الاتحاد

الاقتصادي

صراع "عمالقة الأجواء" يزداد ضراوة

إعداد - محمد عبد الرحيم:

يبدو أن 2006 سوف يحتل مكانة على صفحات التاريخ بأنه العام الذي شكل منعطفاً وعلاقة فارقة في مسيرة التنافس المحتدم بين أكبر عملاقين في صناعة الطائرات في العالم وهو التنافس الذي ظل يتأرجح لمصلحة كل منهما عاماً بعد عام وامتد لعقود طويلة قبل أن تدين الهيمنة ولو بشكل مؤقت لمصلحة ''بوينج'' الأميركية على حساب الأوروبية ''ايرباص'' فقد استمر هذا الصراع يتسم بالمزيد من الحدة والشراسة في استقطاب الزبائن عبر تطوير العديد من الطرز التي تتميز بالصغر تارة وبضخامة الحجم تارة أخرى إلى غير ذلك من المزايا الفنية الأخرى مثل السرعة والمدى الذي تحلق إليه الطائرة بالإضافة إلى قلة استهلاك الوقود· على ان هذه المنافسة استمرت مستعرة ايضاً على الرغم من الأحداث المأساوية التي واجهتها الصناعة مثل هجمات الحادي عشر من سبتمبر واندلاع مرض السارس ناهيك عن ارتفاع أسعار الوقود إلى مستويات غير مسبوقة·

من المفيد ان تتطرق بنوع من التفصيل الى إبعاد الأزمة الكارثية التي لحقت بشركة ''إيرباص'' وهي على أعتاب الكشف عن أضخم مشروع تنفذه في تاريخ الطيران·
وكما ورد في صحيفة ''انترناشونال هيرالد تريبيون'' مؤخراً ففي 18 يناير من العام 2005 تجمع كبار التنفيذيين في كل من ايرباص والشركة الأم ''الأوروبية للدفاع والفضاء'' التي تعرف اختصاراً باسم ''ايادس'' في حفل بهيج يحاكى في روعته أفخم احتفالات هوليوود السينمائية الباذخة قبل أن يشق الرئيس شيراك طريقه إلى مقدمة الصفوف ليصف الطائرة العملاقة الرابضة من نوع ء 380 بأنها ''رمز عظمة الصناعة الأوروبية الذي لا يوجد له نظير''· ومضى يقول ''عندما تقلع إلى عنان السماء فإنها ستحمل معها جميع ألوان الطيف الأوروبي وطموحاته التكنولوجية المشروعة إلى فضاء أكثر ارتفاعاً''· لكن عندما تجمعت هذه الشخصيات مرة أخرى في مطار تولوز لكشف الستار والاحتفال بإطلاق أكبر طائرة تجارية في العالم سرعان ما تبدى للحاضرين حجم الأزمة الصناعية التي ستنطوي لاحقاً على خسائر بمليارات اليورو·

وبالعودة إلى البداية في صيف عام ،2004 أي قبل ستة أشهر من ذلك الموعد، فإن الأجزاء الكبرى من الطائرة مثل البدن الأمامي والخلفي ظلت تصل من المواقع الرئيسية الأخرى لإنتاج الطائرة A 380 في هامبورج وبحلول موسم الخريف وصل فريق من حوالي 200 ميكانيكي ألماني إلى تولوز وبمعيتهم مئات من الكيلومترات من الكوابل الكهربائية المعتزم تركيبها في داخل الطائرات الأولى المنتجة· وبعد أسابيع من العمل المضني في نشر آلاف الشعيرات وأسلاك النحاس والألمنيوم على طول الجدران وفي أسفل اللوحات الأرضية لهيكل الطائرة تملك الفزع والجنون فجأة أعضاء الفريق العامل وخرجوا يصيحون: ''الكوابل اقصر بكثير مما تحتاجه الطائرة''!
ويقول احد الميكانيكيين الألمان الذين وصلوا إلى تولوز في أوائل العام 2005 وطلب عدم الكشف عن هويته مخافة أن يفقد وظيفته ''إن شبكة الاسلاك لم تسير وفق المسار الذي كان متوقعاً لها عبر بدن الطائرة· لذا فعندما اقتربنا من النهاية فشلت هذه الأسلاك في الوصول الى المقابس الموجودة في الجزء الأخير من الطائرة ومن الواضح أن الحسابات كانت خاطئة لذا فإن جميع الأسلاك سوف يتم انتزاعها واستبدالها من الصفر''·
وطوال موسم خريف 2004 ظل المدراء في خط التجميع يوافون التنفيذيين بالتقارير التي تتعلق بالمشاكل الروتينية التي تواجه الطائرة ولكن لا أحد فيما يبدو كان يعتقد في تلك المرحلة أن هذه المشاكل كبيرة الحجم بشكل يستدعى رفع البطاقة الحمراء في وجه كبار التنفيذيين·
ولم تدرك شركة إيرباص أن المسألة قد أصبحت ''مشكلة تراكمية'' الا بعد حوالي ستة أشهر من الحديث الذي أدلى به الرئيس الفرنسي اذ لم يصرح التنفيذيون في الشركة بأول اعتراف علني بوجود مشاكل خاصة بعملية التصنيع ثم الإعلان عن تأخير لفترة ستة أشهر في جدول التسليمات الا في الأول من يونيو عام ·2005 وكما يقول جون ليهي رئيس إدارة المبيعات في ايرباص ''ظل المسؤولون في حالة من الرفض والإنكار''· وهو الأمر الذي سيؤدي الى افتقاد الشركة الأم ''ايادس'' الى ارباح بقيمة 6,6 مليون دولار في السنوات الأربع اللاحقة· لكن الشركة سرعان ما أعلنت عن خطة طموح للعودة الى مساحة المعركة تمثلت في المصادقة على تطوير الطائرة A350 من أجل منافسة طائرة بوينج دريم لاينر ،787 إلا أن الطريق ما زال طويلاً ويزخر بالصعاب· وظل البعض يتساءل عن الأسباب التي أدت لحدوث هذه الكارثة في الشركة التي طالما كانت ترمز للتكامل والتنافسية والكبرياء الأوروبي ضد عدوتها التقليدية الأميركية بوينج منذ بداية حقبة التسعينيات· ولكن الحكاية فيما يبدو أصبحت تتعلق أكثر من أي وقت مضى بالاستعجال والفوضى والغرور بالإضافة الى العداوات الشخصية والثقافية التي سادت اعلى المستويات الإدارية في الشركة على حساب الجودة والفعالية والشفافية فلقد ثبت أيضا ان اجهزة الكمبيوتر في تولوز وفي هامبورج لم تكن مرتبطة او متساوية مع بعضها البعض كما أن جدول الإنتاج المفرط في الطموح بالنسبة لطائرة عملاقة بهذا الحجم تتضمن تحديات تكنولوجية ضخمة قد أفضى أيضا إلى الإحباط والفشل الذي أدى إلى عمليات التأجيل المتتابعة والتي حددت أول الأمر بفترة ستة أشهر قبل أن تمدد لاحقاً إلى عامين كاملين· وقال ماريو هينان الذي تقلد منصب المشرف على برنامج الطائرة ء 380 مخاطباً المستثمرين في شركة ايادس وجمع من المحللين الماليين في أكتوبر الماضي ''لقد انتهى بنا المطاف إلى حلقة جهنمية مفرغة لا يبدو أن هناك مخرجاً منها·
وأدى هذا المأزق المطول الذي تورطت فيه الشركة إلى بروز شركة بوينج، التي كانت قد شهدت تراجع هيمنتها في سوق الطائرات المدنية بشكل مستمر منذ منتصف حقبة التسعينيات في الوقت الذي نجحت فيه ايرباص في الاستحواذ على حصة بمقدار 50 في المئة من مستوى 18 في المئة فقط بشكل فجائي بدعم من المزيد من الفرص السانحة الجديدة واكتساب المزيد من الزخم· ويبدو أن قرار الشركة الاميركية الذي أعلنته في عام 2002 بشأن تصنيع الطائرة المتوسطة الحجم وطويلة المدى 787 عوضاً عن بناء النسخة الخاصة بها من الطائرات العملاقة الحجم أصبح الآن في نظر المحللين اقرب إلى الصواب وتحقيق النجاح·
ويبقى أن التحدي الآن أصبح أكثر صعوبة على الشركة الأوروبية العملاقة إذ يتمثل في ضرورة إعادة ثقة الزبائن وأصحاب الأسهم عبر إثبات أن الطائرة A 380 ما زال بإمكانها التفوق على طائرة بوينج ''دريم لاينر'' تماماً وأن الطائرة A350 البالغ تكلفة تطويرها 13 مليار دولار من تأخر إنتاجها بسنوات عديدة خلف الطائرة الأميركية·
''أيقونة'' الأجواء
بالانتقال إلى الجهة الأخرى من الأطلنطي، نجد أن طائرة بوينج ،747 التي كانت تعتبر ''ايقونة الأجواء'' في حقبة السبعينيات قد عادت مجدداً للحياة بعد فترة مطولة من الغياب بعد التراجع الحاد في حركة المرور الجوية العالمية الذي تلى أحداث هجمات الحادي عشر من سبتمبر·
وفي الوقت الذي أصبح فيه العالم يتجه بكلياته نحو الطائرات الأصغر حجماً والأكثر ترشيداً للوقود فإن هذه الطائرة التي حلقت لأول مرة في عام 1970 وهي تحمل شعار شركة بان أميركان بحضور وبمباركة من السيدة الأولى آنذاك ''بات نيكسون'' أصبحت تتلقى طلباً قوياً غير مسبوق· ويعود ذلك بشكل رئيسي إلى أن الطائرة المزدوجة الطابق A 380 من انتاج ايرباص التي استحوذت على اهتمام الصناعة لسنوات ما زال بانتظارها أعوام أخرى حتى يتم تسليمها إلى الزبائن·
وكما قال هاوارد روبل، محلل الطيران المدني في مكتب جيفريز آند كومباني: بدا أن بوينج كانت في طريقها لإغلاق عمليات الإنتاج الخاصة بالطائرة ،747 إلا أن الطريف في الأمر أن هذه الطائرة قد تلقت دفعاً قوياً من رياح خلفية مفاجئة وهي في طريقها إلى المقبرة·
وأصبحت أوامر الشراء أصبحت تتزايد وتتكدس طلباً على الطائرة الجديدة نوع 8-747 التي أطلقتها بوينج في نوفمبر من العام 2005 بحيث شكلت الآن أكثر من 70 طلباً مؤكداً للشراء· بل أن بوينج اكتسبت دعماً إضافيا في ديسمبر الماضي عندما أعلنت الناقلة الألمانية العملاقة ''لوفتهانزا'' بأنها تقدمت بطلب لشراء 20 طائرة من طراز 8-747 وأنها تحتفظ لنفسها بخيار 20 طائرة أخرى من أجل توسعة أسطولها·
ويأتي هذا الطلب على طائرة بوينج الجديدة العابرة للقارات في نفس الوقت الذي تعاني فيه طائرة الايرباص A 380 من التعثر والتخلف بعامين على الأقل في موعد تسليمها· لذا فإن هذه الطلبيات ليست مهمة فقط لجهة قيمتها النقدية التي تبلغ حوالي 5,5 مليار دولار وإنما أيضاً لأنها تمثل اكتسابها للثقة من إحدى أكبر الناقلات الأوروبية التي تحظى بالاحترام· وبلا شك فإن عودة الطائرة إلى الحياة مجدداً يعود بشكل رئيسي إلى النمو الهائل في التجارة العالمية إذ أن طلبات الشراء الأولية للطائرة 8-747 قد جاءت على نسخ تختص بالشحن الجوي الأمر الذي اعتبر حينه خطوة غير اعتيادية في صناعة طالما أصبحت تفضل طرح الطائرات الجديدة بناءً على طلب من أكبر وأفخم أنواع الشركات الناقلة للمسافرين· إلا أن التقدم التكنولوجي وبخاصة في المحركات المرشدة لاستخدامات الوقود من الجيل الثاني قد ساعد كثيراً من الناحية الاقتصادية على ضرورة تملك الطائرة 747 ذات الأربع محركات·
وكما يقول جون كاتلار، رئيس شركة ادما يرالتي بارتنرز الاستثمارية الخاصة في سانتا مونيكا بولاية كاليفورنيا والمتخصصة في مجال الجو والفضاء: ''لقد أصبحت الطائرة الجديدة من نوع 747 تمثل وسيلة غير مكلفة بالنسبة لـ''بوينج'' من أجل الاستحواذ على المزيد من طلبات الشراء من ناقلات الركاب والبضائع على حد سواء بسبب المشاكل التي تعاني منها طائرة ايرباص A 380·
وقفزت بوينج قفزت خطوة أخرى إلى الأمام عندما عمدت أيضا إلى تصميم الطائرة 8-747 كطائرة خاصة لرجال الأعمال بعد أن طورت نسخة عسكرية منها لخدمة القوات الجوية· وفي الوقت الذي تباع فيه هذه الطائرة الخاصة بسعر لا يزيد على 257 مليون دولار فإن بوينج ما زالت ترفض الكشف من أسماء زبائنها إلا أن المحللين أشاروا إلى أن أغلب طلبيات الشراء سوف تأتي من منطقة الشرق الأوسط التي تعتبر أبرز المناطق التي تستخدم فيها طائرات بوينج للاستخدام الشخصي· وبالطبع فإن هذه الأحداث استمرت تتوالى تحت سمع وبصر شركة ايرباص التي باتت تشهد هجرة متتالية في طلبيات ء 380 الى طائرات بوينج في الأشهر الأخيرة· وكما يقول الآن مكارتر رئيس ادارة ايرباص في أميركا الشمالية ''لم يكن بمقدور بوينج ان تتلقى هذا الكم من الطلبيات لولا عدم مقدرتنا في تلبية الطلب· وإذا لم نتعثر في انتاج الطائرة ء 380 فإن من المؤكد ان بوينج لن تحظى بطلبيات شراء مثل تلك التي جاءت من لوفتهانزا على الطائرة 8-·747
والى ذلك فإن الطائرة 747 قد شهدت الكثير من التغييرات والتحسن عما كانت عليه في فترة السبعينيات وكانت النسخة الأولى منها 100-747 قد تميزت بوجود قاعة لجلوس واستراحة الركاب بالإضافة إلى حجرة للعزف على آلة البيانو في الطابق العلوي· أما الموديل الأحدث الجديد فيتسم بطول أكبر في بدن الطائرة كما أنها أكثر سرعة وتحمل 100 راكب أكثر من سابقاتها· وبسرعتها التي تبلغ 915 كيلومتراً في الساعة فإن الطائرة 8-747 تعتبر الطائرة التجارية الأسرع من غيرها في السماوات الآن· وبإمكانها أيضا أن تحلق مسافة 8 آلاف ميل عقدي أو 14,800 كيلومتر دون توقف مقارنة بسرعة بمقدار لا يزيد على 4500 ميل في النسخة الأصلية·
أما الآن وقبل أن تحظى هذه الطائرة الجديدة بالاحتفاء والترحيب فقد شهدت تراجعاً حاداً في مستوى الاهتمام والطلبيات في غضون السنوات الأخيرة الماضية بعد أن سلطت الأضواء في العام 2000 على الإعلان عن الطائرة A 380 وبشكل أحدث ذات الضجة التي اكتسبتها الطائرة 747 عند ميلادها ففي العام 1990 حظيت بوينج بعدد هائل من طلبيات شراء الطائرة 747 بلغت في اجماليها 122 طلباً قبل ان تتراجع هذه الطلبيات إلى عدد لا يزيد على 4 أوامر للشراء بحلول العام ·2003 وبمجرد ان أعلنت ايرباص عن الطائرة ء 380 بدت بوينج كأنها قد وقعت في مصيدة يصعب الفكاك منها كما ظلت لسنوات طويلة تساورها المخاوف بشأن مستقبل الطائرة ·747 وعلى الرغم من أن الشركة طالبت بإجراء عدد من الدراسات الرامية لإنتاج نسخ متقدمة من الطائرة الا انها فشلت في الوصول الى نتائج بعينها· وفي الحقيقة فإن حالة الغموض التي تملكت بوينج بشأن رد فعلها حيال الطائرة A 380 في أواخر حقبة التسعينيات وما يمكن أن تفعله بشأن طائرتها من نوع 747 قد أصبح محل تندر وسخرية في أوساط الصناعة في ذلك الوقت·
وبمرور الوقت ومع تقدم التكنولوجيا فقد ارتأت بوينج ان تحول تركيزها نحو تطوير الطائرة الجديدة ''دريم لاينر ''787 المتسعة البدن والمتوسطة الحجم الناقلة للمسافرين قبل أن تعمد إلى تحويل معظم التكنولوجيا التي ابتداعها خصيصاً لتلك الطائرة لكي يتم تطبيقها في الطائرة ·747 ومن أهم هذه التكنولوجيات ذلك المحرك الأكثر ترشيداً للوقود الذي تم تطويره ايضاً لكي يستخدم في الطائرة 747 بالاضافة الى تصميم الجناح الجديد الذي يساعد على توسيع المدى الذي تحلق اليه الطائرة·
وكما يقول دان موني، نائب رئيس بوينج لبرنامج الطائرة 747: ''إن الاختراق الحقيقي الأكبر الذي استطعنا توظيفه يتمثل في المحركات الجديدة للطائرة 787 الذي اتاح لنا إضافة عدد من المقاعد الى جانب زيادة مدى التحليق وهو الأمر الذي يسمح بشكل اتوماتيكي لزبائننا باستدرار المزيد من العائدات والإيرادات من الطائرة''·

اقرأ أيضا

الصين وأميركا تعقدان محادثات تجارية "بناءة" في واشنطن