ثقافة

الاتحاد

فيرونيسي: تصدعات إيطاليّا بلغت نقطة حرجة

ساندرو فيرونيسي

ساندرو فيرونيسي

حسونة المصباحي (برلين)
في روايته الجديدة «فضاء فارغ»، اهتمّ الكاتب ساندرو فيرونيسي المولود عام 1959 بالتّحوّلات الكبيرة التي شهدتها إيطاليا بعد الحرب الكونيّة الثانية، وتحديداً خلال القفزة الافتصاديّة التي تحقّقت في الستينيات من القرن الماضي. وقد صوّرت الأفلام الواقعيّة التي ظهرت بعد الحرب الكونيّة إيطاليا بشكل مدهش وبديع، حيث بدت من خلال تلك الأفلام التي أنجزها مخرجون كبار بلداً مدمّراً وفقيراً حتى لكأنها بلاد من العالم الثالث!
ثمّ جاءت الستينيات بقفزتها الاقتصاديّة الهائلة التي جعلت من إيطاليا الخارجة من حرب طويلة، بلداً متقدّماً صناعيّاً لا يكاد يختلف عن جارتيه الكبيرتين، فرنسا وألمانيا. وفي روايته المذكورة، يسلّط ساندرو فيرونيسي الأضواء الكاشفة على الذين لم يستفيدوا من الرخاء الاقتصادي الذي حقّقته القفزة المذكورة، ولم تكن لهم الجرأة الكافية على الاقتراب من مصادر النعمة والتّرف. وفي السبعينيات من القرن الماضي، عرفت إيطاليا «الإرهاب الأحمر» الذي جاءت به «الألوية الحمراء». وبرصاص تلك المنظّمة اليساريّة المسلّحة، سقط ألدو مورو رئيس الحكومة الإيطاليّة الذي كان اليساريّون المتطرّفون يعتبرونه رمزاً لـ«الرأسماليّة المتوحشة» بحسب تعبيرهم. وعلى مدى سنوات طوال، عاشت البلاد وسط أجواء مشحونة بالعنف والفوضى والرعب. مع ذلك تمكّنت القوى الديمقراطيّة بفضل الرئيس برتيني الذي كان قد عرف السجن خلال فترة موسيليني، من الانتصار على «الإرهاب الأحمر»، مجبرة أكثر أنصار «الألوية الحمراء» على الاستسلام، أو على الفرار إلى الخارج. ويرى ساندرو فيرونيسي أن حصول إيطاليا على كأس العالم لكرة القدم عام 1982 أعاد للإيطاليين الثقة بأنفسهم، محيياً روح التضامن والتعاون بينهم، جاعلاً إيّاهم ينظرون إلى بلادهم بإعجاب وتقدير. لذلك بدت لهم سنوات «الإرهاب الأحمر» التي سوف تسمّى «سنوات الرصاص» وكانّها «كابوس سريع».
وينظر ساندر فيرونيسي بكثير من التشاؤم إلى أوضاع إيطاليا راهناً. فهناك بحسب رأيه تصدّعات خطيرة على جميع المستويات، السياسيّة منها والاقتصاديّة والثقافيّة والاجتماعيّة. والبلاد لم تعد موحّدة، بل هي منقسمة إلى ملل ونحل، والشمال الغنيّ ضدّ الجنوب الفقير. والفوضى تكاد تكون شاملة. والتنافس من أجل الحصول على الامتيازات، والصراع من أجل المصالح، يهيمن على الأوضاع العامة. والأحزاب تتناحر. واليسار يكثر من الثرثرة من دون أن يقدم حلولاً عاجلة أو آجلة للمشاكل القائمة. واليمين يتخبط في الفضائح، ويعيش أزمات متتالية، خصوصاً بعد أن «عفّنه» برلسكوني بأمواله المشبوهة والقذرة. لذلك يتأسّف ساندرو فيرونيسي على ماضي إيطاليا المجيد. ففي القرون الماضية، كانت بلد الشعر والشعراء. وكانت بلد الفكر، والموسيقى والفنون بمختلف أنواعها. وكانت تشعّ على العالم بثقافة إنسانيّة عظيمة. أمّا اليوم، فهي تعيش فقراً ثقافيّاً مريعاً، والناس لايقرأون حتى الصحف، مكتفين بمشاهدة البرامج التلفزيونيّة الهزيلة.
ويبدي ساندر فيرونيسي إعجابه الشديد ببازوليني الذي كان بحسب رأيه رمزاً للمبدع الحقيقيّ، الحر، متعدّد المواهب، والشجاع في مواقفه، وفي آرائه. وفي جلّ كتاباته الصحفيّة، وأيضاً في رواياته وقصائده وأفلامه، كان ينتقد الأوضاع في بلاده بطريقة ذكيّة وبارعة. وكان يهاجم اليمين والبورجوازيّة والكنيسة المتحالفة معهما. ورغم الرقابة القاسية، والمحاكمات التي تعرّض لها، ظلّ يازوليني محافظاً على رباطة جأشه. كما ظلّ مدافعاً شرساً عن مواقفه وآرائه. أمّا راهناً فلم يعد هناك من هو قادر على أن يلعب دوراً شبيهاً من دور بازوليني، أو ألبرتو مورافيا!

اقرأ أيضا