الاتحاد

دنيا

أنت مع من أحببت

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال : “يا رسول الله أدعو الله لي أن أدخل الجنة، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : وماذا أعددت لها ؟ فقال : يا رسول الله ما أعددت لها كثير صيام، ولا كثير صلاة، ولكنى أحب الله ورسوله، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم): أنت مع من أحببت “ ولعلنا نلحظ في هذا الحديث عدداً من الأمور منها:
أولاً : اختيار ذلك الصحابي لنوعية من يكونون أهلاً لتوقيره ومحبته، فليس هناك أفضل من النبي (صلى الله عليه وسلم) كي يكون أهلاً لهذا التقدير وتلك المحبة.
ثانياً: انعكاس تلك المحبة على الفعل والسلوك، فليس من المستساغ أن يزعم إنسان المحبة لله ورسوله، ثم يبارزهما بالمعصية والمخالفة.
ثالثاً: الثمرات الهانئة المترتبة على المحبة الصادقة، وقد بٌَشر هذا الصحابي بتلك الثمرة حينما قال النبي - صلى الله عليه وسلم- مخاطباً إياه “أنت مع من أحببت” أي أن هذا الرجل بصدقه في محبته لرسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وانعكاس تلك المحبة على أفعاله وسلوكه إنما هو رفيق للنبي (صلى الله عليه وسلم) في الجنة ، وأنعم بذلك من صحبة ورفقة.
رابعاً : أن للمحبة ثمراتها، وللعاطفة الصادقة قطوفها، ومن ثم اعتبرها الإسلام وجعلها سبباً في سكنى الإنسان أعالي الجنان.
ومن ثم يعتبر الإسلام أن محبة النبي (صلى الله عليه وسلم) فرض واجب على كل مسلم، به يفضل الإنسان ويؤثر محبة رسوله الكريم على ذاته ونفسه وولده، والناس أجمعين.
يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ونفسه، فقال عمر : والله يا رسول الله إنك لأحب إلى من مالي وولدي إلا نفسي، فقال النبي (صلى الله عليه وسلم) : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده ونفسه، فقال عمر : والله يا رسول الله إنك لأحب إلي من مالي وولدي ونفسي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم : الآن يا عمر” .
وفى حديث آخر يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين” . وينظر الإسلام إلى هذا النوع من المحبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه طريق موصل إلى محبة الله سبحانه وتعالى ومرضاته ، وسبب في مغفرة ذنوب الإنسان وسيئاته، يقول الحق سبحانه وتعالى “قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ” آل عمران 31.
ولا يعنى ذلك أن الإسلام قد أهمل حاجة الإنسان الفطرية إلى محبة نفسه وذاته ودعاه إلى إهمال هذا الجانب. كلا بل إن من الأمور المعتبرة في الإسلام والمؤكدة في تشريعاته أن محبة الإنسان لنفسه وذاته هي من صميم الدين وذروة سنامه، فالإنسان كائن مركب من نفس وعقل وجسد، ومن الإسلام بل من الضرورات الخمس التي يأثم الإنسان على تركها؛ التفريط في أحد هذه الجوانب الثلاثة، ولهذا جٌرم على الإنسان أن يتعاطى ما يضر بجسده أو يفتك بنفسه، أو يٌذهب بعقله، بل إن الحدود الشرعية قننت في الإسلام لمن تعرض بأذى أو ضرر لأحد هذه الجوانب الثلاثة (الجسد، النفس، والعقل) وهذا من علامات احترام الإسلام لذات الإنسان وحثه على محبتها والاهتمام بها، أضف إلى ذلك أن للمحبة والعاطفة مظاهر متعددة ، وصوراً شتى في الحياة تعود في مجملها إلى محبة الإنسان لربه سبحانه وتعالى، ومحبة الإنسان لنبيه (صلى الله عليه وسلم) .
فمحبة الإنسان لذاته مرجعها إلى أن الإنسان بنيان الله، وملعون من هدم بنيان الله.
ويلحق بذلك محبة الإنسان لوطنه وهى مظهر من مظاهر الانتماء للأرض التي نبت فيها الإنسان، فيرتبط معها بعاطفة جياشة من الحب والولاء تجعل من فروض الأعيان عليه أن يدافع عن حياضها إذا ما داهمها عدو، أو أصابها ما يضر بمجتمعها، ويعبر النبي (صلى الله عليه وسلم)، عن هذه المحبة وهذا الانتماء والولاء بقوله مخاطباً جدران مكة لدى الهجرة “والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله وإنك لأحب بلاد الله إلى نفسي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت”.
ويمتد الحب في مفهوم الإسلام ليمثل علاقة وارتباطاً بين الإنسان وجميع أجناس الوجود؛ فالمكان بما يحويه من جماد وحيوان له نصيب من عاطفة الإنسان وحبه في مفهوم الإسلام، فالنبي (صلى الله عليه وسلم) قال في حق (أٌحد) وهو جبل أصم “ أٌحد جبل يحبنا ونحبه”.
بل إن هذه المحبة مع الجماد أخذت صورة فعلية في حياة النبي الكريم، فجذع النخل الذي كان يعتليه النبي (صلى الله عليه وسلم) في خطبة المسلمين ارتبط بعلاقة حب وعاطفة مع النبي لأجلها بكى عندما اتخذ عليه الصلاة والسلام منبراً غيره، ولم يسكن أنينه حتى ضمه النبي الكريم إلى صدره ودفنه بيده بجوار منبره، ومن ثم ورد عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قوله: “إذا مات ابن آدم بكى عليه موضعان : موضع سجوده في الأرض، وموضع صعود عمله الصالح إلى السماء” فهذان الموضعان اللذان ورد ذكرهما في الحديث قد ارتبطا بالحب مع الإنسان وعمله الصالح، حتى انفعلا لموته وأصابهما الحزن لفراقه.
كذلك نجد عاطفة الحب في الإسلام تشمل كل مسلم، بل كل إنسان في الكون والوجود، يقول النبي صلى الله عليه وسلم “ لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه”.
وفوق ذلك كله تأتى محبة الإنسان لزوجته وأهل بيته، هذه المحبة التي يترجم عنها النبي (صلى الله عليه وسلم) من خلال وفائه للسيدة خديجة رضوان الله عليها، ومحبته لها حتى بعد وفاتها، وقد كان يقول لزوجاته “ أكرموا فلانة فإنها كانت تأتينا أيام خديجة”.
بل إن التاريخ ليحمل لنا حكايات الصالحات المؤمنات التي تفيض حباً ووفاءً لشريك العمر ورفيق الدرب والحياة، فها هي امرأة تبتلى بمرض زوجها سنين عدداً فتنظر ذات يوم في المرآة فترى علامات الشباب وقد سرت في وجهها مع هذا الزوج المريض، وتتذكر جارات لها ينعمن بالسعادة مع أزواج أصحاء فتنتابها وساوس الشيطان، ولكن خيوط الإيمان تقطع هذه الوساوس، فتنظر في محبة صادقة إلى زوجها المريض مبتسمة وراضية قائلة : الحمد لله على أنني وأنت من أهل الجنة، فيقول لها زوجها وكيف ذلك ؟ فتنطق بلسان المؤمن والمحب “ لأنك ابتليت بي وبجمالي فشكرت، وابتليت بك وبمرضك فصبرت، والجنة موعودة للشاكرين والصابرين من عباد الله “.
من أجل هذا أراد الإسلام أن يجعل كل لحظة من لحظات الحياة عيداً يحتفل فيه الإنسان بحب ربه ومحبة نبيه ومحبة وطنه ومحبة ذاته وزوجه إلى أن يمتد بمحبته إلى كافة من في الوجود، وعلى مقدار هذه المحبة والإخلاص فيها يكون الثواب من الله عز وجل والرفقة في الجنة مع من أحب من الصالحين من عباد الله.


د. محمد عبدالرحيم البيومي
أستاذ بكلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات

اقرأ أيضا