الاتحاد

دنيا

تنبؤات المنجمين ··· هوس يتجدد مع كل عام

تحقيق - نسرين درزي:

احترسوا من الغيب··· وأخبروا كل من تعرفونهم بأن لا يمروا في الشوارع ولا يسكنوا في المدن ولا يركبوا الطائرات ولا القطارات ولا الباصات ولا السيارات، وأن لا يجاوروا الكبار الكبار·
هذا ليس مشهدا لمسرحية هزلية أو سكتشا من سكتشات لا يمل وإنما أمر واقع يدور في الجلسات وصالونات التجميل والمكالمات الهاتفية·
والمرأة وإن كانت الأكثر ظهورا في الصورة، إلا أنها ليست وحدها المشدودة لأخبار الفلكيين، فالرجال يهتمون بالأمر ويتداولون في التخمينات والترجيحات الفلكية، ولكن على طريقتهم· في جلسات الشيشة وقاعات البورصة، وبأسلوب المزح المتقن المراد به الجد·
وفي جولة على المكتبات التي تعرض كتب الفلك في واجهاتها الرئيسية وتفاخر بها كآخر صيحات الموضة، عرفنا أنه خلال الشهر الأول من السنة نفذت كميات كبيرة من كتب الفلك وأعيد طلب نسخ عديدة منها وخصوصا كتابي ماغي فرح وجمانة قبيسي·
يقول راكاش ديسوزا (موظف في إحدى المكتبات) إن المراهقات هن الأكثر إقبالا على كتب الأبراج، فيما الرجال يهتمون أكثر بكتب علم الغيب الصينية· ويشير إلى أن الزبون يضــــع يده مباشـــرة على كتاب الفلك الذي يريده بحسب اسم مؤلفه، فلا يتفحصه كما هي العادة مع أي كتاب آخر، وإنما يخــــتاره بكل ثقة ويدفع ثمنه بكل رضا ·

ثقافة عامة!

وهذا ما لمسناه فعلا عندما التقينا حلا إبراهيم ونورا شولي· وهما صديقتان في الصف الثالث ثانوي أنهتا دوام المدرسة وقصدتا المكتبة لشراء كتابين لأبراج ·2007 كل منهما كانت تقنع الأخرى بالكتاب الذي تريد أن تشتريه، دنونا منهما للتعرف على ما يجذبهما في علم الغيب:
تقول حلا إبراهيم إنها تتابع أخبار الأبراج ولقاءات الفلكيين مع بداية كل سنة كنوع من الثقافة العامة، وأنه لا يمكن إنكار ما يعرف بعلم الفلك بل يجب احترامه كونه علما قائما بذاته· والتاريخ شاهد على الكثير من التوقعات التي حدثت فعلا وكان قد أشار إليها بعض الفلكيين ·
وتتابع حلا باستمرار آخر المقابلات التلفزيونية لعلماء الفلك لتكون في الصورة وتتناقل ما سمعته مع صديقاتها· وتعتبر أن المرأة تميل إلى مثل هذه الروايات أكثر من الرجل بسبب اتساع وقت الفراغ لديها·

ليست سخافة!

وتدافع نورا شولي عن كلام المنجمين قائلة: لا يمكن اعتبار تنبؤات الفلكيين سخافة، ومن غير المنطق أن نكذبهم أو نستهتر بتحليلاتهم، وإنما من المفــــــــيد الاطلاع على قراءاتهــــــــم مع بداية كل ســـــنة، إن لم يكـــــــن من أجل التصديق فأقله من باب المعرفة بالشيء · وتضيف أن الأدلة التي يستشهد بها المنجمون تستفزها وتدعوها سنويا لشراء كتاب واحد على الأقل·

تسلية

ومن الرجال القليلين الذين يعترفون بمتابعتهم لأخبار الفلك، فادي قدري الذي يذكر أنه يستمع إلى المنجمين من باب التسلية، موضحا أنه يؤمن بعلم الفلك وتأثير حركة الكواكب على مزاج الأشخاص، لكنه لا يصدق كلام الأبراج· وهو يعرف الكثير من المدمنين على متابعة أخبار علم الغيب ومن ضمنهم أمه وأخته اللتان لا حديث لهما مع مطلع كل عام جديد سوى توقعات الفلكيين·
علم مثير

ومثله أحمد كعبر الذي ينظر إلى علم الفلك باحترام ويصفه بالعلم المثير، ويرى أن الكثير من التوقعات قد تحدث أو تكون قريبة من الواقع، وهذا أمر ملفت بالفعل، وأنا أتفاءل بالجيد وأتجنب السلبيات· ومع ذلك يجب ألا نبني حياتنــــــا على كلام الفلكيين وأن نربط مصــــــيرنا بنصائحهم، كي لا نقع في الخطيئة، فلا يعلم الغيب إلا الله عز وجلَّ ·

ليست مقنعة

أولئك كانوا المدافعين عن كلام الفلكيين، لكن ماذا عن الرافضين كليا لكلام المنجمين؟
كان مصطفى عبد اللطيف يرتشف من فنجان قهوته وهو ممعن بقراءة كتاب أدبي، عندما اقتربنا منه وسألناه ما إذا كان يهتم بقراءة الأبراج فرد مبتسما: لا أقتنع بهذا الكلام على الإطلاق وأعتبره مضيعة للوقت، وفي الحياة أمور كثيرة أهم بكثير من التعلق بتنبؤات قد تكون كاذبة · مصطفى فنان يغني في الليل ويقرأ في النهار بقصد تثقيف نفسه، وهو يتوجه يوميا إلى المكتبات العامة ويمضي فيها ساعتين على الأقل لمطالعة الكتب التاريخية والدينية·

خزعبلات

من جهته أحمد الخزنجي يقول انه لا يؤمن بأخبار علماء الفلك فيما يتعلق بالغيب ويعتبرها مجرد مقترحات وتنبؤات غير حقيقية مبنية في معظمها على قراءات للأوضاع السياسية العامة· لذلك أفضل أن أتابع الأخبار وأحلل بنفسي ما يمكن أن يحدث في المستقبل، ولا داعي للوقوع تحت مؤثرات من يتلاعبون بأعصاب الناس · ويرى أن الشبــــاب ينجذبون مع بداية كل سنة لكلام المنجمين لأنهم يريدون الكسب السريع مما يجعلهم عرضة لهذه الخزعبلات ·
ويذكر صديقه عبد الله أحمد أنه لم يسبق له أن قرأ في علم الفلك ولكنه شاهد حلقة تلفزيونية لأحد المنجمين وهو يسرد تنبؤاته للسنة الجديدة· وكانت وجهة نظره أن كلامه نتيجة لدراسات متطابقة لظروف حدثت في السابق وقد تكون مطابقة للأوضاع الحالية· وعن نفسه فهو يعرف ما إذا كانت سنته خيرا من أول أسبوع فيها، لأن المكتوب يعرف من عنوانه ·

خوف المجهول

مع كل ما تقدم من آراء يتضح أن تعلق الإنسان بعلم الغيب له مدلولات نفسية لا بد من التوقف عندها·
استشاري العلاج النفسي الدكتور محمد حسين علي يوضح أن سبب تعلق الإنسان بعلم الغيب يعود إلى خوفه من المجهول ومن القدر واحتمال وقوع الكوارث· وهذا القلق أكثر ما يصيب الأشخاص الذين يعانون من أوضاع اجتماعية وسياسية غير مستقرة، فنراهم يهتمون باستقراء الغيب والطالع ويلجأون إلى المنجمين لعلهم يهدئون من روعهم·
ويشير إلى أن هنالك شخصيات كبيرة تطلب من علماء الفلك وعلى مدار السنة أن تقرأ لها طالعها، وتدفع في سبيل معلومة صغيرة أموالا طائلة·
وهذا الأمر ليس ظاهرة حديثة أو موضة مؤقتة وإنما واقع موجود على مر العصور لأن حشرية الإنسان تجاه المستقبل تكبر وتتضخم كلما زاد حرصه على تحقيق الأمان والديمومة في ما ينعم به من خير أو في ما يسعى إليه·
ويفسر الدكتور محمد حسين علي إقبال المرأة أكثر من الرجل على اكتشاف أسرار الغيب، بأن العنصر النسائي هو الأكثر قلقا والأكثر ميلا إلى الاكتئاب· وهذا ما يجعل المرأة تسعى لطمأنة نفسها، كونها الأكثر حنانا على من حولها وهي المسؤولة عن العائلة وعن حماية أبنائها، كما أن تحيز المجتمع ضد المرأة لصالح الرجل يجعل منها شخصية حذرة تلجأ إلى أخبار المنجمين لدراسة وضعها ومعرفة حظها· وهو يحذر النساء والرجال على حد سواء من التصديق الكلي لكلام المنجمين واللهاث وراء توقعاتهم كي لا يصابوا بهوس يؤدي إلى حالات مرضية·

تخاريف

ويعتبر الدكتور محمد حسين علي أن علم الفلك الحقيقي هو ما يعنى بالأرصاد الجوية والدراسات المنتظمة حول حركة الكواكب وأوضاع الكون، أما ما يعرف بقراءة الطالع فهي بنظره مجرد تخاريف ثقافية لا دليل على صحتها ولا تتعدى كونها احتمالات قد يتحقق بعضها بالصدفة· فكل الأمور التي يتنبأون بها موجودة في الحياة، ويكفي أن نتتبع الأحداث العالمية والإقليمية والمحلية على مر السنوات حتى نستشف ما يمكن أن يحدث هنا ويقع هناك · وينصح جميع من ربطوا مصيرهم بتنبؤات فلان أو تنجيم علان ، أن يكونوا أكثر عقلانية وألا يقعوا في فخ التصديق وأن تكون قراءتهم للأبراج من باب المتعة وليس الجدية·

اقرأ أيضا