أرشيف دنيا

الاتحاد

لست نادمة على القتل

في بيتنا الأمور كلها مقلوبة، تسير في الاتجاه المعاكس وتدار بالطريقة الخطأ وبالشكل المعوج، فالقول الفصل عندنا ليس للرجل، وإنما للمرأة فأبي لا حول له ولا قوة ودوره ينتهي عند العمل وان يقدم كل ما بين يديه من أموال لأمي، لا يبقى له شيء وتلقي بالشكوك حول ذمته، تتهمه دائما بالخيانة أو بالسرقة من هذه الأموال، وفي النهاية هو مثل اخي الطفل يحصل منها على مصروفه اليومي بعد جهد، وبعد أن يستخدم كل الحيل ووسائل الاستجداء، وتعطيه القليل ولا يجرؤ على التعبير عن رأيه أو المشاركة في صنع قرار يخص الأسرة أو يخصه هو شخصيا هي التي كانت تختار له ملابسه وحاجياته، وتمنع وتمنح وقتما تريد، كنت اشعر أنها تستقوي عليه باخوتها الأربعة، وأبي يقيم في منزل بينهم مثل الغرباء، حاولوا مرات عديدة أن يعتدوا عليه بالضرب بتحريض منها وهي سعيدة بإذلاله حتى يظل تابعا لها، وتأخذني الغيرة عليه لكنني ضعيفة لا اقدر على شيء، فأنا فتاة بين ولدين، وكان الولدان يشاركانني مشاعري في الانحياز لابينا، لكننا لا نجرؤ على التعبير عن ذلك أمام جبروت هذه المرأة الطاغية التي هي أمنا، صاحبة الأمر والنهي المتحكمة في جميع شؤوننا، وعندما يأتينا ضيوف او زوار كانت هي التي تجالسهم وتأمر أبي بإعداد الشاي أو المشروبات لهم وكان هذا هو المعتاد عندنا وعند من حولنا الذي عرفوا ذلك واعتادوه، حتى إذا كانت هناك قضية بيننا وبين أي شخص آخر فإنه يناقشها معها هي لا مع أبي، كنت كثيرا ما أتساءل لماذا يصر هذا الرجل على البقاء معها؟ وان كان غير قادر على تطليقها خشية سطوتها وسطوة إخوتها، يمكنه أن يهرب بجلده.
أخي الأكبر كان نسخة من أبي في موقعه في البيت يلاقي نفس التصرفات من أمي، عودّته الخنوع وقبول أي وضع، وانطبق عليه القول: من شابه أباه فما ظلم، ولا أدري ان كانت شخصيته هكذا بالوراثة، أم هو البر بأمه وطاعتها واستبعد ذلك، ربما هو خوف منها، فيدها الطويلة تمتد إليه والينا كثيرا بالضرب منذ أن كنا أطفالا ثم صبية وبعد أن اصبحنا فتية، وصار أخي شابا وأراد أن يتزوج ابنة عمه، والتقى في ذلك مع رغبة أبيه، وقامت الدنيا ولم تقعد عند أمي وهي تسب كل أقارب أبى وتصفهم بالعقارب رغم أنهم بعيدون عنا ولا يخالطوننا ولا يزوروننا بسببها، وأصدرت فرمانها العالي بعدم فتح هذا الموضوع ووأد هذه الرغبة ودفن هذه الفكرة إلى الأبد، وشفعت فرمانها بآخر ما عندها بان يتزوج أخي من ابنة خاله أي ابنة اخيها وكان لها ما أرادت، وأصيب أخي بالإحباط لكنه تعايش مع الواقع وقبل الأمر، والغريب انه عاش حياته بشكل طبيعي.
أخي الصغير لم يتجاوز العاشرة من عمره بعد، ولذلك ليس له موقف يعيش بعض طفولته لا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء ولا يعرف أسس وأصول إدارة شؤون الأسرة، ولا يدرك التجاوزات وانقلاب الأمور، يرى امه صاحبة الولاية، وأباه هكذا دوره لا شيء يهم، أما هذا الرجل الذي هو أبي فقد توفاه الله منذ ما يقرب من عامين، وظلم ميتا كما ظلم حيا، فقد رفضت هذه المرأة ان تنفذ وصيته او مطلبه بأن يدفن مع ابيه في قبر واحد، وقررت دفنه في قبر اختارته هي، ولا اعرف ماذا يضيرها في هذا وبعدها لم تتغير الأحوال وكأنها لا ينقصها شيء، ولم تفقد زوجها وواصلت استرجالها، لم تغيرها الأيام رغم أنها تخطت الستين وبدأت الأمراض تهاجم جسدها والشيخوخة تطبع أختامها على وجهها واطرافها وغزا الشيب مفرقها وقلت حركتها لكن لسانها لم يتأثر ولم يقترب منه الكبر الذي أصابها كلها.
أما أنا فلم اشعر يوما أنني فتاة ولم اعش طفولتي واخرجتني إلى العمل مبكرا، ورفضت أن التحق بالمدرسة متعللة بأن مصير الفتاة هو البيت، أو بيت زوجها، إذن ليس هناك ما يدعو لتعليمها والإنفاق عليها، وحولتني إلى خادمة بلا أجر، لا تتوقف لحظة عن إصدار الأوامر والنواهي التي لا يمكن ان تخلو من السباب والشتائم وربما اللكمات والضربات، ويا ويلي لو تجرأت وتفوهت بكلمة اعتراض او حتى تعليق، ومع هذا كنت الوحيدة التي تستطيع أن تقول لا، فهي التي جعلتني متمردة بقسوتها وسوء تصرفاتها وتعاملاتها، لم تراع يوما انني فتاة، لم اشعر بأنها أمي وأنا ابنتها، المسافات بيننا بعيدة وتزداد الهوة اتساعا، جعلتني شخصية متجمدة متحجرة بلا أحاسيس ولست مثل بقية الفتيات اللاتي كنت أغار من معاملة أمهاتهن لهن، ورغم ذلك فإنني في النهاية أنثى، ودق قلبي ودخله الحب، ربما لأن “محروس” هذا السائق الذي كان جارا لنا ونشأنا معا يعرف عنا أدق تفاصيل الحياة، هو الوحيد الذي كان يعزيني، أسمعني الكلمات الرقيقة ووجدت عنده حنانا افتقدته في كل من حولي هو دائما أمام عيني وقليلا ما تتاح لنا فرصة الكلام وتبادلنا الحب والغرام والاعتراف بذلك مع الخوف الشديد أن يعرف احد بهذا الجرم ورصدت العيون اللقاءات المتعددة وبدأت اخبارها تتسرب حتى شاهدتني ابنة أخي الأكبر وأنا أتحدث معه وأخبرت أمي ولا استطيع أن اصف ثورتها وبركانها وزلزالها في ذلك اليوم ولا اعرف ماذا قالت ولا ماذا قررت وكل ما فعلته أنني لذت بالصمت حتى لا تزداد النيران اشتعالا ولعلها تهدأ بعد ليلة حالكة الظلام.
وعلم “محروس” بما حدث فهرع بعد عدة أيام قليلة إلى أمي في بيتنا يؤكد لها انه ليس بيننا ما يشين ولا ما يخجل وانه يريد أن يخطبني ليؤكد لها حسن نواياه وشرف مقصده وقوبل طلبه بالرفض التام وهددته بألا يقترب من منزلنا وإلا فإنه سيلقى ما لا يحب ويواجه ما لا تحمد عقباه ومالا قبل له به وطردته شر طردة تلاحقه شتائمها ولعناتها وغادر البيت عسى ان تهدأ العاصفة وفوجئت بها تحضر لي عريسا وتريد أن تتم الخطبة والزفاف خلال شهر وشعرت أن هذا إعلان بموتي ورفضت واشتدت الحرب وأصر كل منا على موقفه ولا يخفى عليَّ ولا على “محروس” أن أمي حجر عثرة في طريق سعادتنا وتأبى أن تتحقق رغبتنا وقرر ان يعيد الكرة، وفي المساء كنت وحيدة أنا وهي عندما جاء فجأة وطرق الباب، فتحت له وتوجه إليها يستعطفها بأن تجيب طلبه المشروع فانهالت عليه بكلمات كالرصاص وبادرت بقذفه بطوبة كانت بجوارها فاندفع نحوها يمسك بتلابيبها ويطرحها أرضا وبدأت تصرخ وهرولت نحوهما وجثمت على جسدها واطبق “محروس” على رقبتها بكلتا يديه ولم تستطع أن تفلت من ايدينا وفي دقائق معدودة كانت جثة هامدة وشعرت بأنني تخلصت من حمل ثقيل ومن عناء السنين اختلطت فرحتي بحزني وألمي بأملي وتداخلت مشاعري.
تسلل “محروس” خارجا، وبعدها صرخت اعلن موت أمي وجاء الطبيب ليكتشف أن الوفاة جنائية وحامت حولي الشكوك وأشارت اليَّ أصابع الاتهام واعترفت لكنني لم أندم فما كانت هذه يوما أمي ولا كنت ابنتها

اقرأ أيضا