الاتحاد

ثقافة

القافزة من نجمة إلى نجمة..

ألخندرا بيتزارنيك

ألخندرا بيتزارنيك

بقلم: جيل براسنيتزار
ترجمة: أحمد حميدة

ألخندرا بيتزارنيك التي لا يعرفها الكثيرون، والمحتفى بها في فرنسا، تكاد تكون محلّ تقديس في وطنها الأرجنتين، ولكن أيضاً في كلّ البلدان التي تصل بينها الثّقافة الإسبانيّة. بسوداويّتها وتوسّلاتها المريرة وانتحارها، كان من المتوقّع أن تكون شاعرة ملعونة، ولكن لا شيء من هذا قد يحدث، إذ حظيت ألخندرا باعتراف واسع، وهي لا تزال على قيد الحياة، ونُشرت أعمالها على أوسع نطاق.
الحاجز المنتصب في أعمال ألخندرا بيتزارنيك، والذي قدّ من شظايا الموت، يظلّ مذهلاً ومثيراً للمخاوف.
فثمّة في شعرها وشاح أسود يسربل كلماتها، وهي كلمات بقدر ما تجمّدك..
تصيبك بالإرباك.

ولكنّها وحتى النهاية، سوف تشعر وتحسّ بـ«أناها» الممزّقة وهي تسحبها نحو الفراغ.
ولسوف تقاوم وتقاوم، ليحاصر ما تبقّى بداخلها من حطام.
وتكون قد أطلقت دونما كلل نداءاتها، متحدّثة بفزع وعفويّة، كيما تسمّي ما لا وجود له.
كما تكون قد عرفت كيف تتحدّث إلى الليل المحترق الذي يشبهها.
«إنّي أكتب لمواجهة الخوف، ومقاومة الرّيح التي تنغرز مخالبها في نَفَسِي».
أجنحة العزلة إنّ ذلك «الحزن المنغلق على ذاته» الذي تتحدّث عنه يورسنار، انفتح أخيرا أمامنا بفضل سيلفيا بارون سوبرفيال وكلود كوفون، لقد غدا ذلك الحزن قريباً منّا، وقابلاً للإذاعة والإفشاء.
لقد عبرت بيتزارنيك عالمنا بسرعة نيزك، فاحترقت، تاركة وراءها أثراً باهراً ومتوهّجاً.
كانت ألخندرا بيتزارنيك تكتب لمواجهة اللّيل، لمواجهة الحواجز التي تشظّت أخيرا، لتكون تلك الحواجز غبار كلماتها وأثرا لعبورها.
مروّعة بتصدّعات الأشياء وانكسارها، كانت تحمل بداخلها تلك الشّظايا الخبيئة في عظامها، في حياتها وفي صميم قلقها الوجوديّ.
ثمّ، كلّ تلك الحجرات المهجورة لطفولتها، والمليئة بكلمات لا تزال تحترق إلى غاية اليوم، كما غراميّاتها الغامضة والخاطفة، وصداقاتها القويّة..
آخر متاريسها في مواجهة الموت، فضلاً عن سطوة الأيّام التي كانت تقبض على حنجرتها.
إنّ ذلك الانجذاب الجارف للفراغ، للاّشيء، للخواء، لم يكن بوسعها غير مدّه في عزلتها وتوجّسها من الموت، وخشيتها من الحياة.
ولكن لاشيء قد يوقف الفراغ الذي كان ينهش كينونتها، والغياب الذي لا يتوقّف عن امتصاصها.
«نعيش ههنا بيد تقبض على حناجرنا، أن لا يكون هناك شيء ممكن، فذلك أمر يدركه أولئك الذين كانوا يبتكرون أمطاراً وينسجون الكلمات بعناء الغياب، لذلك كان هناك في صلواتهم حسيس أياد مأخوذة بالضّباب».كانت تحلم بالرحابة، بالموت الآتي، بسطوة اللّيالي المتفيّظة كآبة، وبتدفّق الرّعب.
وكانت الرّيح تخترقها، وهي المثقوبة بمخاوفها، ولكن كانت لعزلتها أجنحة متوهّجة وشفّافة، ولئن كانت ابنة المرايا والرّيح المريرة، فإنّها كانت قادرة على أن تكون شمسيّة وهي في ذروة الانكسار.
فمن قصرها الذي قدّ من كلمات وجليد، تنبعث أنوار غامرة وباهرة.
تشعّ ألخندرا بكلماتها الكثيفة والمختزلة التي كانت في النّهاية رجع صدى لحياتها المختصرة، وجعلت من وجودها ذلك الاحتفال البالغ الصّفاء الذي لا يزال يُجْفِلنا:
أن نكتب، هو أن نعطي معنى للمعاناة لقد بلغ بي الألم حدّا..
غدوت معه مهجّرة من العالم الآخر، أن نكتب هو أن نعطي معنى لمعاناتنا خيارات مشتتة ولدت ألخندرا بيتزاربيك قرب بيونس إيرس، في 29 أبريل 1936 في أفلّنيدا، في أسرة يهوديّة مهاجرة من غاليسيا، التي غادرتها سنة 1934.
وفي هذه الأسرة كان التّواصل يتمّ خاصّة باللّغة العبريّة، إذ وجد والداها صعوبة في تعلّم اللّغة الإسبانيّة.
كان اسمها فلورا ألخندرا بوزكارنيك، فبسّطه موظّفو الحالة المدنيّة إلى ألخندرا بيزارنيك.
زاولت دراستها، وهي مشتّتة بين خيارات عدّة: كلية الفلسفة والآداب، كلية الصحافة وورشات الرسم.
ولكنها كانت لا تستطيع ولا تريد غير «كتابة أحلامها». وقد تحقّق لها ذلك، وهي في سن التاسعة عشر، حين نشرت أوّل ديوان لها.
معترف بها، ستندمج بيتزارنيك في الحياة الثّقافيّة والاجتماعيّة لتحتكّ بعديد الشعراء والأدباء، وخاصة بصديقتها الأثيرة التي طلما بحثت عنها أولغا أوروزكو.
ما بين 1960 و1964، عاشت في باريس، حيث عملت وقتيّاً في صحيفة إسبانيّة، وكتبت لطائفة من الصحف والمجلات.
ثمّ تفرّغت لدراسة الأدب الفرنسي بجامعة السوربون، لترتبط بعلاقات صداقة مع أندري دي منديارغ، أوكتافيو باث، جوليو كورتزار، إيف بونفوا، هنري ميشو..
وقد ترجمت في تلك الأثناء للعديد من الشّعراء، أمثال أرطو، ميشو، سيزار، إيف بونفوا..
لتصبح طرفاً فاعلا ًفي الحياة الأدبيّة بباريس.
ومع ذلك، ففي سنة 1964، عادت إلى بيونس إيرس، وكانت قد غادرتها لتجد مخرجاً لها بعيداً عن الأرجنتين.
وفيما عدا سفرات قليلة، سوف تمضي أيّامها في بيونس إيرس التي كانت تحبّ، في حجرتها الضئيلة، حيث كانت هذه الكلمات لأرطو، المدوّنة على ورقة متدلّية على الجدار: «كان ينبغي لنا أوّلاً أن تكون لنا الرّغبة في أن نعيش». كانت حجرتها تلك متواضعة، وتحتوي على سبّورة سوداء، حيّز خيمياء كلماتها، والتي كانت لا تتوقّف عن محوها وإعادة محوها، في ليال كانت تظلّ فيها على قيد السّهر.
وقد تابعت نشر أشعارها لتتحصّل على عديد الجوائز، غير أنّ ذلك لم يكن كافياً لرأب الفراغ السّحيق الذي كان بداخلها: «حياتي تفتقدني وأنا أفتقد حياتي».
«إنّ حاجتنا إلى المحبّة لقافلة طويلة ووئيدة الخطى».
وكانت حاجتها إلى الحبّ..بلا حدّ.

الصبية المنسية مهوسة بعملها وبوالدتها، التي كانت تعشقها وتكرهها في آن، ما انفكّت بيتزارنيك تزداد شروداً لتنجرف عميقاً في هاوياتها.
لم تكتشف أصلها اليهودي إلاّ في وقت متأخّر، ولكنّها لم تشعر بنفسها يهوديّة إلاّ لأن كافكا وفرويد كانا يهوديين، فلم تكن الاعتبارات الدينية أو الثقافيّة حينئذ، العامل المحدّد في إحساسها بذاك الانتماء، لذلك ولئن اعتبرت نفسها من يهود الشّتات، فإنّها كانت متجذّرة عميقاً في الأرض الأرجنتينيّة.
بعد خمس محاولات انتحار، ما بين 1970 و1971، أمضت بيتزارنيك الأشهر الخمسة الأخيرة من حياتها في مشفى للأمراض النفسية، كان العلاج خلالها قاسياً، وهي التي أثخنتها المخدّرات والتّبغ والكحول.
حين عادت إلى بيتها بشارع منتيفيدو، ابتلعت جرعة كبيرة من المسكّنات ، توفّيت على إثرها يوم 25 سبتمبر 1972، وهي في سنّ السّادسة والثلاثين.
فكانت مغازلتها المتكرّرة للانتحار، قد انتهت بعناق أخير وأبديّ.
هكذا تكون هذه «الصبيّة المنسيّة»، قد اختارت أن تعيش للحظة منخطفة، بأعين مندهشة..
وهي مرتابة من ظلّ ظلّها، من الصّمت الذي كان يجفّفها، ومن الوحدة التي كانت تقبض على حنجرتها.
ولكنّها تكون قد «غنّت بأعذب صوت، وهي تنطّ من نجمة إلى نجمة، ومن ظلّ إلى آخر»، ومضت عاشقة للرّيح بذاكرتها الملتهبة.
لقد كانت «تيها.. عاريا»:
في الفجر قفزت من فوقي وتركت جسدي للضّياء، ثمّ غرّدت حزن ذاك الذي ولد (من «شجرة ديان»)
«أن أفقد الرّغبة في العيش، دون أن أعلم من هو ذاك الذي يعيش بدلا عنّي، وأن أفقد الرّغبة في الكتابة، طالما أنّ الحياة، وهي تجرحني، تتّخذ أشكالا في منتهى الغرابة» (من «نصوص الظلّ»)
تكون ألخندرا بيتزانيك قد ناشدت الكتابة، و«بذلت كلّ أيامها ولياليها، محتفية بالقصيدة».كانت تكتب على سبّورتها السّوداء محاولات شعريّة، ثمّ تصهرها لتُبقِي فحسب على جوهر المعنى وصفوة الإحساس.
فكما النحّات، كانت تستخلص صميم الجوهر، كما لو أنّها كانت في حضرة جلمود ضخم متلألئ، ينشد القصيد الأخير.
«في جوهر القصيد..
قصيد آخر، وفي قلب ذاك الجوهر، هنالك غياب، وفي قلب ذلك الغياب، هنالك روحي»
ولكن القصيد الأخير كان فيه تجلّ للفراغ:
«القصيد الذي لا أفصح عنه، الذي لا أستحقه، خشية أن نكون اثنين، في طريقنا إلى المرآة، فثمّة أحد بداخلي يأكلني ويشربني» (من «شجرة ديان»)
الزمن الذهبي كانت هي الأخرى تبحث عن الزمن الذهبي، عن العبء الثقيل للصمت، عن مرآة ما وراء الأشياء.
وبكلماتها القاطعة، المغلّقة والمتباعدة، كانت تريد أن يواريها الموت.«إنّك لمغرمة بالموت»، هذا ما كان قاله لها أحد أصدقائها.
كانت كلماتها «كحجارة كريمة»، تشعّ في كل الليالي الدامسة..
كلمات ظلّت معلّقة، وجاهزة للتشظّي عند بوّابات القابل للتّصريح، عند بوّابات الصّمت.
«لا شيء يطمئن فيما هو قابل للتّصريح..إنّه نظير الكذب ما يبقى هو الصّمت غير أنّه لا وجود للصّمت» (من «اقتلاع حجارة الجنون»)
حين نقرأ ألخندرا بيتزارنيك، يغدو بإمكاننا رؤية ضباب شفافيّتها الحزينة، إنّها ليست بالأناشيد المكتئبة، وإنّما صفاء شفافيّ لتلك الزّوايا الخبيئة، المتمنّعة أحيانا، والمضمرة في كلّ قصائدها.
ومن تلك القصائد تنبعث براءة مهيبة.
«إنّها تقفز بقميص ملتهب..من نجمة إلى نجمة من ظلّ لآخر لتموت موتة قاصية..
عاشقة الرّيح» (من «شجرة ديان»)
كانت تنشد شعراً يصرّح باللاّمعقول، بما يعجّ به الصمت من بوح خفيّ، وأن يستحيل ذلك الصّمت إلى صفحة بيضاء.
ولكنّه على كلّ بياض، غالباً ما كان يأتي في قصائدها باهتاً، متصاعداً كالبخار في الفضاء.
إنّها لا تعزّينا بقدر ما تروّعنا.
«لو كان بإمكاني لعشت فقط وأنا منتشية، لأشكّل جسم القصيد بجسدي، أن أفتدي كلّ جملة بأيّامي وأسابيعي، وأنا أبثّ في القصيد نفسي، فيما يكون كلّ حرف من كلّ كلمة، قد فني في أعراس الحياة».
دخان ومرايا أصدرت أليخندرا سبعة دواوين، وقد توفقت في التعبير عن «الكلمات الزّائغة»، وهي تصارع وجهاً لوجه الكلمات، التي كانت تحاصرها، تطحنها، كي تجعلها تقذف ما بداخلها، وتفصح عن منتهى سرها، وتجرجرها معها في هوّة عزلتها التامّة.
«أنا لا أعرف الطّير ولا أعرف قصّة النّار، ولكنّي أعتقد أنّ لعزلتي أجنحة»
عزلة قدّت من مخاوف، من دخان ومرايا، وخاصّة من صمت وظمأ.
لقد توفّقت في «معرفة اسم ما لا وجود له»، وتكون أدركت ذلك بالكلمات البائسة لعالمنا هذا، وهي متدلّية بين عالمين.
قصائدها التي تبدو «كعظام مشعّة في اللّيل»، تتحدّى المستقبل الذي كان يروّعها، كمشّاء النّوم..
كانت تشرد عبر المرآة التي لا تعكس الأيّام واللّيالي.
إنّها كانت تقبل نحونا تلك التي، وهي تتخطّى رؤية بالوعات العالم، كانت تقول: «التمرّد هو أن ننظر إلى وردة». كانت ترى نفسها زهرة، تتفتّح لتخبرنا أنّه لا قلب لها.
لقد كان لها قلب، ولكنّه غدا مزقاً من دماء.
كانت هي التي تكتب، هي التي ترتجف وحيدة، وهي تواجه صمت ما كانت تكتبه.
«ذلك الشّيء الذي يهوي في صمت»، والذي كان يعوي كالذّئب في قصائدها، خوفها من الجنون الذي يدفعها إلى تدمير ذاتها، والذي ينسجم مع مقولة لديلان توماس «أريد أن أمزّق جسدي»، كلّ ذلك سوف يجعل من شعرها تعاويذ لطرد الأرواح من حولها.
«من أنا؟» تساؤل كان يمكن أن يكون عنواناً جامعاً لكلّ أشعارها.
عبر عيونها الخضراء الرّائعة والحسيرة، كانت تمعن النّظر بداخلها.
وكان ذلك النزال الذي ما انفكّ ينتهبها: «مردّ رغبتي في الموت عجزي عن أن أكون داخل ذاتي». فكتابة الشّعر كان بالنّسبة إليها مسألة حياتيّة، والمتراس الأوحد للوقوف في وجه الموت والارتجاف.
وعلى سبّورتها السّوداء، وجد قصيدها الأخير، الذي لم تنقله على كرّاسها المدرسيّ، كما اعتادت فعل ذلك.

اقرأ أيضا

ملتقى «الطرايق» الأول في الفجيرة يدعو لإدراجه في قائمة اليونيسكو