الاتحاد

ثقافة

الحب كعلّة سعيدة

لا يوجد أشخاص خاطئون في الحب

لا يوجد أشخاص خاطئون في الحب

حتى لو كان الحبّ اختراعاً مجتمعياً كما قال فوكو، أو أننا لم نكن لنقع فيه لو لم نسمع به قبلاً كما وضّح الفيلسوف لاروش، أو أنّه ليس إلا معادلة كلما ازداد فيها تطور المجتمع نقص إحساس الفرد بتميزه عن الآخرين، ما يجعله في حاجة أكبر للحب الذّي يمنحه قيمة لذاته المتشتتة، فقد رأى «لومان» أن التواصل مع الآخر في لعبة الحب لا يتم فقط من خلال الكلام والعناق، بل من خلال قواعد أكثر تعقيداً تحكمها التوقعات التي يسقطها العاشق على المعشوق، ولأن التوقعات كلّما زادت قل تحقيقها، ينتهي العاشق إلى حال من «عدم الإشباع» تجعله في النهاية يحب «حالة الحب» بحد ذاتها.

الحديثُ عن الحبّ هو حديث من شباك، عليك أن ترمي كرة أكبر بكثير من ثقوبها وإلا أفلتت هذه الكرة من بين تلك الخيوط ولو دخلت مرماها، لا يكفي أن تدخل، بل يجب أيضاً المحافظة عليها بالاهتمام بحجمها، وحتّى حينما نهتم بحجمها ونضاعفه ليناسب تلك الثقوب فهذا لا يمنعها من الارتداد في العارضة ولا اجتيازها من فوق خارجة عن كل المرمى. والمنطقيّ في كلّ هذا هو تحمّلكَ لكل تلك المعرفة القاسية التّي تتمدد بالتجربة وتتغذى على المأساة، فالحبّ باعتباره معرفة مهما كان نوعها، يمتلكُ نواة قوّة الإرادة التّي بالطبيعة ستقودنا إلى إرادة القوّة، والعاطفة هذه وحدها ما يعزز الثقة بالذات والشعور بالسيطرة على كلّ العالم من حولنا.. ويمكنها أن تجعل منّا ديكتاتوريين يضطهدون كلّ فكرة تنبع من مكان آخر ودمويين لكن بطريقة وجوديّة تسيل فيها غالباً مساحة مراعاة الآخرين! عاشق، عاشق سيصرخُ النّاس وجودياً حينما يمرّ هذا المعلول المصاب بسعار الحب كأنّه مجرم يتنامى مثل سافانا في مناطق استوائية. إنّ للألغاز دائماً تلك السلطة المحيّرة، والحب لغزه في علّته، وهؤلاء الأشخاص الغريبون هم وحدهم من يخلقون فيك التوق للمعرفة بتساؤل: هل نحن آموك؟

سعار الحب
ماليزيّ، رجل ما شجاع وديع أيما وداعة، جالس ويحتسي بهدوء مشروبه السحريّ، إنه هنا، جامد في مكانه، يجلس لا مبالياً وبلا طاقة، تماماً مثلما كنت جالساً في غرفتي، وفجأة، يثب، يأخذ خنجره، ويهرول إلى الطريق، ويركض إلى الأمام مباشرة، إلى الأمام دائماً، دون أن يعرف إلى أين، وكلما اعترضه في طريقه شيء، بشر أو حيوانات، أخرج خنجراً وقتله، تجعله الدماء أكثر وحشية، يمتلئ فمه لعاباً بينما يركض ويركض دون أن يلتفت إلى اليمين أو إلى الشمال، دون أن يفعل شيئاً آخر غير الركض والصراخ الحاد، منتصراً في سباقه المضني، ومواصلاً إلى الأمام دائماً، أي قوة قادرة على إيقافه، لذلك كلما رأوا أحدهم قادماً، كانوا يصرخون بكلّ ما يملكون من قوة منذرين الناس آموك، آموك، ويهرب الجميع لكنه لا يسمعهم، ويواصل ركضه. يركض دون أن يسمع شيئاً، يركض دون أن يرى شيئاً، يذبح كل ما يعترضه، إلى أن يُصرع كما لو كان كلباً مسعوراً منهاراً ومزبداً لحظة نحبه، هكذا وصف ستيفان زفايغ حمى الآموك على لسان بطله الطبيب في عمله «آموك، سعار الحب» لا ليصف لنا غرابة هذا الدّاء فحسب بل لنصل معه في تلك الغرابة إلى حمّى سعار الحبّ، قد تكون ساعة واحدة منذ أن يدخل شخص ما يومك، تجعلك تلقى بكل حياتك في المجهول وترتمي في الفراغ مثل الآموك تماماً بنظرته الفارغة لا تعرف أين تمضي به الرغبة فقد خسر حقيقة إرادة التوقف.
فكّر يوماً إذا اشتريت تمساحاً في إكواريوم مربع من الاثنين سيبقى على حاله التمساح أو المربع؟
لا يمتلكُ الإنسان فكرة نموذجيّة عن إصاباته الوجوديّة ليتورط في الشّرح والتفسير والانسلال من ثقب المبررات ويألف في المخيلة البيوكيميائية فرضياته البيولوجية قاطعة، هنالك علل تودّ أن تصاب بها والحب إحدى هذه العلل التي تتجرد فيها من فكرة الموت البيولوجي المعتاد وتذهب من خلاله في حالة من الاستجابة اليقينية لنداء الموت الذي يخص هنا فناء القلب في مصابه بالآخر المأهول به، لا فناءه عن طريق توقف النبض، وهذا لا يعني أنّ فناءك في الآخر لا يقودك إلى الفناء باعتباره موتاً منطقياً، لهذا تصبحُ كل الأنات التّي يتدرعها الإنسان وهو يفنى في علّته ما هي إلا توسّع ضروري داخل «خريطة الحب» التّي تعوض الفراغ الهرموني، ما يدلّ على وجود علاقة علميّة هرمونية بـ«إثبات الذات»، وما تعدّه أنتَ آخراً ما هو إلا وسيلة للعودة إلى الذات مجدداً، حب الآخر انطلاقاً منّا وعودة إلينا، وفيما يلقّن الطرفان أصولهما يكون طرف منهما قد أسقط خريطته «من الطفولة إلى ما بعدها» على معشوقه حتى يشعر كلاهما أن حبهما حبّ مختلف. وفيما تزداد هذه القناعة تقترب هذه العلاقة أكثر من بقيّة العلاقات الأخرى، ويصبح الفضاء مشهداً من باخرة تقطع الآن خط العرض الذّي تصبح فيه كلّ الأشياء توائم متشابهة، فكلّ من اشترى تمساحاً في اكواريوم يوماً سيكبر هذا التمساح فيما يبقى الإكواريوم على حاله، وحالما نعرف أن هذا الإكواريوم محكوم عليه بالبقاء على حاله يرغم التمساح على أن يكون مربعاً بالضرورة رغم أنّه يكون قد تغير تماماً عن سابقه فيبقى لنا تساؤلنا الحائر: هل المشكلة في التمساح أو الإطار؟ في الحب أو المحب؟
لا تعنينا الإجابة بقدر ما يعنينا قلق هذا السؤال، نحن لا نبحث عن من يعطينا المواعظ أكثر من أولئك الذّين يلقوننا في الأخطاء، الحب كونه يقدّم لنا ذلك الشعور العظيم بالخطأ الصائب مهما كان حجمه تافهاً فهو يقودنا بالضرورة إلى المعرفة حتّى وإنْ لم نصدقها، فكوننا نجهد على إخفائها فهذا يعني أنها موجودة تماماً، وكلّما تقدّمت علاقة الحبّ كلّما أصبحت أقرب إلى المعتادة لأن في تقدّمها يتقدّم معنا ما نقدّمه وحينما يستنفد الطرفان كل ما يقدمانه تبدأ حكاية الواجبات التّي هي بالمختصر وجه كاذب للاهتمام، ومن ثمّ فالقصص التّي تنتهي باكراً هي التّي تبقى أكثر في الذاكرة غالباً.

الكره والنسيان
فهل يكفي الكره لنقول إننا تخلصنا من الآخر؟
أقول أكرهك وأعني أنني لم أتخلص منكَ، الكره لا يعني النسيان ولا حتّى النّفور الذّي هو خيط مسلول من الكراهية، ففي عزّ هوسنا بالحبّ بدل أن نقول للآخر أحبك نجد أنفسنا نصرخ بأكرهك، وهذا لا يعني أنّ الإنسان يكره الآخر تحديداً، هو يكره ذلك الشعور الذّي يجعله قوياً بضعفه «طرف يكره الآخر لأنّه في حاجة إليه، والآخر يكرهه لأنّه لا يتوسّل إليه ليشعره بسلطته»، يكره ما يحوّله إلى آموك يفقد وجاهته ومركزه، ويتصرّف مثل الصبيان أو المصابين بالسعار وتصبح كلّ الشكليات لا تعنيه. الحب الذّي يتعرى فيه من كل أشكال الثياب اللفظية والحركيّة وتسقط عنه ورقة التوت دون الشعور بالخجل، وقد صوّر زفايغ بطله الدكتور وهو يركض في القرية صارخاً متسخاً مبتلاً فاقداً هيبته خلف سيارة تلك المرأة مستغنياً تماماً عن مكانته وكبريائه لمصلحة ذلك الشعور السلطوي الذّي ركع تحت قدميه نيتشه منذ أن وافق على اقتراح سالومي بأن تعيش معه رفقة صديقه ريلكه وفي بيت واحد، قال نيتشه حينها إنه شعر بقلبه يصعد إلى عقله وقرر رسم حبيبته لو تُـمسك سوطاً في يدها وتعتلي عربة يجرها مُفكران -هو وصديقه- رمزاً لخضوعهما الكامل لهذه الصغيرة، الأمر الذّي فسّره على أنّه لم يعنِ شيئاً لها غير كونه مُجرّد برهان على الذوق الجيد، حبيبة شاعر حبيب كاتبة، زوجة طيار زوج طبيبة.. إلخ. تلك البراهين التي تؤسس للآخرين أكثر ما تحمي هذه الثنائية، وحتى لو اعتبرنا أن تلك الثنائية مبنية على الأنانية الذاتية مهما كان تغليفها بالمفردات الرومانسية فإنها تصبحُ بتجاوزها الأنانية التقليدية إلى أنانية أوسع مجردة من سلوك الثقة بالذات المنفصل عن الآخر، ليصبح وجودها مبنياً على ثقل الآخر ومركزه، وهو إلغاء صريح لكيانك في ظل غياب الآخر عنك، مع هذا بعدما تجاوز نيتشه صراعه مع الوحدة أيقن أنّ الحب هو المخلوق المحوري لكل شيء، فالأمر لا يتعلق بعادة أن نحيا بل بعادة أن نُحب، لأن الحب يخشى التغيير أكثر مما يكره الدمار، وأكثر ما يحقّ لنا اعتباره تجاوزاً لشخص ما أحببناه هو النسيان لا الكره، فالنسيان أشدّ قسوة، وحقيقة تجعلنا نتأكدّ من أنّ ما حدث ذات يوم اختفى تماماً حينما انعطف باتجاه اللامبالاة.

الخطأ والصواب
هل يوجد أشخاص خاطئون في الحبّ؟
لا يوجد حب خاطئ ولا أشخاص خاطئون، توجد فقط أوقات خاطئة، الزمن الذّي نلتقي فيه بهؤلاء الذّين كان يجب أن نلتقي بهم سابقاً أو بعد حين، مع هذا نفضّل معهم خوض جزئنا المسموح، متعمدين، حيث يختفي الصواب التقليدي ويظهر الصواب الظرفيّ، أشخاص الأزمنة الخاطئة يوفرون نهاية مضمونة لا تتكلف بثقل التأمّل، وحينما يخوض أي شخص هذه التجربة لن يستطيع الإفصاح بذلك لذاته لأنّه لا يريد من ذلك الحبّ إلا رومانسيّته ومبرراته، فحينما علّق محمود درويش «أجمل الحب أوّله»، هو لم يكن يوضّح إلا اختفاء تلك الرومانسية الأفلاطونية مع مرور عمر ذلك الحبّ وتعويضها بنظرة أخرى أشدّ واقعيّة، لهذا نجد أشخاصاً كثيرين يقعون داخل لعبة الحب المستحيل المليء بالمصائب رغم معرفتهم المسبقة بالخسارة أو بعدم الذهاب بعيداً في تلك العلاقة المنتهية قبل حتى بدايتها، هم في الحقيقة يحبذّون معاناة المستحيل المصطنعة على المعاناة الحقيقية للممكن الذّي من خلالة لا يحصلون على ذاتهم الأولى كما دخلوا بها هذه العلاقة، فهم يصنعون لأنفسهم نهايات مضمونة لا تخلّف وراءها إلا أوقاتاً بائسة يمكن التغلب عليها بالكتابة أو القراءة أو علبة شوكولاتة أو الذهاب في رحلة وحتى الدخول في علاقة أخرى، فكونهم لم يحققوا الهدف المنشود ليس ذلك سوى نتاج لصعوبة الهدف الحقيقي المزيف طبعاً، ومن ثمّة لا يجد هؤلاء الأشخاص مجالاً يقدّمون فيه اعترافاً باختياراتهم لأنهم في الحقيقة راهنوا على فشلهم منذ البداية. إن أشدّ الأخطار التّي يسير عليها قلب هي هذه التي يريد فيها حباً لا يمكنه الحصول عليه، لأجل أن يخوض تحديات يخلقها من الفراغ حينما لا تكون في حياته سباقات حقيقية أو تحديات روتينية يتحرر منها عبر الوقوع في المستحيل، فالناس الذين يقومون بتحديد الأهداف المستحيلة مسبقاً يضمنون تفسيراً مسبقاً لفشلهم، الفشل الذي ليسوا مسؤولين عنه. والأمر كذلك يتعلّق بالحفاظ على المسافة التي تكاد تنعدم بين نقطة البداية والنهاية في كلّ تحركات هذه العلاقة لأنّها تبقيها خالية من أيّ التزام لمعرفتنا المسبقة بأن هؤلاء الأشخاص ليسوا مناسبين لنا.
ما هو الحب الحقيقي هل هو ذلك فقط الذي انتصر؟
يعتقد الإنسان أن الحبّ يحميه من المأساة، وأنّ كل الأشياء التّي ستحدث له مع شخص يحبّه يمكنهما تجاوزها ببساطة، لكن الحب لا يستطيع فعل هذه الأشياء، وأنّه أحد مصادر المأساة العظيمة، حينما يحبّ الناس يخافون أكثر ويطمعون أكثر ويصابون أكثر بالتوتر والخذلان، فمهمة الحبّ ليست الانتصار بل الصدق، الصدق حتّى في كذبنا! ويعتقد البشر حينما تفشل علاقتهم بالآخر أن طرفاً فيها كان يتلاعب بالعاطفة وكانت له القدرة على أن يقول «أحبك» كمحترف يتقن الكذب بصدق، لكن الحقيقة أن تلك اللحظة كانت صادقة حقيقة، وكلّ ما في الأمر أن العلاقة كان لها عمر أقصر مما هو متوقع فقط، وهذا لا يلغي مصداقية تلك الجمل والتصرفات الغراميّة، فكلّ حب هو حب حقيقي مهما كانت نهايته فاشلة.
فهل السعادة أفضل من الصواب في الحب؟ هل مشيئة الحبّ هي التي تخضع حركة الحقيقة؟ هل الصواب يجب أن يكون دائماً هو الحقيقة؟ يحافظ الإنسان على أشيائه التي يحبّها بالإصرار عليها، وهذا لا يكفي دائماً لتكون تلك الأشياء لنا أو معنا، لا يمكنك أن تأخذ بيتاً فقط لأنّك أحببته، يجب في بادئ الأمر أن يكون لديك ما يكفي للحصول عليه كما في علاقتنا بالحبّ تماماً. قد يقول الإنسان البيت شيء تجريدي، ولكن الحقيقة نحن نأخذ بيوتنا بشعورنا كذلك الذي مصدره الدائم هو القلق والخوف، وأحياناً نصرّ لأننا لا نملكُ بديلاً لا لأننا على صواب، والبحث عن الحقيقة لا يعني دائماً بحثاً عن الصواب، تصبح الحقيقة غير صائبة حينما لا تعود حقيقة، وتصبح مزيّفة حينما تنكشف أمام أشخاص غير معنيين بها، والصواب هنا لا يعني أن يعرف هؤلاء تلك الحقيقة التي لم تعد مجدية، الحبّ كعلّة سعيدة لا تبحث إلا عن صوابها.

أرندت وهيدجر
عبّرت الفيلسوفة الألمانية حنة أرندت عن الحب في الرسالة التّي بعثتها لمارتن هيدجر بعد انقطاع تقول: إن الإخلاص يجعلنا نتقبل فكرة أن الحياة تستمر على نحو ما في مكان آخر يوجد فيه حبيبي مع شخص آخر، والخطيئة الوحيدة التي يُمكن أن يرتكبها الحبيب في حق حبيبه هي النسيان، النسيان فقط. وعلى عكس الغضب الذّي ينطفئ تتغذى الكراهية والحب لأنهما لا يستلزمان وقتاً أطول فقط، بل إنهما كما يقول هيدغر الشعوران الأصليان الوحيدان اللذان يحملان مسافة زمنية واستمرارية حقيقية لوجودنا، وهذا ما تطرق له في عمله الشهير الكينونة والزمان.

اقرأ أيضا

"الشارقة للتراث" يشارك في فعاليات معرض الدار البيضاء للكتاب