الاتحاد

دنيا

سالمة التميمي: أركز على توعية المجتمع بخصوصية فئة الصم

سالمة التميمي تمارس عملها في أحد الصفوف (تصوير يوسف السعدي)

سالمة التميمي تمارس عملها في أحد الصفوف (تصوير يوسف السعدي)

ليست صماء لكنها تحب الصم وتعبر بصوتها عنهم، وبقلمها عن قضاياهم وهمومهم واحتياجاتهم، حيث تطوعت في كثير من الأنشطة لخدمتهم وتطوير قدراتهم ومهاراتهم، إنها الشابة الإماراتية سالمة التميمي، التي تعمل مدرسة متخصصة ومدربة معتمدة للغة الإشارة في مركز العين للرعاية والتأهيل التابع لمؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة منذ ثلاث سنوات مضت، ومازالت تكرس جهودها لخدمة هذه الفئة، والتوعية بخصوصيتها من خلال الدورات التدريبية التي تعطيها.

غدير عبد المجيد (العين) - سالمة التميمي لديها إعاقة حركية في رجلها اليمنى سببتها حمى شوكية أصابتها في عمر الستة أشهر، الأمر الذي جعلها منذ أن كانت طالبة على مقاعد الدراسة الجامعية تحب القيام بأعمال تطوعية تخدم فئة قريبة منها ألا وهي فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، فكانت تجالسهم وتحاورهم وتساعدهم وتشاركهم أنشطتهم وتحمسهم على إثبات وجودهم، وذلك في مركز زايد لذوي الاحتياجات الخاصة الموجود داخل الجامعة، وبعد أن تخرجت حاملة درجة البكالوريوس في اللغة العربية وآدابها، وجدت نفسها تبحث عن وظيفة تخدمهم من خلالها، حتى أصبحت مدرسة للغة الإشارة.
جهد ذاتي
بعد أن تخرجت التميمي في الجامعة لم تجد صعوبة في إيجاد وظيفة إذ قبلت في أكثر من مؤسسة، لكنها لم تكن ترتاح لأي منها، وظل لديها هدف يراودها وهو أن تجد وظيفة تجمع بين أجر الدنيا والآخرة، فتقدمت لمركز العين للرعاية والتأهيل وقبلت على الفور، وعينت بوظيفة مدرسة للغة الإشارة وهنا بدأت التحديات المهنية، والتي تكمن في عملها بتخصص لم تدرسه ولا تملك أدنى معلومة عنه، لكنها قبلت التحدي ليبدأ مشوارها معه.
وتشير التميمي إلى أنها تعلمت لغة الإشارة عبر الصم أنفسهم حيث إنهم ساعدوها في تعلمها وكذلك عبر ملازمتها لحضور الحصص الصفية لمعلمة لغة الإشارة التي كانت تسبقها في العمل في المركز، حيث لازمتها لمدة أسبوعين بعدها ذهبت المعلمة لأداء فريضة الحج، فوجدت التميمي نفسها في موقف صعب حيث حلت محلها، وبعد عودتها من الحج فوجئت بأن التميمي أصبحت على دراية تامة بلغة الإشارة وتحسن تدريسها للطلبة الصم.
وعلى الرغم من أن التميمي قارئة نهمة منذ الصغر، وتعمل جاهدة على قراءة الكتب المتعلقة بالصم وبلغتهم إلى جانب قراءة كتب على شبكة الإنترنت عنهم، واكتسبت الكثير من المعارف والمعلومات التي أفادتها في تعلم لغة الإشارة والتعامل مع الصم، علاوة على التحاقها عبر مركز العين للرعاية والتأهيل بدورة متخصصة لإعداد مدربي لغة الإشارة المعتمدين، حيث درست 300 ساعة تدريبية فأصبحت مدرسة متخصصة ومدربة معتمدة للغة الإشارة، إلا أنها لا تزال تشعر بأنها غير متمكنة من لغة الإشارة، معللة السبب بأن لغة الإشارة بحر واسع وعلم لا حدود له حيث إن لغة الإشارة تختلف من مدينة لمدينة ومن دولة لدولة تماما كما تختلف اللهجات، ويوجد لغة إشارة عربية موحدة تستخدم في التدريس، ولغة إشارة محكية للهجة الإماراتية المحلية تستخدم في التواصل اليومي.
وهي توجه رسالة للمجتمع مفادها أنه يجب ألا نربط بين الصمم والقدرة العقلية، وألا ننظر للصم على أنهم أناس عدوانيون وانعزاليون بل هم أناس طيبون وقادرون على العطاء والإبداع، ويحبون الحياة والناس، وينتظرون منا أن نفتح قنوات للتواصل معهم، مشيرة إلى أن «لهم خصوصية علينا أن نعيها ونحترمها».
طبيعة المهام
حول طبيعة المهام التي تقوم بها كمدرسة متخصصة ومدربة معتمدة للغة الإشارة، تقول التميمي «لدينا في المركز عدة صفوف تبدأ من الروضة ولغاية الصف التاسع، وأنا مسؤولة عن تدريس الصم من كلا الجنسين منهاج اللغة العربية للصف الخامس والسادس باستخدام لغة الإشارة، وهو المنهاج نفسه الذي يدرسه الطلبة في المدارس الحكومية والخاصة في الدولة، واستخدم في الشرح وسائل تعليمية بصرية كالصور والفيديوهات والمخططات والرسومات والقواميس البصرية، والصعوبة الأكبر في التدريس أنه قد يكون الدرس قراءة ومكون من 5 صفحات مثلا، ولو درسته للطلبة بالشكل الذي هو عليه سيملون ويتعبون، فأعمد للجلوس لتلخيصه في عدد صفحات أقل دون أن أخل بالأهداف التعليمية المبتغاة منه والأسئلة التابعة له وهذا بدوره يأخذ مني وقتا وجهدا مضاعفا».
وبالنسبة للتدريب وهو الدور الثاني الذي تلعبه التميمي عبر عملها في مركز العين للرعاية والتأهيل، والذي يتمثل بتدريبها لموظفين من مختلف مؤسسات الدولة ومراكزها مجانا، حيث توجه تلك المؤسسات كالبلديات والوزارات والجامعات وغيرها خطابات إلى المركز تطلب مدربات لتدريب الموظفين السامعين على تعلم لغة الإشارة. وترفض التميمي أن تكون الدورة التدريبية أقل من 24 ساعة لضمان وصول المتدرب إلى أساسيات لغة الإشارة بشكل يكون فيه قادرا على التواصل مع الأصم، وقد تستمر بعض الدورات لمدة أسبوعين أو شهر حيث أن التدريب على مستويات فهناك المستوى الأول والثاني والثالث.
وتلفت التميمي إلى أن إقبال المؤسسات والوزارات على تدريب موظفيها على لغة الإشارة في تزايد ملحوظ، الأمر الذي يسعدها ويدفعها للتفاؤل بأن الوعي يزداد بضرورة تعلم هذه اللغة التي بدونها يصعب التواصل مع فئة لها وجودها ودورها في المجتمع. في السياق ذاته تقول «لا أركز في التدريب على تعليم لغة الإشارة فحسب بل أتطرق إلى التعريف بالأصم وثقافته واحتياجاته ومشكلاته، ليكون هذا المتدرب معاونا مساعدا للأصم في المستقبل سواء في إطار عمله أو دراسته أو في حياته».
أبرز المشاكل
وجدت التميمي تجاوبا كبيرا مع المتدربين على اللغة. تقول «ما أفرحني أن الكثير ممن حضروا دوراتنا من الموظفين أحبوها ونجحنا في تحبيبهم بهذه الفئة لدرجة أنهم انطلقوا يعدون أنشطة ومشاريع وأوراق عمل تخدم الصم، فدوري كمدربة ليس تعليميا بقدر ما هو توعوي، وكلما زاد عدد متعلمي لغة الصم من فئات المجتمع المختلفة سهل ذلك على الأصم حياته وتعامله مع غيره، وسهل اندماجه في المجتمع ودراسته وعمله وممارسته لحياته الطبيعية».
وتركز التميمي على أكبر مشكلة تواجهها في تدريب الموظفين السامعين على لغة الإشارة، والتي تكمن على حد تعبيرها في استهتار بعضهم وعدم اقتناعه بلغة الإشارة، ويتخذ الدورة التدريبية مجرد وسيلة للخروج من الدوام الرسمي، فيرفض التجاوب معها كمدربة أو يخجل من أداء لغة الإشارة، الأمر الذي يدفعها إلى معالجة الأمر بروية وصبر وحكمة وحزم في الوقت نفسه، والحرص الشديد على القيام بأساليب تحبب المتدرب بالدورة وبالصم وبلغة الإشارة، فالتدريب في النهاية فن له أصوله وقواعده وليس من السهل إتقانه.
وتؤكد التميمي أنها تحرص على في كل دورة تدريبية تقدمها على توزيع حقيبة تدريبية متكاملة تحوي الشروط الواجب الالتزام بها في قاعة التدريب، ونوع النشاط اليومي الذي سيؤدى أثناء فترة التدريب، بالإضافة إلى المادة العلمية والإشارات الخاصة بلغة الإشارة، إلى جانب وجود شاب أو فتاة من فئة الصم للمساعدة في التدريب وليقوم المتدرب بالتطبيق العملي مع هذه الفئة عبر حديثه بلغة الإشارة مباشرة معهم.
وتسلط التميمي الضوء على إيجابيات المهنة التي تعمل بها والتي تكمن في أنها تجد نفسها كل يوم في تحد جديد، وتكتسب خبرات ومهارات وثقافة ولغة جديدة تتطور يوما بعد يوم، كما أنها بفضل عملها مع الصم اكتشفت جوانب جميلة جديدة في شخصيتها وأصبحت تسعى نحو تنميتها، علاوة على الشعور بالسعادة والرضى التام عن نفسها وعملها وسعيها الدؤوب نحو غرس الأمل والتفاؤل والرغبة في العطاء والإنجاز في قلب كل أصم وصاحب إعاقة.

قاموس إشاري إماراتي
تعتبر سالمة التميمي مسؤولة عن مبادرة إصدار قاموس إشاري إماراتي على مستوى الدولة، وهي تعمل حاليا مع فريق من مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة ومختلف المراكز المتعاملة مع الصم في الدولة على إعداده ليرى النور قريبا.

عشق لغة الضاد
درست سالمة التميمي اللغة العربية وآدابها في جامعة الإمارات العربية المتحدة في الوقت الذي اعتقد فيه كثيرون ممن عرفوا درجة تميزها الدائمة في المدرسة بأنها لن تكون إلا طبيبة أو مهندسة، لكنها اختارت هذا التخصص على وجه التحديد لعشقها للغتها الأم، ولأنها تملك قدرات أدبية عالية نمت جذورها منذ الصغر في كتابة القصص الأدبية القصيرة والشعر والمقالات، لدرجة أنها تميزت في دراسة التخصص الذي انسجم مع ميولها ورغباتها وتخرجت منه بامتياز مكملة مشوار الإبداع الذي بدأته في مرحلة المدرسة حيث كانت الأولى دائما على صفها.

اقرأ أيضا