صحيفة الاتحاد

عربي ودولي

مراكز الأبحــــــــاث العربيـــــة·· إلى أين؟




غادة سليم:

تعمد الدول المتقدمة إلى إنشاء مراكز أبحاث ودراسات لمواكبة تطور العلم واستشراف المستقبل وإيجاد الحلول للمشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية· وتعتبر هذه المراكز المصدر الرئيسي لتحليل المعلومات والمنهل الذي يستقي منه صناع القرار الرؤى السليمة لرسم الاستراتيجيات الوطنية وصياغة الخطوات المستقبلية· وتبنى هذه المراكز عادة وفق مرجعيات أكاديمية واستراتيجية بعيدة عن الارتجال والنظرة الأحادية للأمور، إلا أن الوضع في العالم العربي يبدو مختلفاً تماما، فقد شهدت السنوات العشر الماضية طفرة في تأسيس عدد كبير من مراكز الدراسات والبحوث العربية، غير أنها عكست ضخامة في الكم وضآلة في الكيف، فلم تستطع هذه المراكز أن تخلق إنجازات أو تذلل عقبات أو تغير مجتمعات· مما يجعلنا نتساءل: هل هناك قناعة حقيقية في الوطن العربي بجدوى البحث العلمي؟ وهل تحظى البحوث العلمية العربية بثقة صانع القرار السياسي العربي؟ وهل تتمتع التحليلات الإحصائيات العربية بمصداقية عالمية في ظل غياب الشفافية في العالم العربي؟··
حرية التعبير
في حوار معه حول تقييم أداء مراكز البحوث العربية، أشار د· نادر فرجاني مدير مركز المشكاة للأبحاث ورئيس فريق إعداد تقرير التنمية البشرية العربي إلى أن تعميم الحكم السلبي على كل مراكز الأبحاث العربية لن يجدي نفعا في فهم أبعاد القضية، فلا شك أن هناك مراكز أبحاث عربية أفضل من غيرها، لكن تبقى البنية الأساسية للبحث العلمي في الدول العربية بشكل عام ضعيفة، وقال: إن هناك عدة تحديات تواجه البحث العلمي في الوطن العربي، من بينها التخلف العلمي والاقتصادي والقصور في مواكبة العلم والتقنية والتكنولوجيا والعمل على استيعابها وضعف الحوافز المادية والمعنوية الكافية للمشتغلين بالبحث العلمي والتقني وانعدام توافر وسائل البحث العلمي والتقني من الأجهزة والمواد والمعدات والقوى التقنية المساعدة والخدمات التوثيقية المتطورة· فعملية النهوض بالبحث العلمي هي تحد هام من التحديات العديدة التي تواجه العرب حاليا ومستقبلا لأننا لا نزال بحاجة شديدة إلى البحث العلمي في تفاصيل حياتنا كلها، وأضاف د· فرجاني أن العرب بحاجة ماسة إلى مؤسسات تعنى بالدراسات والأبحاث والمعلومات في وطننا العربي لتكون ذاكرة حية للأمة ومقصدا لتحليل الأزمات التي تواجهه حياتنا اليومية وتكون ركيزة لمستقبل أفضل·
وعن مصداقية المنتج البحثي الذي تقدمه مراكز الدراسات العربية قال د· فرجاني: إن الأرقام والإحصائيات التي تقدمها مراكز الأبحاث العربية عن قضايا هامة مثل نسب البطالة والفقر والأمية في المجتمعات العربية وغيرها من إحصائيات ليست دقيقة بالقدر الكافي لفهم عمق المشكلة واقتراح الحلول المناسبة لها، وبالتالي لا تحظى هذه الإحصائيات بثقة مراكز البحث العالمية ولا تأخذها على محمل الجد، وأضاف: أن السبب في فقدان المصداقية يرجع إلى ضعف حرية التعبير في كل الدول العربية· رغم وجود هامش نسبي أوسع لحرية التعبير في لبنان وبعض دول المغرب العربي، إلا أن الحرية المتاحة عموما في المنطقة العربية أقل بكثير من احتياج أي مؤسسة عربية في العلوم الاجتماعية والاقتصادية· ويرى د· فرجاني أن الحل يكمن في المطالبة بتوسيع نطاق الحرية بشكل عام وحرية التعبير والبحث الأكاديمي بشكل خاص، وقال إن النخب المثقفة ونخب الأكاديميين والباحثين تتحمل الدور الأكبر في الضغط على الحكومات القائمة للسماح بحرية الرأي والبحث·
مناخ الشفافية
ورأى د· فاروق الباز مدير مركز أبحاث الفضاء في بوسطن بالولايات المتحدة الأميركية أن ظاهرة تزايد أعداد المراكز البحثية في العالم العربي ظاهرة إيجابية، لكونها ساهمت في الآونة الأخيرة في تقديم تحليل للواقع والأحداث العربية من مختلف وجهات النظر، والعالم العربي بحاجة ماسة إلى التحليل حتى وإن كانت نتيجته خاطئة، فعلى الأقل ستساهم هذه المراكز والمعاهد في زيادة عدد المحللين العرب وسط ندرة من يقومون بالتحليل السياسي والتحليل الواقعي في العالم العربي· وقال: إن هذا أمر في تصوري مفيد لأنه يعطي أبعادا للحياة في الوطن العربي، غير انه استدرك قائلا: إن أسوأ ما في البحث العلمي في الوطن العربي هو غياب المصداقية فيما تقدمه المعاهد والمراكز من إحصائيات وأرقام، وأن هذه ليست مشكلة مراكز الأبحاث ولكن مشكلة المناخ العام في العالم العربي الذي لا يسمح بالحصول على المعلومات بشفافية، والاقتراح القائل بأن تكون هناك هيئة عالمية للشفافية تتتبع حالات التضييق على حرية البحث في كل دول العالم وتفضح كل الممارسات التي تخنق الشفافية لن تجدي نفعا، لأن هذا الحق لا يفرض من الخارج بل ينتزعه الناس أنفسهم من الداخل ومن خلال العلاقة بين الشعب والحكومة·
وردا على سؤال حول علامات الاستفهام التي تحيط بمصادر تمويل بعض مراكز الأبحاث العربية وجهات دعمها قال د· الباز: يجب ألا ننظر إلى هذا الأمر من زاوية المؤامرة، فليكن من يمول هذه المراكز من يكون، فالعبرة بما تقدمه هذه المراكز من أبحاث، وعلينا فهم محتوى هذه الأبحاث ومعرفة ما نأخذ وما ننبذ، فالمواطن العربي واع بالقدر الكافي وخاصة الجيل الناشئ من الشباب· والتحليل المبني على أسس غير سليمة سيكون خاطئا ولن يصدقه أحد والعكس صحيح· ولنا الحق أن نقبل التحليل أو نرفضه لكن ليس لنا الحق أن نمنع أي مركز أبحاث من العمل مهما كانت مصادر تمويله، وقال : إن الغرب لا يلقي بالا لنتاج مراكز الأبحاث العربية، لا بد أن يزيد عددها ويرتفع مستواها حتى تكون لديها مكانة في الغرب، فهناك مؤسسات بحثية عملاقة جدا لا تخضع لأي نوع من الرقابة ونحن بالنسبة لهم لا زلنا في طور الطفولة·
الرقابة الرسمية
كان ''إيان بريمر'' رئيس مجموعة ''أوراسيا'' لاستشارات المخاطر السياسية العالمية بالولايات المتحدة الأميركية، قد أكد على ضعف مصداقية الإحصائيات العربية لدى مراكز الأبحاث في الغرب لغياب الشفافية، وقال: نحن في مجال تقييمنا للتحولات السياسية والمخاطر الاستراتيجية في المنطقة العربية نعتمد على مصادرنا الخاصة وعلى باحثينا المتواجدين في المنطقة لاستقصاء الحقائق الدقيقة واستخلاص النتائج الأقرب إلى الواقع، فالحقيقة أن معظم ما تنشره مراكز الأبحاث والدراسات العربية من تقارير يخالجنا فيه الشك بأنه تم نشره بعلم وموافقة الجهات الرسمية، خاصة إذا تعلق الأمر بالقضايا الخارجية أو الأزمات الداخلية التي تمس صورة الدولة في الخارج·
وقال بريمر الذي عمل في مراكز أبحاث أكاديمية في الولايات المتحدة الأميركية بجامعة ''كولومبيا'' ومؤسسة ''هوفر'' للأبحاث أن هناك بعض مراكز الأبحاث العربية الأكاديمية التابعة لجامعات أجنبية في العالم العربي لديها برامج متخصصة في الشؤون العالمية، مثل الطاقة والعولمة والإيدز والأمن العالمي والإسلام والتكنولوجيا وهي تستخدم أدوات بحثية صحيحة للقيام بأبحاث حرة لا تخضع للرقابة الرسمية مما يجعلها أكثر دقة من غيرها· وأضاف بريمر: إن التشكيك الدولي في مصداقية الأبحاث في الوطن العربي نابع من وجود قيود سياسية وفكرية على الباحثين· فأبرز ما تفتقده المنطقة العربية، هو تهميش ونفي الرأي الآخر· فالمفكرون من أصحاب الرأي المستقل المخالف للتيار السائد يجدون صعوبة في التعبير عن آرائهم أو تقديم تحليلاتهم إذا تعارضت مع سياسة الدولة، وقال إن الخلاص يكمن في تطوير المستوى الأكاديمي للجامعات والمعاهد العربية وتوجيهها نحو مواكبة الثورة العلمية· فما تزال العلوم الإنسانية والأدبية هي الغالبة على التخصصات البحثية مما يجعل الأبحاث بعيدة عن عالم الابتكار·
الرؤية الفردية
أما د·عائشة بالعربي أستاذة العلوم السياسية -جامعة الملك محمد السادس بالرباط- فتتعجب متسائلة: أين هي الإنجازات العلمية والبحثية التي تحققت على مستوى الوطن العربي في ظل زيادة أعداد مراكز الأبحاث والدراسات؟، وقالت: إن هناك عشرات البحوث الأكاديمية الجيدة مركونة على رفوف في المكتبات ومراكز الأبحاث العربية لم يتم الاستفادة منها ولم تخرج عن حيز الورق· فلا تزال الدول العربية غير مهيأة لتحويل ناتج البحث العلمي إلى منتج استثماري، وأشارت إلى ضعف الموارد الحكومية المخصصة للإنتاج العلمي رغم أنها أحد مقاييس التقدم الحضاري للدول، فطبقا لتقرير التنمية الإنسانية الصادر عن الأمم المتحدة عام ،2003 فإن إجمالي الإنفاق العلمي للدول العربية مجتمعة لم يتجاوز 750 مليون دولار فقط أي 0,3 في المائة من إجمالي ناتجها الوطني، حتى أن معظم هذه المبالغ تنفق على رواتب للموظفين، وفي الوقت الذي يصل فيه عدد الباحثين لكل مليون شخص في الولايات المتحدة 4374 عالما، وفي إسرائيل 1395 لا يتجاوز في العالم العربي 136 باحثا لكل مليون·
وترى د· بالعربي أن المعوق الرئيسي لعمل مراكز الأبحاث العربية هو الرؤية الفردية التي تسيطر عليها، فهي إما مؤسسات خاصة تحمل أفكار صاحبها، أو مراكز حكومية تتبنى رؤية القيادة السياسية، حتى أن بعض المراكز تخلط بين دورها العلمي في التفكير والتخطيط المستقبلي، وكونها منبرا تعبويا لأفكار السلطة السياسية الحاكمة، وذلك في الوقت الذي تغيب فيه المشاريع البحثية المشتركة بين المراكز العربية التي يكاد يكون التواصل بينها معدوما· وأضافت: أن العالم العربي في المرحلة الراهنة في أمس الحاجة إلى مراكز أبحاث علمية في كل المجالات، من أجل بناء مجتمع عربي يعتمد على البحث العلمي، وتقصي الأمور العلمية بمنطق سليم· ولكي يتحقق ذلك لا بد أن تكون هناك شبكة للمعلومات تربط مراكز البحوث العلمية داخل الوطن العربي ببعضها البعض وتعمل على تسهيل تبادل المعلومات والمعارف والمطبوعات·