الاتحاد

عربي ودولي

دينيس روس·· يكشف خفايا السلام المفقود في الشرق الأوسط



عرض أحمد خضر:

نظرا لكونه رئيس الوفد المفاوض في عملية السلام في الشرق الأوسط والمبعوث الرسمي لكل من جورج بوش الابن وبيل كلينتون، أصبح روس الشخصية الوحيدة التي حازت على احترام كافة الأطراف المفاوضة: الديمقراطيون والجمهوريون، الفلسطينيون والإسرائيليون ورؤساء الحكومات وحتى الناس العاديين· ولذلك كان كتابه (السلام المفقود) بمثابة الرواية السرية لعملية السلام في الشرق الأوسط، والذي يسرد ''دنيس روس'' فيه قصة البحث عن السلام الشامل في هذه المنطقة المضطربة من العالم بحيوية بالغة·
ففي الكتاب الذي صدرت طبعته العربية الأولى في 990 صفحة من القطع الكبير، والذي ترجمه إلى العربية عمر الأيوبي، وسامي كعكي، يروي لنا ''دنيس روس'' عملية السلام بدءا من العام 1988 م، عندما التحق بوزارة الخارجية الأميركية تحت إدارة ''جيمس بيكر''، وحتى انهيار المفاوضات في أواخر عهد كلينتون الأمر الذي دفع الفلسطينيين إلى إطلاق (انتفاضتهم الثانية)، والإسرائيليين إلى شن هجومهم الواسع في الضفة الغربية وقطاع غزة، متجاهلاً زيارة شارون الاستفزازية للمسجد الأقصى، وضيق الفلسطينيين ذرعاً بالمماطلات الإسرائيلية، وتهربهم من استحقاقات السلام، وطوال هذه المسيرة يروي روس بإثارة شديدة جميع النواحي الحاسمة في البحث عن السلام: اجتماعات القمة في مدريد وأوسلو وجنيف وكامب ديفيد، اغتيال ''اسحق رابين''، وصول ''بينيامين نتينياهو'' إلى السلطة وخروجه منها، الشخصيات والاستراتيجيات المستقلة والمتميزة لكل من رابين وشمعون بيريز وياسر عرفات وحافظ الأسد و''بيل كلينتون''، والخطوات الأولى المتعثرة للسلطة الفلسطينية، ثم ينقلنا إلى ما وراء الكواليس للتعرف على الدبلوماسية التي كان يراهن عليها الجميع، ويروي لنا أخبار اجتماعات القمة والمفاوضات السرية التي كانت تجري على مدار الساعة، إضافة إلى الإحباطات والنكوث بالوعود·

كما يشرح روس في كتابه القضايا الواقعة في صلب عملية الصراع من أجل السلام: نزاعات الحدود، الأمن الإسرائيلي، حق العودة عند الفلسطينيين، ووضع مدينة القدس، ولكي ينهي روايته يقدم لنا مجموعة من الدروس التي يمكن الاستفادة منها لمعرفة فشل عملية السلام، بالإضافة إلى خاتمة يصف فيها الأكلاف المرتفعة التي نجمت عن قرار إدارة بوش وقف المفاوضات حول عملية السلام في الشرق الأوسط·
السلام الوهم
يشرح لنا كتاب (السلام المفقود) لماذا بقي السلام في الشرق الأوسط مجرد وهم، وهو يعتبر من الكتب التي تعالج أشد النزاعات تعقيداً في العالم· وحين يتحدث عما أسماه بـ (عرفات وساعة الحقيقة) يقول: إن عرفات ظل متمسكاً بالقدس حتى انهيار مفاوضات ''كامب ديفيد'' حيث طرح عليه كلينتون أن يكون الجزء الأعلى من المسجد الأقصى للفلسطينيين أي (البناء) فيما يأخذ الإسرائيليون الأرض الواقعة تحت المسجد، لكنه رفض وبرر ذلك بالقول إن من يسيطر على الأرض يسيطر على البناء، وهنا دعا كلينتون للسير في جنازته إن هو تنازل عن حقوق الشعب الفلسطيني·
ومن مطالعة الكتاب يتبين أن عرفات بدا أكثر المفاوضين الفلسطينيين تشدداً في نظر الأميركيين والإسرائيليين وكافة الأطراف المشاركة، وأن الجانب الأميركي كان يحاول أن يوسط أحمد قريع، وصائب عريقات، ونبيل شعث، ومحمد دحلان لتليين موقف عرفات على امتداد المفاوضات
بطل الإرهاب
يقول روس إنه على طاولة العشاء الخاص التي ضمت ''شامير'' و''بيكر''، كان شامير راغبا على غير عادته في التحدث عن المستقبل، وقد ألمح إلي ''بيكر'' سراً أن اتفاقية لإقامة كونفدرالية بين الأردن والفلسطينيين والإسرائيليين ربما تنجح، وحين طرح ''بيكر'' فكرة ضمان الولايات المتحدة أمن إسرائيل ومرابطة قوات أميركية في الجولان في مقابل انسحاب إسرائيل منه بدا مستعداً للتفكير فيها وهذا ما فاجأ بيكر مفاجأة سارة··
لذا نرى في هذا الكتاب أن ''شامير'' صاحب التاريخ الإرهابي، والذي كان يتنصل من كل شيء بخصوص السلام، ولا يعترف بأي حق للآخرين، ومن عتاة الاتجاه اليميني في إسرائيل تم تقديمه على أنه يفكر بالسلام الواعد في المنطقة، فيما نراه يسلط أضواء قاتمة على ياسر عرفات الذي ذهب إلى مدريد وأوسلو وواشنطن وكل مكان في العالم بحثاً عن السلام الذي يوافق من خلاله على إقامة دولة على 22 بالمئة من مساحة فلسطين دون أن يظفر بذلك ويتهم في أفضل الحالات بالمتشدد والمتصلب والعقبة التي تعترض مسيرة السلام·
حافظ الأسد
خلال حديثه عن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد قال: إن حافظ الأسد كان شديد الاحتراس، حذراً من المجازفة سواء في الحرب أو السلام، كما أنه كثير الشكوك والارتياب، يكاد يكون متيقناً أننا نكيد له بالتواطؤ مع الإسرائيليين، وأن رابين يحاول أن يكسب نقاطاً أفضلية على حسابه، ويتحدث عن جلساته الطويلة معه والتي كانت تستمر سبع ساعات دون أن يتحرك من مقعده· وذكر المؤلف أنه نادر ما كان الأسد عاطفيا، المرة الوحيدة التي رآه فيها حزيناً بحق كانت بعد وفاة والدته ومقتل ابنه باسل·
الحسين والسادات
وفيما يتعلق بالملك حسين فإن المؤلف اعتبر الحسين بطلاً من أبطال السلام، ولديه اعتزاز كبير بجذوره القومية والدينية والعائلية، وحريص كذلك على مملكته من الخطر الذي تمثله حالة عدم الصلح مع إسرائيل· وذكر روس (أن الملك حسين نسج على منوال الرئيس السادات حين ألقى خطاباً أمام البرلمان الأردني أعلن فيه أنه مستعد للقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي رابين)·
يتواصل روس في كتابه الذي رصد العديد من المحطات والجزئيات في مسيرة السلام المفقود في الشرق الأوسط، وعند الحديث عن قمة واي ريفير التي جمعت كلينتون وعرفات ونتنياهو والتي تم التوصل فيها إلى اتفاقية على بعض النواحي السياسية والاقتصادية حيث حضر الملك الراحل حسين مراسم التوقيع على تلك الاتفاقية ذكر روس أنه حين شربت وزيرة الخارجية مادلين أولبريت نخب عرفات كصديق مميز، رد قائلاً : بأنها لامست قلبه وقلوب الفلسطينيين)، وذكر روس أن الرئيس كلينتون أدار الحدث بمرح وبلاغة وفي إحدى اللحظات مازحني قائلاً: إن رأسي كان مليئا بالشعر الأسود عندما بدأوا تحول إلى أبيض، وعلق الملك حسين على مظهره مازحاً بأن شعري ربما تحول إلى أبيض لكن شعره سقط·
جنازة عرفات
أما في كامب ديفيد فإنه اتهم عرفات بالمقايضة أي كلما قدم له شيئاً يريد شيئاً آخر فيما وصف باراك بأنه متشدد وأن الفريق الإسرائيلي ذهب إلى حدود بعيدة في تقديم التنازلات وجعل من باراك محاصراً بينما ذكر أن صائب عريقات أقر بمبدأ مبادلة الأراضي، ودحلان بالتنسيق مع الإسرائيليين بخصوص الأمن وذكر روس أن عرفات لم يقبل بأي شيء سوى السيادة على كل القدس الشرقية، بينما عرض عليه أن تحصل الأحياء الخارجية للقدس على السيادة الفلسطينية، وأن تحصل الأحياء الداخلية على حكم ذاتي ذي مغزى، بما في ذلك التخطيط وتقسيم المناطق والأمن ومسؤولية حل النزاعات، وفي المدينة القديمة يحصل الفلسطينيون على السيادة في الحيين المسلم والمسيحي، وبشأن الحرم على الوصاية، وقد قدم باراك مطالب الحد الأدنى بشأن الأرض حيث تضم إسرائيل 9% من الضفة الغربية مع مقايضة 1% قبالة غزة، وسيحصل الفلسطينيون على 85% من الحدود مع الأردن وستسيطر إسرائيل على وادي الأردن لمدة تقل عن 12 عاماً، وبشأن اللاجئين سيكون هناك حل يرضي الجانبين، لكن عرفات رفض بصورة مطلقة، وتمسك بالقدس التي اعتبرها تخص المسلمين جميعاً وليس الفلسطينيين فحسب·
خلال قمة كامب ديفيد، كما يقول روس اتهمت الصحافة الإسرائيلية أعضاء الوفد الإسرائيلي بالضعط على باراك من أجل التنازل بشأن القدس ويتحدث روس عن أوقات التسلية التي كان يمضيها مع الوفد الفلسطيني في لعب البولينج وحضور الأفلام السينمائية مع أبو علاء وياسر عبد ربه وصائب عريقات التي كانت تنتهي في الساعة الثانية صباحاً، وعند فشل كامب ديفيد عاد عرفات إلى غزة واستقبل استقبال الأبطال، وقد واجه كلينتون وواجه باراك ، ودافع عن حقوق الفلسطينيين، ولم يقبل بالإملاءات، ويقول روس: إن عرفات الذي كان دائماً رمزاً للتحدي - الرمز الذي غالباً ما كان القوة الدافعة للتحرك الفلسطيني- كان مرتاحاً في العلن لكنه لم يكن كذلك في سره·

اقرأ أيضا

جانتس يطالب برئاسة حكومة الوحدة في إسرائيل