الاتحاد

الرياضي

بيب الفيلسوف الأول

بدر الدين الإدريسي

بدر الدين الإدريسي

من يوصفون بالمدربين العباقرة في العقدين الأخيرين كثر، من مورينيو إلى كلوب مروراً بأنشيلوتي وزيدان وسيميوني، ولكن من يستحق أن يحمل صفة المدرب الفيلسوف والمخترع واحد ليس له قرين، إنه بالتأكيد بيب جوارديولا، فهو وحده من يقود ثورة على نمطية منظومات اللعب، وهو وحده من صمم في عالم خطط اللعب، مجرة تكتيكية لا يعرف سحرها مدرب آخر سواه.
لا أنكر أنني وقفت زمناً مشدوهاً بالبراعة التي يبديها مورينيو في المشاغبة التكتيكية لكسر مجموعة من القيود الموروثة، ولا أستطيع أن أغفل نكهة كاريزما أضفاها الإيطالي كارلو أنشيلوتي على أسلوب لعبه، حتى إننا معه استعدنا بعضاً من الرومانسية المفقودة، ولا خلاف على أن الألماني يورجن كلوب مثل لكرة القدم هواء الواقعية الجديد، إلا أن من استطاع أن يحول مجرى الرياح ويبدع في أزمنة الولاء لخطط اللعب المتوارثة، أسلوب لعب جديدا بدرجة عالية من الجاذبية ومن التعقيد أيضاً، هو جوارديولا، الذي سافر من برشلونة إلى بايرن ميونيخ ومنه إلى مانشستر سيتي وفي يده جواز السفر نفسه وبصمة اللعب نفسها وفلسفة الحياة نفسها.
تشبع جوارديولا كثيراً بالفكر التكتيكي لمعلمه الأول، الأسطورة يوهان كرويف، القائم على الانطلاق دوماً نحو الهجوم، ومن خيوط ذلك الفكر نسج منظومة اللعب التي ستشتهر في ما بعد بـ«التيكي تاكا»، بل وستصبح من العلامات المسجلة في بنك الخطط من سالف العصر إلى اليوم، فلسفة تقوم على الاستحواذ الإيجابي، والذي يفرض اعتماد الضغط الحالي لمحاصرة المنافس في مناطقه، ولكن باعتماد أسلوب صارم في تحريك الخطوط الثلاثة بتناغم شديد، ومن دون ترك الكثير من الفراغات.
وبخلاف ما كان يذهب إليه المدربون من أبناء جيل جوارديولا، في ضبط أسلوب اللعب مع الخامات الفنية للاعبين، عملاً بمقولة إن الفرق هي التي تصنع المدربين وليس العكس، فإن الفيلسوف جوارديولا لا يتنازل أبداً عن فلسفته التكتيكية، فاللاعبون هم من يتوجب عليهم أن يجتهدوا للدخول إلى رحاب عالم مدربهم وليس العكس، وطبعاً إن نجحوا في الدخول إلى فلسفته تمكنوا من إبراز قدراتهم الفنية، واستخراج ما هو قابع في دواخلهم من إبداع.
وكأي فلسفة لعب سادت في زمن كروي ما، وتعرضت لمضادات تكتيكية من مدربين آخرين بهدف إسقاطها وتقويضها، فإن من يتحركون اليوم في رحاب كرة القدم العالمية، يسعون إلى معاكسة «التيكي تاكا»، ولكنهم لا يتوقفون عن الحلم باستنساخ فلسفة جوارديولا.

اقرأ أيضا

سيميوني حول توقيع جودين للإنتر: إنه مجرد كلام من ماروتا