الاتحاد

الاقتصادي

زيادة السعة التكريرية لمصافي النفط تهدد استقرار الأسواق





إعداد ـ محمد عبدالرحيم:

ظلت الدول المنتجة للنفط طوال فترة السنوات القليلة الماضية متفقة فيما بينها على أن السبب الرئيس لارتفاع أسعار النفط لا يعود إلى الندرة في براميل الخام وإنما إلى المعوقات التي صاحبت عملية التسليم ومن أهمها قلة السعة التكريرية· وتدعم الحقائق التاريخية هذه الرؤية حيث إن آخر مصفاة تم بناؤها في الولايات المتحدة الأميركية قبل 15 عاماً من الآن في سوق يستهلك أكثر من 22 مليون برميل يومياً من المنتجات المكررة أو أكثر من 26 في المائة من إنتاج الخام العالمي· وينطبق السيناريو نفسه على الهند والصين- الدولتين الأكثر ظمأً للطاقة- حيث يعاني مشغلو المصافي في الدولتين من غياب عمليات التحسين والترقية ومن التوقفات في هذه المرافق المعمرة·
وكما ورد في ''ميد'' فإن السبب الرئيسي لهذا الغياب المزمن للاستثمارات إنما يعود لتضاؤل هوامش الأرباح ففي عام 2001 كان سعر برميل النفط من نوع ميناس لا يزيد على 1,7 دولار بينما بلغ سعر برميل برنت 3,20 دولار وظل سعر برميل غرب تكساس في حدود 3,40 دولار· إلا أن أسعار النفط استمرت في صعود ما أدى إلى ارتفاع معدلات استغلال السعة التكريرية بنسبة وصلت إلى 86 في المائة مقارنة بمتوسط سنوي يتراوح ما بين 50 و55 في المائة ما يعني أن هذا السيناريو قد تغير بشكل دراماتيكي إذ يقول ستافيندر روبرا رئيس إدارة النفط لمنطقة آسيا الباسيفيكية في شركة وود ماكينزي في ادنبرة: ''شكل العام 2004 ازدهاراً غير مسبوق للمصافي في جميع أنحاء العالم في فترة بلغ فيها متوسط النمو الاقتصادي العالمي معدل 4 في المائة·
وأغرت إمكانية ارتفاع حجم الأرباح فيما يبدو العديد من شركات النفط العالمية والوطنية على حد سواء بالإضافة إلى المستثمرين التقليديين في قطاع التكرير بالمزيد من الاستثمار في هذا المجال''· ويبدو أن النتائج جاءت متفقة مع هذه التوقعات حيث يقول خالد البوعينين نائب رئيس إدارة التكرير في شركة ارامكو السعودية ''وفقاً لقواعد البيانات التي بحوزتنا فقد تم الإعلان عن قدوم سعة تكريرية جديدة بحوالى 30 مليون برميل يومياً في الفترة ما بين 2006 و·2015 ومن جانبنا فقد خططنا لتنفيذ رقم قياسي بلغ 250 مشروعاً منها 72 مشروعاً لبناء مصافٍ جديدة و178 مشروعاً تتعلق بزيادة السعة''·
وفي نفس الأثناء كانت التوقعات تشير إلى أن منطقة الشرق الأوسط سوف تساهم بما مقداره 4ملايين برميل يومياً أي 14 في المائة من إجمالي السعة الجديدة المخطط لها في العالم·
ولم تعد زيادة الإنفاق مقتصرة على شركات النفط الوطنية حيث أبرم القطاع الخاص إلى جانب شركات النفط العالمية اتفاقيات تهدف إلى بناء سعة إضافية بإجمالي يبلغ 1,17 مليون برميل يومياً من المنتجات المكررة· وعلى خلاف التوقعات فإن هذه الاستثمارات المفرطة المخطط لها بدأت تمثل تهديداً لاستقرار أسواق النفط وبشكل أكبر مما أحدثته المعوقات التي حدثت مبكراً إذ يقول روبرا التي تتفق آراؤه مع البوعينين: ''أصبحنا الآن في العام الثالث على التوالي من ارتفاع هوامش الأرباح على الرغم من وجود بعض المعوقات إلا أن المخاوف تتنامى بشأن إمكانية حدوث انهيار في هذه الأرباح· لذا فإن الوضع أصبح يتسم بالمزيد من الديناميكية ويحتاج إلى مراقبة لصيقة''· وقال البوعينين ''إن هذا النوع من الأعمال التجارية أكثر تعقيداً من مجرد النظر إلى معدلات الأرباح والاستغلال''·
ويبدو أن هذه الآراء تعتمد على التباين والاختلاف ما بين السعة الجديدة المخطط لها وحجم الطلب المتوقع للمنتجات المكررة فبحلول العام 2015 بات من المتوقع أن يصل الطلب إلى 22 مليون برميل يومياً في أفضل الأحوال أي أقل من مستوى 30 مليون برميل يومياً كسعة مقترحة· ووفقاً لإحصائيات وكالة الطاقة الدولية في باريس فإن معدلاً متواضعاً بنسبة لا تزيد على 1,7في المائة من النمو في الطلب على الطاقة في كل عام ظل مستمراً طوال فترة الأعوام القليلة الماضية·
أما الآن فإن الضغوط على ما يبدو أصبحت على عاتق مشغلي المصافي والمستثمرين فيها من أجل إعادة اتخاذ قرارات ذكية بشأن الاستثمار· وهنالك ثلاثة سيناريوهات محتملة من الممكن أن تحدث كما يقول البوعينين؛ أولها أنه في ظل إمكانية أن تتفاوت هوامش الأرباح من عام إلى آخر فإن هذه الهوامش بشكل عام يمكن أن تمضي إلى أسفل قبل أن تعود إلى مستوياتها الدنيا التي سجلتها في العقود السابقة· ويضيف البوعينين: ''ظلت الصناعة تغفل دروس وعبر الماضي بسبب ارتفاع الهوامش الحالي· لذا فإن الإفراط في الاستثمار الآن سوف يؤدي إلى إفراط في السعة في السنوات المقبلة· وبشكل ينتج عنه اقتراب الطلب والعرض من بعضهما البعض ويؤدي في النهاية إلى تضاؤل هوامش الأرباح''· أما السيناريو الثاني فيتمثل في استمرار الطلب على مستوياته العالية، وهو الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى رفع هوامش الأرباح ويشكل عائقاً أمام استمرار ضخ الاستثمارات· وفي هذه الحالة كما يقول البوعينين ''سوف نشهد دخول الأعمال التجارية الخاصة بالتكرير في تحول جوهري''· ويشير السيناريو الثالث إلى إمكانية أن تشهد الدول المستهلكة مستوى عالياً من النمو في الطلب المتوقع وبشكل يجعلها تستثمر بكثافة في السعة الجديدة، ويقول المسؤول النفطي السعودي: ''إن هذا الافتراض يتمثل في أنه بمجرد وصول هذه السعة إلى الأسواق فسوف تعمد المرافق إلى تصدير فائضها لفترة من الوقت قبل أن تلجأ تدريجياً إلى تحويل هذه المنتجات المكررة إلى أسواقها المحلية، لذا فإن أثر ذلك على هوامش أرباح المنتجات سوف تتغير وتتفاوت بمرور الوقت اعتماداً على الحجم والنوع والموقع الجغرافي لهذه السعة الجديدة''· ومهما كان نوع السيناريو الذي سيحدث فقد أصبح من الواضح الآن أن ليس جميع هذه الاستثمارات سوف ترى النور حيث يقول البو عينين ''ليس بالضرورة أن يتم بناء كل ما تم الإعلان عنه· ونحن نعتقد بأن ثلث هذه المشاريع المعلن عنها سوف يتم بناؤها''·
ومن الناحية الجغرافية فإن حوالى 57 في المائة من هذه السعة المؤكدة، أي حوالى 5,7 مليون برميل يومياً سوف تأتي من منطقة آسيا الباسيفيكية خاصة من الصين والهند بينما تساهم منطقة الشرق الأوسط بكمية تبلغ 2,5 مليون برميل يومياً أو 25 في المائة من هذا الإجمالي إلا أن هذا الأمر لا يعني أن الأمور سوف تصبح شائكة بالنسبة للمنتجين في منطقة الشرق الأوسط· وحتى إذا تراجعت هوامش الأرباح فإن مصافي التصدير التي اتخذت مواقعها في داخل الدول المنتجة سوف تتمتع بميزات تنافسية على تلك المصافي التجارية الموجودة في الولايات المتحدة أو آسيا التي سيتعين عليها المطاردة والحصول على براميل النفط من السوق الساخن· أما الميزة الثانية فسوف تتمثل في قدرة الرافعات الموجودة في مناطق الإنتاج على استهداف مختلف الأسواق كل حسب احتياجه لمختلف أنواع المنتجات، وهو الأمر الذي سينجم عنه معدلات عالية من الإيرادات نسبياً ويحقق لها في الوقت نفسه مرونة كافية للتركيز على اتجاهات الطلب الموسمي في جميع أنحاء العالم·

اقرأ أيضا

السيارات الكهربائية على طريق خفض التكلفة