الاتحاد

منوعات

لا يوم واحداً للحب !

(أرشيفية)

(أرشيفية)

في عيد الحب، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من سموّ في المشاعر الإنسانية، لن نتحدث عن الحب بمعناه المعتاد، في زمننا الحالي، والذي تحوّل في حياة الكثيرين في هذه الأيام إلى «حبة شوكولاته» أو وجبة جاهزة، على طريق الحياة، المزدحمة بفوضاها ومتاعبها، وإنما عن الحب بمعانيه الحقيقية، كجملة من المشاعر القوية التي تندفع في ذواتنا عندما نغرق في بحره، بما يعنيه من لذة، وقوة تمنحنا حياة أخرى، حياة تقودنا إلى الطمأنينة.
والحب حاجة إنسانية عظيمة، لا تقل في أهميتها عن الحياة نفسها، فأي حياة تلك التي تفتقر إلى الحب؟!
إنها أشبه ببيداء لا زرع فيها، وعلى الرغم من أن مفهوم الحب أشمل بكثير، من تلك المشاعر الحميمية التي تربط بين المرأة والرجل، بعلاقة عشق دافئة، إلا أن تلك العلاقة، ربما تكون من أوضح تجليات الحب، التي تشمل كل شيء.
فالإنسان الذي يبدأ حياته بحبه لوالديه وتعلقه بهما، يتسلسل في مراحل حبه، وصولاً إلى حب الجنس الآخر، تواقاً بالفطرة إلى إنسان آخر يحبّه، ويرى فيه ذاته أو نصفه الآخر.
ومع أن الحب كلمة غير مرتبطة بشيء محسوس، ولا يمكن إدراكه بالعقل أو شرحه بالمنطق، إلا أن آثاره تثبت أن غيابه من حيواتنا يقود إلى الاضطراب في السلوك والنفسية، ويجعل حيواتنا أشبه بالورود الذابلة التي تنتظر العاصفة لاقتلاعها.
هاهو الكاتب الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، يقول في امرأة غاب الحب عن حياتها: رأيت امرأة ميتة يوم أمس وكانت تتنفس مثلنا ! ولكن كيف تموت امرأة؟ وكيف تراها تحتضر؟ تموت إذا فارقت وجهها الابتسامة، إذا لم تعد تهتم لجمالها، إذا لم تتمسك بأيدي أحد ما بقوة، وإن لم تعد تنتظر عناق أحد، وإن اعتلت وجهها ابتسامة ساخرة إذا مر عليها حديث الحب.. نعم هكذا تموت امرأة.
وتقود الفلسفة الإغريقية إلى التأكيد بأن الحُبّ من الدعامات الأساسية للفلسفة، وأنه غير منته، لأن الحب الذي ينتهي لا يكون حباً حقيقياً، رغم ما يحمله في بعض الأحيان من عناء وآلام، وأنه يعني اللذة والفضيلة المتحققة منها، أما أفكار المدرسة النفسية التحليلية لفرويد، فتؤكد أن الحب عامل أثارة لغريزة حب الحياة وخلق دوافع للبناء الجديد.
ويحفل التاريخ العربي بالكثير من قصص الحب الخالدة، التي استطاع أصحابها تصوير تلك المشاعر الجياشة التي تجتاحنا عندما ندلف عالم الحب، فها هو قيس بن الملوح والملقب بمجنون ليلى لهيامه في حب ليلى العامرية التي نشأ معها وعشقها فرفض أهلها أن يزوجوها به، فهام على وجهه ينشد الأشعار ويأنس بالوحوش ويتغنى بحبه العذري، ها هو يقول فيها:
أُحِبُّ مِنَ الأَسماءِ ما وافَقَ اِسمَها
أَوَ أشبَهَهُ أَو كانَ مِنهُ مُدانِيا
أَعِدَّ اللَيالي لَيلَةً بَعدَ لَيلَةٍ
وَقَد عِشتُ دَهراً لا أُعِدَّ اللَيالِيا
فَيا رَبِّ سَوّي الحُبَّ بَيني وَبَينَها
يَكونُ كَفافاً لا عَلَيَّ وَلا لِيا
وَقَد يَجمَعُ اللَهُ الشَتيتَينِ بَعدَما
يَظُنّانِ كُلَّ الظَنِّ أَن لا تَلاقِيا

إنه الحب، تلك القوة الروحية التي لابد لنا منها للاستمرار بسلام في حيواتنا، إنه الورود التي تتفتح في دروب الحياة بانتظار أن تلامسها أيادينا برفق، إنه زهرات عباد الشمس التي تنحني إليها كل صباح لتلقي بالتحية إليها، إنه الفرح الذي يستحق الاحتفال به كل يوم، وليس في يوم واحد نسميه عيد الحب.

اقرأ أيضا

«أسبوع كازاخستان» ينطلق اليوم بـ«الشارقة للتراث»