الاتحاد

تقارير

الانتخابات الأميركية ومسألة المشاركة السياسية

دانيال ألتشولر
منسق منظمة لونج آيلند للمشاركة المدنية
ليندزي هودل
مديرة مشروع انخراط مقدمي الخدمات الاجتماعية في الحياة السياسة

بعد المناظرة الانتخابية الأخيرة التي اعتبرها العديد من المراقبين نصراً حقيقياً للمنافس الجمهوري ميت رومني، يبدو أن الشوط الأخير من الانتخابات الرئاسية قد دخل مرحلته النهائية، ولعل أهم ما يشغل بال المحللين ومراقبي الانتخابات هو نسبة المشاركة في التصويت، حيث ينصب اهتمام أغلب هؤلاء المحللين على قياس قدرة القاعدة الحزبية لكل طرف على التعبئة والإدلاء بالأصوات، فضلاً عما إذا كانت المواجهات الخطابية بين الحزبين ستنجح في إقناع الأصوات المترددة في حسم خياراتها لطرف على حساب الآخر. لكن إذا كانت هذه الأسئلة وغيرها ستسهم، بلا شك، في تحديد نتيجة انتخابات شهر نوفمبر المقبل، فإنها تغفل عن معالجة المشكلة الحقيقية المتمثلة في نسبة المشاركة التي تعتبر التحدي الأكبر للديمقراطية في أميركا، هذا التحدي يُختصر في سؤال جوهري مفاده: كيف يمكن الرفع من نسبة المشاركة السياسية للشعب الأميركي، لا سيما لدى ذوي الدخل المحدود والفئات العرقية من غير البيض الأميركيين؛ وفي سياق يتميز بانخفاض نسبة التسجيل في اللوائح الانتخابية والإقبال على التصويت تحتاج البلاد إلى سن قوانين وسياسات على مستوى الولايات المنفردة تسهل عملية التصويت، مثل الاعتماد على التكنولوجيا والتسجيل الإلكتروني لتحقيق هذا الغرض. لكننا نحتاج أيضاً، بالإضافة إلى القوانين والسياسات المناسبة، إلى تحرك القواعد الحزبية والمنظمات الشبابية داخل الأحزاب لتعبئة السكان.
والحقيقة أن مشكلة المشاركة السياسية لدى الأميركيين والإقبال على التصويت، تنطوي على أبعاد متعددة، ففي الانتخابات الرئاسية لعام 2008 لم يشارك في التصويت سوى 61.6 في المئة من الناخبين المسجلين في اللوائح الانتخابية، وفقاً للأرقام المقدمة من المشروع الأميركي للانتخابات. وتنخفض نسبة التصويت بشكل لافت لدى الطبقات المتدنية في السلم الاقتصادي والاجتماعي، حيث أبرزت المعطيات التي ساقها مكتب الإحصاء أن الناخبين غير الحاصلين على شهادة البكالوريوس صوتوا بنسبة 50 في المئة فقط في انتخابات 2008، بينما تجاوزت النسبة 70 في المئة لدى نظرائهم من حملة البكالوريوس. تلك النسبة المتواضعة من التصويت تعكس خللاً واضحاً في عملية التسجيل باللوائح الانتخابية، حيث يظل الملايين من المواطنين الأميركيين خارج تلك اللوائح على الصعيد الوطني. وتبرز هذه الظاهرة بشكل أوضح لدى المواطنين من ذوي الدخل المحدود والأميركيين من غير البيض الذين يعتبرون الأقل تسجيلاً في اللوائح.
ويمكن رد الأسباب الحقيقة وراء ضعف المشاركة السياسية لفئات من المجتمع الأميركي إلى عوامل عدة منها ما هو متعلق بالمستوى التعليمي والفوارق في الدخل، ومنها ما يتصل بالقيود التي تفرضها الولايات على عملية التسجيل.
وللأسف، ما زالت الأحزاب الرئيسية على الساحة السياسية غير مهيأة بعد للتعامل الفعال مع مشكلة المشاركة ونسبة التصويت المنخفضة، فبالنظر إلى قلة الموارد لا يستطيع المرشحون طرق أبواب جميع الناخبين وحثهم على التصويت، لذا يتم التركيز على الأوساط الأكثر تصويتاً، والتي أثبتت تاريخياً مشاركتها في الانتخابات، لاستمالتها والظفر بأصواتها.
ورغم الجهود المحمودة التي قامت بها بعض المنظمات غير الربحية على مدى عقود لملء الفراغ الحزبي، وإقناع الناس بالتسجيل في اللوائح الانتخابية على أساس محايد بعيد عن التحزب، والقيام بذلك في أماكن عامة، مثل الجامعات والمكتبات والمراكز التجارية، فإن هذه المبادرات تواجه جملة من العقبات على مستوى العديد من الولايات، لاسيما من قبل المحافظين الذين يطالبون ببطاقات للناخبين وبقوانين تحد من عملية التسجيل بذريعة مراقبة التزييف والخروقات. ومع أن الإحصاءات والأرقام تبرئ الانتخابات الأميركية من أي شبهة للتزوير والتلاعب بالبطاقات الانتخابية، تصر بعض الولايات على فرض قوانين صارمة في مجال التسجيل الانتخابي، وهو ما يهدد المشاركة السياسية لفئات واسعة من الأميركيين الذين ينتمون إلى الطبقات الدنيا.
وباختصار يتعين على الأميركيين، من جميع الانتماءات والمشارب السياسية، الانشغال بمشكلة تدني نسبة التصويت في هذا البلد. وفي وضع اقتصادي تطغى عليه الأزمة يتعين إيجاد حلول مبتكرة للتعامل مع هذا الإشكال. وفي هذا السياق نعود للتركيز على دور وكالات تقديم الخدمات الاجتماعية، فهذه المنظمات، ورغم تلقيها تمويلاً من الحكومة، تبقى أهدافها موجهة بالأساس إلى العمل التطوعي والخيري من خلال مد السكان الأكثر هشاشة باحتياجات مختلفة في مجال الصحة والسكن والطعام وغيرها، وهي الأقدر بالتالي على التواصل مع الفئات المستهدفة المتمثلة في ذوي الدخل المحدود وإقناعهم بالتسجيل في اللوائح الانتخابية. وهنا تمكن الإشارة إلى بعض النجاحات التي حققتها المنظمات غير الربحية، حيث استطاع نحو 70 من مقدمي الخدمات الاجتماعية في ولايات من بينسلفينيا إلى واشنطن، تسجيل أكثر من ثمانية آلاف شخص. ومن بين المسجلين تمكنت هيئة أخرى من المنظمات غير الربحية انتزاع 12 ألف وعد بالتصويت من المسجلين في اللوائح الانتخابية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"

اقرأ أيضا