الاتحاد

ثقافة

«في غياب النص».. تحفيز للطاقة التأويلية

جانب من المعرض (من المصدر)

جانب من المعرض (من المصدر)

إبراهيم الملا (الشارقة)- في المعرض الفني الجماعي “في غياب النص”، المقام حاليا بالشارقة، ويستمر حتى الخامس من الشهر الجاري يقدم ثلاثة فنانين إماراتيين وعدد من الفنانين المقيمين بالدولة، كيفية استهلاك وإنتاج النص في واقعنا المعاصر، وقياس مدلولات الذكاء البصري اعتمادا على تقاطعات الوعي المشترك بين الفنان والمتلقي.
كما يسعى المعرض الذي ينظمه مركز مرايا للفنون بقناة القصباء بالشارقة تشرف عليه نور السويدي القيمية الفنية للمعرض إلى تحفيز الطاقة التأويلية في النص المكتوب من خلال إدماجه في الفنون التفاعلية الحديثة والوسائط المرئية والمسموعة، بحيث ينقل هذا الامتزاج الفني مستويات التعاطي مع العمل التشكيلي إلى أفق التجريب والتعبير الحرّ، ويتيح مساحة أرحب لقراءة الواقع الثقافي والاجتماعي وبمنظور مختلف ونابع من فلسفة الفنان ورؤيته للوجود.

تقنية الوسائط
ويتضمن المعرض أعمالاً للفنانين آلاء إدريس، وسالم القاسمي، وفيكرام ديفيشا، ووليد الواوي، وزينب الهاشمي، حيث استخدمت الفنانة آلاء إدريس تقنية الوسائط البصرية الأقرب للفيديو آرت كي تقدم عملا بعنوان “المُستهلِك، المُستهلَك” في غرفة معتمة، استعادت في مساحتها الضيقة العادات اليومية للإنسان بهدف ترجمتها صورياً وفَهمِها بعُمق، حيث تنحت الفنانة حروف كلمتي “الجهل” و”الرغبة” من الخبز بحروف عربية، بوحي من أدب تشارلز ديكنز الذي كان يشير إلى هاتين الكلمتين على أنهما أصل الشرور، واستخدمت مشهد تناول الطعام رمزياً لدراسة تدهور العملية الفكرية. وعمدت إدريس إلى اختيار نكهات لاذعة جداً للخبز، حيث تجبر نفسها على تناوله، لتأخذ المشاهد في رحلة من الحزن، عندما تواجه المعاني الحقيقية لتلك الكلمات وتأثيرها على البيئة المحيطة بها.
«أحجية الحياة»
وتقوم زينب الهاشمي في عملها “الكلمات المتقاطعة.. أحجية الحياة” بالمقارنة بين حل الكلمات المتقاطعة والخيارات التي نتخذها في حياتنا اليومية؛ وتظهر الأعمال الفنية كيف أنه لا يمكن عند حل الكلمات المتقاطعة العودة إلى الوراء ومحو ما تمت كتابته بالقلم الحبر؛ فالحياة تقدم لكل فرد حزمة من الخيارات، على هيئة مربعات فارغة ما أن يتم ملئ كل منها حتى تقترب من فك رموز لغز الحياة؛ وتنوه الفنانة الهاشمي إلى قوة التحكم بمسار حياتنا، إلى أين نريد أن نصل، ماذا نريد أن نحقق، ومن نريد أن نحب؛ أما المربعات السوداء في اللغز فتمثل الشعور بالخوف والتحديات كونها تحد من حرية حركة الحروف، وكذا خياراتنا في الحياة.
نقل الحاضر
ويثير “نقل الحاضر” للفنان فيكرام ديفيجا عِدّة أسئلة عن موقع الشخص في واقع متغيّر باستمرار، ويكشف عن التردد الواضح لمواجهة وتعريف الواقع، بدأ هذا العمل عندما لاحظ ديفيجا شيئاً غريباً في مِشواره اليومي للعمل، كانت كل إشارات الطريق مُغطّاة بأكياس قُمامة سَوداء على امتداد شارعٍ يبلغُ طوله ثلاثة كيلو مترات (نتيجة أعمال طرق جديدة). وشكّلت هذه الظاهرة رمزاً للفنان يوحي”بالهجران” فبدأ بطرح أسئلة عِدّة عن علاقته بالأرض التي يسير عليها من وإلى الشارع غير المُسمّى، مما أثار شعوراً ملتبساً تمثّلً بالضياع الجسدي وفقدان الذاكرة المساحية، وخلال الشهور المتتالية كانت أجزاء من هذه الأرض قد اقتُلِعت، الأمر الذي أدّى إلى زعزعة تلك العلاقة بشكل أكبر. ويظهر عمل ديفيجا كيف أن استخدام اللغة عملية إقليميةِ الطابع، تُعبّر في مكنونها عن الواقع والبيئة التي نعيش فيها، ومحاولة محوها أو تغييرها أو التغطية عليها يشتتنا من إحداثيات الواقع الذي نعتمد عليه لرصد حضورنا.
«دراسة معلقة»
وينظر وليد الواوي في عمله المعنون بـ “دراسة معلّقة” إلى اللغة كعنصر مضاف، ويركز على شكلها المكتوب، ليجذب الانتباه إلى منظور الكاتب والقارئ على حد سواء، وتبدو الدراسة أحياناً كتجربة وجدانية، حيث يتم عرض نص التواصل كنوع من الاقتطاع مع محاولة المحافظة على قيمته بتقنيات ثلاثية الأبعاد. ومع استكشاف الواوي للمساحات السلبية وغياب الشكل، يقوم في بحثه الفني باستكشاف عجز اللغة وتعدد دلالتها رغم وجودها كعنصر فيزيائي محايد.
«الكتابة بلغتين»
ويتفحص سالم القاسمي في عمله “الكتابة بلغتين” الاحتمالات المستقبلية لكتابة وقراءة ومشاهدة النص الهجين، أو الكتابة المختلطة بين العربية والإنجليزية، والتي باتت تُستخدم في نصوص الرسائل الإلكترونية، حيث يتم استخدام أحرف أبجدية لاتينية لإظهار اللفظ العربي، قبل أن تتطور هذه العلاقة التبادلية قسرا لتصبح طريقة للتحدث. يقدم القاسمي في عمله الفني نصا بلغتين تمت كتابته بحروف لغة واحدة؛ ويعالج القاسمي ظهور ثقافة الكتابة المختلطة من منظور شخصي وعالمي، وباستخدام مختلف الوسائط مثل التصوير الفوتوغرافي، والأفلام، والأعمال الطباعية، والفنون التفاعلية، ويتساءل عن هذه الظاهرة، ويقدم تعليقه عليها في محاولة لتقديم فهم أكثر وضوحاً لمسببات هذه الظاهرة ونتائجها المحتملة مستقبلاً.
وفي سياق تعليقها على محتويات المعرض تقول نور السويدي، القيّم الفني للمعرض: “لقد كانت تجربة فريدة بأن أشارك في تطوير مفهوم المعرض بمشاركة الفنانين الشباب المشاركين فيه كل حسب رؤيته وتفسيره لدلالات ومعاني الكتابة في مواجهة العمل الفني البصري”.
وأضافت أن معرض “في غياب النص” هو المعرض الخامس الذي تقوم بالإشراف الفني عليه منذ حصولها على درجة الماجستير في هذا المجال في العام 2009، والمعرض الثالث لها بالتعاون مع مركز مرايا للفنون” وتقول: “لقد حققت كل تجربة لي نضجاً مهنياً، وأشعر ببالغ الإمتنان لمؤسسات مثل مرايا لإعطاء الفنانين والقيميين الفرصة لتطوير مهارتهم”.
وقال يوسف موسكاتيلو، مدير مركز مرايا للفنون: “يمثل معرض “في غياب النص” استكشافاً فريداً لمختلف الطرق التي يمكننا أن نرى من خلالها الأشياء، والعبارات، والصور ذاتها، سواءً في حالتها المتحركة أو الساكنة، وبالتالي تقديم تجربة غامرة وتفاعلية للمشاهد”.

اقرأ أيضا

«الماجد» يكشف للمتدربين خفايا التدقيق اللغوي