في الطرح والتزمّت ضد التساهل النابع من الكسل أو الخوف. تخرجت سنة 1991. نعم وبتفوق. رغم قلة مشاركاتك في المعارض الفنية، إلا أن بحثك الفني مستمر وبنهم غير عادي، وها أنت بعد 1991، تعودين في 2015 حاملة شهادة الماجستير في الفنون من اسكتلندا. نحن نتحدث هنا عن فترة عشرين سنة كانت مشاركاتك في المعارض والملتقيات متقطعة، بينما دراساتك الفنية في عز اشتعالها، وكأنك كنت تطاردين سؤال الفن في أربع قارات، في مصر ثم في الهند على فترات متقطعة، ثم الولايات المتحدة، وأخيراً أوروبا.. ترى ما السبب؟ ?في العام 2009 وبعد دراستي للفن المعاصر في الولايات المتحدة بخمس سنوات، اتجهت لاسكوتلندا منجذبة لبرنامج الماجستير في الفنون الذي يعنى بعلاقة الفنان والفن بالجمهور والمجتمع. وهو أحد البرامج النادرة. فتكشفت ضالتي ورأيت كيف يمكنني الخروج بفني من إطاره التقليدي سواء من ناحية المكان، حيث تعرفت على ممارسات فنية تتخذ من الأماكن العامة معارض لها. أو من ناحية الأساليب من خلال ممارسات أخرى لا تعتمد على المنتج الفني بل تتخذ الحوار مثلاً أو التواصل المباشر مع أفراد المجتمع أو البيئة أشكالاً فنية خارج إطار المنتج. لقد تعرفت على توجهات فنية تحرر الفنان من مرسمه أو مشغله الخاص وأخرى تعيد للفنانة انتمائه للمجتمع. الشكل والمضمون ?إذن أنت في حالة بحث فني دائم.. ترى عن ماذا؟ - يتلخص بحثي الفني بالتجريب في الأساليب والتقنيات التي تساهم في التعبير عن الصوت الشخصي الإنساني الآتي من خارج العملية الفنية، مع استخدام اللغة الفنية كوسيلة للترجمة البصرية والتواصل مع الآخر. فالفنان في نظري إنسان منفصل عن عالم الفن. لكن جمال الفن يكمن في التعبير عن الإنسانية المحضة والتي ليس بها أية دلائل فنية متعارف عليها من الناحية الجمالية. اللغة الفنية هي أداة للإشارة إلى الإنسان وليس العكس. ?في أعمالك الفنية هناك تطور من النحت الذي يعتمد على أساسيات الكتلة والفراغ، مروراً بالتجريد واستخدام الفيديو والكاميرا. لكن الملاحظ أن الإنسان هو محور جميع هذه الأعمال. فهل أنت تتبعين ثيمة محددة هي (الإنسان) رغم اختلاف الأساليب الفنية، أم أن الشكل يحمل في جوهره مضمون الرؤية الفنية التي تعبرين عنها؟ ?هناك سياقات ومحاور عدة أركّز عليها. لقد بدأت الاهتمام بالعلاقة التبادلية بين الإنسان والمحيط. يمثل المحيط في نظري (المكان، الزمان والمادة). ومنه أسعى لترجمة محيطي فنياً باستخدام التركيب والصوت أحياناً والعروض الحية. أما اهتمامي بالفن بشكل عام فينحصر في مناقشة قضاياه من ثلاث زوايا، الأولى والثانية هما ناحيتين متناقضتين. فقضيتي الأولى هي الفن المنغلق على ذاته والمحدود داخل المعارض والمتاحف والموجه لجمهور ثقافي بعينه. وفي رأيي المعارض والمتاحف تفصل الفنان في جهة والجمهور في جهة مقابله منعزلة. أما القضية الفنية الثانية التي تعنيني فهي مناقشة مدى الجهد الذي يبذله الفنان والمؤسسة الفنية للتواصل المباشر مع الجمهور واعتبار هذا التواصل لبنة التثقيف الاجتماعي بطبيعة الفن، تطور حراكه وتعزيز قيمته في المجتمع. أما الزاوية الثالثة التي تعنيني كثيراً، فهي النظر للممارسات الفنية التي لا تتخطى الحدود المكانية والتي تفصل العمل الفني عن أدوات الحياة اليومية، فأراني منجذبة لتجريب طرائق تمكنني من الخروج من تجربتي الشخصية إلى احتضان تجارب مجتمعية سواء من المحيط القريب والعائلي، كتجربتي مع أختي فاطمة التي قدمتها في كتاب، أو من المحيط المجتمعي العام. الإنسان أولا - لكن هناك تركيز واضح على موضوع الإنسان، بعكس فنانين آخرين تطرقوا للطبيعة، والمخلوقات وغيرها؟ عمل (الولادة) في اللوحات وفي الفيديو المرافق الإنسان هو الركيزة، وفي العمل الثاني (وجهي وظلالكم) يتكرر الأمر نفسه وكذلك في المنحوتات. - في الخصوص مواضيعي الفنية تنحصر في التعبير عن الإنسان كمخلوق ذو وعي من نوع فريد. أسعى للتركيز على الوعي اليقظ في الذات الإنسانية. باستخدام الأدوات اليومية والبيئية المحيطة دون تعديل أو تشذيب، وأحاول بأساليب عدة اجتذاب الوعي الإنساني للحظته الحالية وما فيها من معطيات سواء كانت مادية أو حسية. والإنسان هو محور الطبيعة كلها. وبالرغم من أن فني لا يتبع خطة تقنية بعينها إلا أنه يتقادم بشكل متكرر متأثراً بالطبيعة الإنسانية وعلاقتها بنظرتي الموحدة للحياة. - مالذي يجعل رحلتك مع الفن ممتعة؟ - ما يجعل رحلتي الفنية ممتعة حيث أنني دائمة البحث عن اللغة الجادة التي يمكنها أن تعكس رؤياي، فتجد في أعمالي أساليب عده تترجم زاوية واحده حياتية وفلسفية. بحثي الفني يعتمد على تحويل الموجودات إلى فلسفة إنسانية عميقة. وبذلك أنا دائمة التطلع للفرص من حولي كي أحولها لبيئة خصبة لاحتضان عملي الفني القادم. ? ?للاطلاع على أعمال الفيديو للفنانة عائشة جمعة يرجى زيارة الرابط التالي: http://ashajuma.wix.com/portfolio رحلة فنية مارست عائشة جمعة الفن منذ أن كانت في الثانية عشرة من عمرها. وبدأت بإنجاز رسومات كاريكاتورية سياسية، متأثرة بمجريات الأحداث التي تتابعها. في منتصف الثمانينات انتقلت إلى القاهرة، حيث درست النحت الميداني في كلية الفنون، وتتلمذت على يد الفنان النحات الرحل عبدالهادي الوشاحي. تخرجت بمرتبة الشرف عام 1991. وحصلت عائشة جمعة بعد ذلك على شهادة الماجستير من اسكتلندا، ثم قامت بمتابعات دراسية في الهند والولايات المتحدة الأميركية، حيث درست فيها الفن المعاصر. تعتمد الفنانة الإماراتية التجريب في إنجاز أعمالها، وهي ترفقها دائما برؤى بصرية تنفذها بتقنية الفيديو.
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©