الاتحاد

الملحق الثقافي

موسوعة··· تفتقد المشروعيّة العلميّة

د· عبد الملك مرتاض

د· عبد الملك مرتاض

أهدانِي صديقِ إماراتيّ كتاب، في آخر رحلة لي إلى مدينة أبوظبي الجميلة، عنوانه: ''الموسوعة الميسّرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة''، وهي موسوعة تقع في مجلَّدين اثنين· وقد سُرِرت سروراً عظيماً بأن تقع لي موسوعة باللّغة العربيّة بعد أن لم نكد نصادف مثل هذه الموسوعات إلاّ باللّغات الغربيّة؛ ذلك بأنّ التعامل الثقافيّ والعلميّ في زمننا المعاصر يستدعي الاستعانة بمثل هذه الموسوعات التي هي مفتاح أوّليّ للمعرفة··
غير أنّ ذلك كلّه لم يكن! فلم يَردْ ذِكرٌ لأسماء الكتّاب والعلماء المتخصصين في فروع المعرفة في أعقاب الموادّ المكتوبة في هذه الموسوعة العجيبة! وكلّ ما في الأمر ذُكِر اسم الدكتور مانع بن حمّاد الجهني على أنّه المخطِّط والْمُراجع والمشْرِف على هذا العمل المفتقِد للشرعيّة العلميّة بحكم أنّ الدكتور الجهني لم يرد اسمه على أنّه المؤلّف الحقيقيّ لهذه الموسوعة على الرغم من أنّه يستحيل، من الوجهة العلميّة، على عالم واحدٍ أن يكتب موسوعة متعدّدة الاختصاصات، متشعّبة الفروع؛ ذلك بأنّ الذي يشرف أو يخطّط أو يراجع ليس هو المؤلّف؟ فمن هو مؤلّف هذه الموسوعة، إذن؟
وإذا كان الناس يعرفون أنّ التراث الشعبيّ، في الشرق والغرب، مجسَّداً في مثل ''ألف ليلة وليلة'' لا يذكر له مؤلّفُه على أساس أنّه من تأليف الذاكرة الجماعيّة للشعوب، فهل نقيس سيرةَ هذه الموسوعةِ على وضْع الأدب الشعبيّ، قياساً فاسداً على كلّ حال، فتكونَ بمثابة الموسوعة الميسّرة ذات الصبغة الشعبيّة، لا ذات الصفة الأكاديميّة التي تتيح للرّاجع إليها أن يحيل عليها على أنّها مصدر شرعيّ من مصادر المعرفة المكتوبة بحيث يوجَد آخرَ كلِّ مادّة فيها مؤلّفٌ يوقّع باسمه توقيعاً· كلاّ، ولا اسم من الأسماء يوجد آخرَ الموادّ التي تُرِكتْ غُفْلاً!···
وإنّ الذين أقدموا على إخراج هذه الموسوعة للناس هم أحد اثنين: فإمّا أنّهم مفتقرون إلى الحسّ الأكاديميّ فلم يتنبّهوا إلى أنّ النّسب في المعرفة كالنسب في البشر، فكما أنّنا نسمِّي مَن لا نسَب له ولا أب: دعيّاً، فكذلك إذا ألفينا كتاباً أُلِّف في فرع من المعرفة ولا مؤلّفَ له فإنّنا لا نستطيع التعويل عليه إذا أحلنا، ولا الثقةَ في معلوماته إذا قرأنا؛ وإمّا أنّ الذين قاموا على هذه الموسوعة توخَّوا الربحَ السريع فكلّفوا مجموعة من الناس يكتبون موادَّها على ألا يوقّعوا بأسمائهم لعلّة من العلل·
إنّ الناس جميعاً يعرفون، إلاّ من أخرجوا هذه الموسوعة، أنّ منهجيّة الكتابة الموسوعيّة تحتاج، إلى مجموعة كبيرة من العلماء يكلَّف كلّ واحد بكتابة مقالة في اختصاصه، أو في اختصاصاته، فيوقّع باسمه، قبل أن يذكر المصادر والمراجع التي أفاد منها، فيحيل من عاد إليه عليه··· وبذلك تعظم قيمة الموسوعات العلميّة الشرعيّة لكثرة العلماء المتخصصين الذين يحررونها، كما هو الشّأن، مثلا، في الموسوعة العالميّة التي تناولت أهمّ فروع المعرفة البشريّة منذ فجر التاريخ إلى يومنا هذا···

اقرأ أيضا