الاتحاد

ثقافة

رهانات فوق الخشبة

مشهد من مسرحية «لا تقصص رؤياك»

مشهد من مسرحية «لا تقصص رؤياك»

أُعلن عن «مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي» سنة 2013. وحمل المهرجان منذ أن كان فكرة، وحتى تحوله إلى واقع، عبء النهوض بالمسرح الخليجي، سواء على صعيد النصوص أو الكوادر أو التقنيات. لقد كانت المهمة صعبة، بالظروف الذاتية والموضوعية، ومع انطلاق دورته الثالثة، هل استطاع المهرجان أن يحدث تغييراً في المشهد؟ وكيف؟
هنا استعراض للمجريات، وإجابات من واقع التجربة ورهاناتها:

انعقدت الدورة الأولى من المهرجان سنة 2015، وتقرر أن ينظم مرة واحدة كل عامين، واليوم تحل دورته الثالثة؛ فكيف أثر هذا المهرجان على المشهد المسرحي في دول مجلس التعاون خلال السنوات الست الماضية؟
تعتبر التجربة المسرحية في الخليج حديثة نسبياً، مقارنة بسواها من التجارب في الخريطة العربية، ولكن بفضل الرعاية السخية والدعم المادي والمعنوي اللامحدود، الذي قدمه ويقدمه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، غدت الشارقة «عاصمة للمسرح العربي»، بشهادة العديد من المشتغلين في المجال، وصارت «أيام الشارقة المسرحية»، التظاهرة الأكثر استمراريةً وتطوراً على صعيد المهرجانات المسرحية المحلية العربية (تسجل دورتها الـ29 في مارس المقبل).
إذن، لقد خلقت الشارقة بيئة مثالية للنشاط المسرحي، تتوافر فيها مقومات وإمكانات نوعية، ولها تاريخها ورصيدها الواسع من التجارب والخبرات في كل ما يتصل بالفن المسرحي، وقد امتد إشعاعها على مجمل الخريطة العربية. ومن هنا، استبشر أهل المسرح الخليجي خيراً حين تبنت الشارقة فكرة إقامة المهرجان، الذي سرعان ما أثبت أهميته وجدواه وعدّه أكثر نقطة انتقال كبرى في تاريخ الممارسة المسرحية بالمنطقة.

قراءة
منذ البداية، كان على المهرجان أن يقرأ ماضي المشهد المسرحي الخليجي وحاضره، وينتقي مدخلاً مناسباً يتجنب من خلاله الإشكاليات التي رافقت التظاهرات المسرحية التي أقيمت في وقت سابق. يمكن القول إن هذه الإشكاليات تتمثل بصفة خاصة في (ضعف التمويل)، وهو ما أدى، مع مرور الوقت، إلى تحول العديد من الفنانين المسرحيين الخليجيين للعمل في مجالات أخرى، تدر أموالاً في وقت أقصر وبجهد أقل، مثل «المسرح الجماهيري»، أو ما يعرف بـ«المسرح التجاري»، والذي تنتج عروضه شركات خاصة، هدفها الربح المادي بشكل أساس، وهناك أيضاً «الدراما التلفزيونية» التي استقطب (ويستقطب) سوقها النشط معظم الكوادر التي تخرجت في كليات ومعاهد المسرح، من ممثلين ومخرجين وكتّاب، ومن مختلف الأجيال.
إذن، لقد عانى المسرح الخليجي، الذي يواجه نقصاً منذ بداياته في عدد المنتسبين إلى فرقه ومجاميعه الفاعلة، من فقدان العديد من الفنانين الذين تعلموا في مدارسه وتدربوا في ورشه وبرزوا في منابره، خاصة في العقدين الأخيرين، وتحولت منصة المهرجان المسرحي، الذي ينظم في دولة خليجية ما، إلى مجرد «مختبر» مخصص لاختيارات منتجي عروض المسرح التجاري والدراما التلفزيونية، من الكتّاب والممثلين والمخرجين وحتى التقنيين، الأكثر مهارةً وتمكناً وإبداعاً!
وقد أثر هذا الوضع، بطبيعة الحال، في نوعية العروض المسرحية المقدمة، شكلاً وموضوعاً، كما انعكس ضعفاً منظوراً في مستوى التظاهرات والمواسم المسرحية، وبالنتيجة: توقفت مهرجانات مسرحية كانت قائمة، وتضاءل حضور «أبو الفنون» في رزنامات الأنشطة الثقافية، بعدد من دول مجلس التعاون، بينما زادت إنتاجية الدراما التلفزيونية، وتضاعف نشاط المسرح التجاري.
من هنا، توجه مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي، أولاً، إلى تخصيص دعم مادي سخي للفرق التي يتم اختيارها للمشاركة في المهرجان، يمكّنها من إنتاج أعمالها في ظروف محفزة وملهمة، ويصل هذا الدعم إلى مبلغ قدره (100) ألف دولار لكل عرض، مع نفقات أخرى، فضلاً عن جوائز للعروض المتميزة تصل مبالغها الإجمالية لنحو «100» ألف دولار أيضاً.
إلى ذلك، ودعماً لعروض وتعزيزاً لمستقبل المهرجان، أطلقت الشارقة مسابقة سنوية مستقلة للتأليف المسرحي مقصورة على الكتّاب الخليجيين ممن تزيد أعمارهم على 21 سنة، وتبلغ القيمة المادية الإجمالية لجوائز هذه المسابقة 175 ألف درهم.
ولعل من أول الأمور اللافتة، في هذا السياق، سواء في عروض الدورة الأولى أو الثانية أو الثالثة، أن معظمها اعتمد على نصوص لكتّاب مسرحيين من دول مجلس التعاون، وأكثر من ذلك: في الدورة الماضية (2017) شارك مسرح الشارقة الوطني بنص للكاتبة الكويتية تغريد الداوود بعد نيله جائزة الشارقة للتأليف المسرحي. هكذا انسجمت مسابقة التأليف مع المهرجان الذي يخصص بدوره جائزة قيمة للنصوص المتميزة، يبدو أنها تجذب في كل دورة المزيد من الكتّاب الخليجيين.

تميّز
وعلى الرغم من قصر عمر المهرجان، إلا أنه قدم في دورتيه السابقتين العديد من المؤشرات الدالة على أن خطة الشارقة بدأت في حصد ثمارها، فعندما ننظر إلى مسيرة العروض التي أنتجها المهرجان وقدمت للمرة الأولى على خشبته، لا سيما تلك التي توجت بجوائزه، نلاحظ أنها طرحت شخصية فنية جديدة للمسرح الخليجي، كما أحدثت صدى واسعاً ليس في المنطقة فحسب، ولكن على الصعيد العربي بشكل عام. ولنأخذ على سبيل مسرحية «لا تقصص رؤياك» من تأليف إسماعيل عبدالله وإخراج محمد العامري، التي شارك بها مسرح الشارقة الوطني، وفازت بالجائزة الكبرى في الدورة الأولى للمهرجان فبراير 2015، فلقد حصدت هذه المسرحية لاحقاً عشر جوائز في المسابقة الرسمية للمهرجان المحلي (أيام الشارقة المسرحية ـ مارس 2015)، من بينها جائزة أفضل عرض مسرحي متكامل، لتنتقل في أكتوبر من السنة ذاتها وتشارك بمهرجان أيام قرطاج المسرحية في تونس، ثم في يناير 2016 شاركت المسرحية في مهرجان المسرح العربي الذي نظمته الهيئة العربية المسرحية في دولة الكويت، وذلك بعد أن تم اختيار المسرحية من بين عشرات العروض العربية للمشاركة في المسابقة الرسمية (جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي عربي).
وثمة عرض مسرحي آخر مميز، أنتجه المهرجان وقدم في دورته الأولى تحت عنوان «صدى الصمت»، من تأليف قاسم مطرود وإخراج فيصل العميري، وشاركت به فرقة المسرح الكويتي، وقد حصد أربع جوائز، من بينها جائزة أفضل إخراج. هذا العرض سيتوج لاحقاً، أي في يناير 2016 بأرفع جائزة مخصصة للمسرح العربي وهي (جائزة الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي لأفضل عمل مسرحي عربي) التي تمنح في إطار مهرجان المسرح العربي، الذي تنظمه الهيئة العربية للمسرحية، كما تم اختيار العرض في قائمة من أفضل ثلاثة عروض عربية قدمت في الدورة الأخيرة من مهرجان القاهرة الدولي للمسرح المعاصر والتجريبي (2018)، وفي ديسمبر الماضي منح مخرج العرض فيصل العميري جائزة الدولة التشجيعية في بلده تثميناً لعمله « صدى الصمت»، الذي وضع الكويت في صدارة المشهد المسرحي العربي خلال العامين الماضيين.

تشابك
على أن ما حصل مع العرض الذي أنتجه المهرجان في دورته الثانية وفاز بجائزته الكبرى والموسوم بـ«تشابك»، وهو لفرقة الوطن السعودية، كان له وقع المفاجأة؛ فبعد أن توج العرض بالجائزة قدمت في مناسبات ومدن مختلفة في المملكة ويمكن القول إنه سلط أضواء جديدة على واقع المسرح هناك، فلقد عرضت المسرحية التي كتبها فهد ردة الحارثي وأخرجها أحمد الأحمري، في مهرجان سوق عكاظ، وفي «الجنادرية»، كما تم الاحتفال بها في اليوم العالمي للمسرح بمقر «مسرح التلفزيون» في المملكة، وهي حققت حضوراً لافتاً للسعودية في مهرجانات مسرحية عدة، فلقد أفلحت في تخطي المسابقة التمهيدية، من بين أكثر من مئة عرض مسرحي عربي، وتأهلت للمسار المخصص للجائزة في مهرجان المسرح العربي (نظم في تونس 2018)، وكما حصدت إشادات النقاد والمهتمين حين قدمت في مهرجان أوال في البحرين وظفرت بجائزة «التميز» التي منحت للممثلين في العرض.

مسؤولية
مع أخذ، كل ما سلف، كيف يقرأ المسرحيون الخليجيون تجربة المهرجان؟ توجهنا بالسؤال إلى الناقد البحريني يوسف الحمدان؛ فقال: بالنسبة لي كمسرحي خليجي أعتقد أن مهرجان الشارقة غيّر وسيغيّر المشهد المسرحي في المنطقة كثيراً مع الاستمرارية، فالشارقة لها سمعتها الثقافية وهي عاصمة فعلية لجميع المسرحيين العرب اليوم، لأن هناك محباً كبيراً وداعماً ملهماً للمسرح هو صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ولأن هناك حراكاً مسرحياً حيوياً وتقاليد عمل راسخة ونشاطاً توثيقياً ونشرياً دائباً ومتصلاً، وكل هذا أسهم في تصل هذه الإمارة لهذه المكانة، وحين تقيم الشارقة هذا المهرجان فهي قادرة على صونه والتقدم به إلى آفاق أكثر تطوراً».
وتابع الحمدان قائلاً: «من معطيات الدورتين السابقتين أستطيع القول إن المشهد يزدهر، لقد شاهدنا العديد من العروض المسرحية المتميزة فعلاً، وتابعنا ندوات وملتقيات فكرية بمحاور وأسئلة في غاية الأهمية وكل هذا يعد من المكاسب الكبيرة التي عودتنا عليها الشارقة، ولكن من المهم أن تستشعر إدارات الفرق المسرحية الخليجية المسؤولية وتكون على قدر رهان صاحب السمو حاكم الشارقة عليها، فلقد منحت دعماً يفوق كلفة إنتاج عرض مسرحي واحد؛ فعليها إذن أن تحسن صناعة عروضها أولاً، وثانياً أن تقيم بما تبقى من الدعم الذي يقدمه المهرجان ورشات تدريبية وتحتضن المزيد من المواهب، وثالثاً تستثمر الفرصة التي يتيحها المهرجان الذي يحل مرة في كل عامين في تقديم المبتكر والجديد والمختلف؛ هل تفعل ذلك الآن؟ بلا شك إنها ستواجه المزيد من الأسئلة مع مرور الوقت، سواء من عضويتها أو من الفاعلين في الساحة: ماذا فعلت بكل هذا الدعم وكيف أنتجت عرضها، وسيكون عليها أن تجيب، كما إن الإدارات والأجهزة الثقافية في دول مجلس التعاون عليها أن تستلهم مبادرة الشارقة في إقامة هذا المهرجان وتستحدث من الأنشطة ما يعززه ويمدد دوره وأثره».

نموذجي
من جانبه قال الكاتب السعودي فهد ردة الحارثي، إن المهرجانات المسرحية تعيد للمسرحي تكوينه، وان بعض العروض التي تقدم في هذه المهرجانات تملك أن ترد إليك ذاتك كفنان مسرحي وتحفزك وتزيد من حيويتك ومشاغباتك وتداخلك مع المسرح، وأضاف: مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي جاء ليقدم لنا هذه الروح فيعبر دورته الأولى بنجاح ثم الثانية بنجاح أكبر. لقد قدم مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي النموذج الأكمل لشكل المهرجان فهو عندما يقدم لكل فرقة مسرحية تشارك به ظروف إنتاج خيالية وغير مسبوقة وداعمة بشكل لا نظير له، فإنه يشجعها على البحث والاجتهاد والمثابرة لتقدم عملها الفني بطريقة مبدعة، وهو يمنحها أيضاً الوقت المناسب للتنفيذ والعمل بشكل مريح ثم هو عندما يقدمها في مهرجان كبير ويدخلها في حالة التنافس فانه يحضها على التجويد والإتقان».
وذكر الحارثي، الذي كتب نص العرض السعودي المتوج بجائزة الدورة الماضية من المهرجان، أن دعم المهرجان ساعد الفرقة الفائزة في أن تتنقل بعرضها في معظم مدن المملكة وفي بعض الدول العربية التي شارك بها العرض.

أسئلة
أما المخرج العماني عماد الشنفري، فقال: يتفق الجميع أن مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي والذي وجه بتأسيسه صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، أتى ليعزز ويطور المسرح الخليجي، وذلك من خلال توفير كافة الإمكانات المادية والفنية والتقنية للعمل المسرحي، والمتتبع لمسيرة هذا المهرجان، من أول دورة، سيجد الاهتمام البالغ من قبل القائمين عليه بمختلف الجوانب التنظيمية والفنية ولا شك أن المهرجان ولد كبيراً، والسؤال المطروح هل استطاعت الفرق الخليجية استغلال هذا الدعم لتقديم مسرح خليجي أكثر تطورا وإبداعاً؟» ويواصل قائلاً «حقيقةً، إلى الآن لم نر انعكاساً حقيقياً لذلك الدعم في مستوى ما تقدمه الفرق إلا القليل منها. في تقديري أن هناك جوانب فنية عديدة للعرض المسرحي يمكن لمثل هذا الدعم السخي أن يسهم في ترقيتها، فعلى سبيل المثال كان يمكن لبعض العروض أن تتعاقد مع َممثلين نجوم محترفين من دول مجلس التعاون، كما كان يمكن الاستعانة بمتخصصين محترفين أيضاً في مجال السينوغرافيا حتى وإن كانت هذه الخبرات أجنبية، كما كان يمكن للعروض توفير تقنيات حديثة قد لا تتوافر بالعروض التقليدية، كل هذه العوامل يمكن توفيرها من خلال الدعم المقدم لكل عرض مما سينقل هذه العروض إلى مرحلة أخرى أكثر احترافية».

عروض
تتضمن الدورة الثالثة من مهرجان الشارقة للمسرح الخليجي العروض التالية:
ـ «مدق الحناء» من عُمان، لفرقة مسرح مزون، تأليف: عباس الحايك وإخراج: يوسف البلوشي.
ـ «حبوس» من السعودية لفرقة الوطن المسرحية، تأليف: صالح بن علي آل زمانان وإخراج: نوح الجمعان.
ـ «نوح العين» من البحرين، لفرقة مسرح آوال، تأليف: جمال صقر وإخراج: أنور أحمد.
ـ «مجاريح» من الإمارات لفرقة: مسرح الشارقة الوطني، تأليف إسماعيل عبد الله، وإخراج: محمد العامري.
ـ «الصبخة» من الكويت لفرقة مسرح الخليج العربي، تأليف: عبد الله العابر وإخراج عبد الله العابر.

اقرأ أيضا

عبد الوهاب الرفاعي: أعاني "فوبيا" الإصدار